-->
U3F1ZWV6ZTczODgxNjA1NzJfQWN0aXZhdGlvbjgzNjk3NjY4OTI5
recent
اخر المنشورات

رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص ـ قانون الأعمال ـ تحت عنوان مخاطر القروض البنكية وآليات ضبطها

رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص ـ قانون الأعمال ـ تحت عنوان مخاطر القروض البنكية وآليات ضبطها

 رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص ـ قانون الأعمال ـ تحت عنوان مخاطر القروض البنكية وآليات ضبطها

مقدمة

إذا كانت المؤسسات البنكية من بين المؤسسات المالية المعنية بدعم وتنشيط دواليب الاقتصاد الوطني والعالمي والمحافظة على استقراره وتوازنه، فإنه وللقيام بهذا الدور المالي والتنموي يتعين على هذه المؤسسات مراعاة مجموعة من الضوابط والمعايير الرقابية عند تعاملها مع عملائها. وذلك من أجل تفادي الوقوع في بعض المخاطر المالية التي قد تؤدي حال تحققها إلى تعرض هذه المؤسسات لجملة من الصعوبات المالية التي قد تؤثر على حياتها التجارية. بل وعلى حياة كل الفاعلين الاقتصاديين المتعاملين معها من تجار أفراد ومقاولات صناعية وتجارية. بل وحتى مالية، الأمر الذي قد ينعكس في نهاية المطاف سلبا على الاقتصاد الوطني والعالمي.

ولعل ما يشهده العالم اليوم من اضطرابات اقتصادية ومالية همت كل الأسواق المالية الكبرى بدء من بورصة وول ستريت والبورصات الأوربية والآسيوية لأكبر دليل على حجم الصعوبات التي أصبحت تعاني منها اقتصاديات الدول الكبرى وذلك بفعل الانهيارات المتتالية لمجموعة من البنوك الأمريكية وفي مقدمتها بنك ليمان برادرز الأمريكي (1)، وذلك جراء قيام هذه المؤسسات البنكية بمنح قروض عقارية ذات مخاطر عالية دون مراعاة للمعايير والضوابط الرقابية المعمول بها في هذا المجال.

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مدى تغلغل الائتمان البنكي بصفة عامة في شرايين الاقتصاد العالمي كأحد أهم المصادر التمويلية للأفراد والمقاولات على اختلاف أنواعها وأشكالها.

فمما لاشك فيه أن الائتمان البنكي يعتبر أحد أهم المصادر التمويلية للمقاولة إن على المستوى الوطني أو الدولي. وبذلك فهو يحتل مركز الريادة في تمويل وتزويد            الأفراد  والمقاولات  على  حد  سواء  بمختلف احتياجاتهم المالية والتمويلية سواء منها الآنية

 

 (1) يعتبر بنك ليمان برادرز رابع اكبر بنك استثماري في الولايات المتحدة الأمريكية وعمره أكثر من قرن ونصف قرن. ولقد تعرض هذا البنك لخسائر مالية قدرت بحوالي سبع مليارات دولار وذلك بفعل أزمة الائتمان التي يعرفها القطاع البنكي الأمريكي.

     أنظر بهذا الخصوص : .Fr  www.Busnessdecision

 

أو المستقبلية، وذلك على الرغم من الصعوبات والإشكالات التي يطرحها هذا النوع من التمويل بين باقي وسائل وطرق التمويل الأخرى.

فالائتمان البنكي ماهو إلا نتيجة طبيعية للودائع التي تتلقاها المؤسسات البنكية من مختلف عملائها، وبالتالي فإن هذه المؤسسات تتاجر في غالب الأحيان في أموال ليست في ملكها وإنما هي  موضوعة لديها على سبيل الوديعة يمكن استرجاعها في أي وقت وحين، وهو الأمر الذي قد تكون له آثار سلبية، وذلك حينما يتهافت المودعين على سحب ودائعهم من الأبناك  نتيجة ظهور بعض الصعوبات أو الأزمات المالية التي قد تهدد استمرارية الحياة التجارية لهذه المؤسسات.

وعليه فإذا كانت البنوك قد قامت على تجارة النقود. باعتبار البنك وسيطا بين صاحب رأس المال الذي يودعه البنك وبين التاجر الذي يكون في حاجة إلى هذا المال ليقوم بنشاطه التجاري، فيقوم البنك بإقراضه ما يحتاجه من نقود. فإن دور البنك ليس مجرد التقريب بين أصحاب الودائع النقدية والتجار أو غيرهم ممن يطلبون الائتمان، وإنما تقوم البنوك في هذا المجال وهو توزيع الائتمان بأخطر أدوارها في الاقتصاد وهو توزيع المخاطر التي يتعرض لها نتيجة عدم الوفاء له بالقروض التي يمنحها لعملائه .

ومن تم كانت المخاطر التي ترافق عمليات القروض البنكية من بين أحد أهم المواضيع التي استأثرت باهتمام الخبراء والباحثين في المجال المالي والقانوني على حد سواء، وذلك منذ أواسط العقد الثامن من القرن الماضي. حينما ثم الاتفاق في مدينة بال السويسرية على جملة من المعايير المالية والرقابية التي يتعين على المؤسسات البنكية احترامها والأخذ بها عند قيامها بمختلف أنشطتها الائتمانية، وهي الاتفاقية التي عرفت لاحقا باتفاقية " بال الأولى لمعيار رأس المال " (1).

 (1) L’accord dit : Bâle I. adopté en 1988, à posé les bases d’un dispositif international d’adéquation des fonds propres. Il fixe les exigences minimales de fonds porpres (ration  « cooke) imposant ainsi aux banque de couvrir au moins 8% des crédits qu’elles octroient aux entreprises au moyen de leurs fonds propres .

   Arnaud de servigny en collaboration avec ivan Zelenko : le risque de crédit . Noveaux enjeux Bancaires. Dunod. Paris. 2001. P 7.

 

غير أن هذه الاتفاقية التي جاءت لتحصن المؤسسات البنكية من مختلف المخاطر التي تعرفها مهنة الصيرفة، لم تكن قادرة لوحدها على استيعاب جل المخاطر التي تتهدد هذه المهنة وذلك نتيجة للتطور السريع والمستمر في الأدوات والأساليب المستعملة في هذا المجال. الأمر الذي أدى إلى تعديل جزئي في محتوى هذه الاتفاقية سنة 1996 هم بالأساس مخاطر السوق. ثم تعديل جذري لنص الاتفاقية سنة 2004 وذلك بهدف مواكبة مختلف المستجدات التي يعرفها هذا القطاع المالي، ولاسيما إدراج مخاطر التشغيل ضمن قائمة المخاطر التي تتهدد النشاط البنكي (1).

ووعيا من المشرع المغربي بأهمية هذه المستجدات القانونية ودورها في حماية النظام البنكي والمالي على الصعيد الوطني. انخرط المغرب بدوره في سلسلة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية همت بالأساس قانون المال والأعمال أو ما أصبح يعرف بالقانون الاقتصادي. وذلك بهدف التوفر على أرضية قانونية صلبة ومتينة قادرة على مجابهة مختلف الإشكالات والصعوبات التي يعرفها هذا القطاع.

وتأسيسا على ذلك شهدت القوانين المؤطرة للنشاط المالي بصفة عامة طفرة تشريعية منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، تمثلت بالأساس في إصلاح كل من النظام البنكي عبر ظهير 6 يوليوز 1993. وخلق سوق مالي للأسهم والسندات عبر ظهير 21 شتنبر 1993 المتعلق بإحداث بورصة للقيم كما ثم تعديله وتتميمه، كما طال التغيير في مرحلة لاحقة جل القوانين ذات الصلة بقانون المال والأعمال، من قبيل مدونة التجارة وقانون شركات المساهمة وباقي أنواع الشركات الأخرى. إضافة إلى استحداث قوانين جديدة من مثل قانون حرية الأسعار والمنافسة وقانون تسنيد الديون الرهنية والقانون المنظم لعمليات الاستحفاظ والقانون المتعلق بهيآت توظيف الأموال بالمجازفة.

 (1) En juin 2004 : le comité de Bâle a puplié la version définitive du : Nouvel Accord sous l’appellation   « Convergence internationale sur les normes et l’évaluation des fonds propres ».

   Le nouvel accord de Bâle repose sur les trois piliers suivantes.

    - Des exigence minimales en fond propres.

    - Un processus de surveillance prudentielle renforcée.

    - La disciplines de marché moyennant la publication par les banques d’informations faibles et    périodique sur la nature, le volume et les méthodes de gestion des risques.

   MALIANI YOUSSEF : La gestion Bancaire du risque de crédit. mémoire de fin d’études pour  l’obtention du DESA en Sciences de gestion. Université Hassan II. Casablanca. 2004 – 2005. P 10.

ويبقى أهم تعديل جاء به المشرع المغربي في هذا الإطار هو ذاك الذي طال القطاع البنكي من خلال القانون رقم 76.03 المتعلق بالقانون الأساسي لبنك المغرب (1) والقانون رقم 34.03 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيآت المعتبرة في حكمها (2) وذلك بغية ضمان الاستقرار والاستمرارية للدورة المالية والاقتصادية حتى يتمكن القطاع البنكي من القيام بدوره في تعبئة المدخرات وتوزيع الائتمانات بالشكل الذي يحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية لمختلف مكونات الاقتصاد المغربي.

وهكذا جاء هذا القانون البنكي من أجل دعم وتقوية الصلابة المالية لمؤسسات الائتمان وذلك من خلال تشديد الرقابة على الأنشطة الائتمانية لهذه المؤسسات. وأيضا  عبر التشدد في حساب القواعد الاحترازية المفروضة عليها وذلك بهدف تضييق الخناق على المخاطر التي ترافق العمليات الائتمانية للمؤسسات البنكية.

خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنه كان من جملة الدوافع التي أدت إلى اقتراح تعديل القانون البنكي السابق – ظهير 6 يوليوز 1993 – هو سلسلة الفضائح المالية التي انفجرت في عدة مؤسسات ائتمان كبرى. كالقرض العقاري والسياحي والبنك الوطني للإنماء الاقتصادي وغيرهما من المؤسسات. مما أثبت أن النظام الساري لا يوفر الضمانات المطلوبة لسلامة المتعاملين مع القطاع البنكي.

الأمر الذي أدى إلى بلورة تصور جديد لتنظيم القطاع البنكي ترجم على أرض الواقع بصدور قانون رقم 34.03. هذا الظهير الذي جاء بمجموعة من المستجدات في أساليب مراقبة وعمل مؤسسات الائتمان يمكن حصر أهمها فيما يلي :

- توسيع مجال تطبيق هذا القانون ليشمل هيآت أخرى تمارس النشاط البنكي.

- تعزيز استقلالية بنك المغرب وسلطاته في مجال الإشراف والرقابة.

 

 (1) ظهير شريف رقم 1.05.38 صادر في 20 من شوال 1426 (23 نوفمبر 2005) بتنفيذ القانون رقم 76.03 المتعلق بالقانون الأساسي لبنك المغرب الجريدة الرسمية عدد 21.5397 محرم 1427 (20 فبراير 2006) ص 427.

(2) ظهير شريف رقم 1.05.178 صادر في 15 من محرم 1427 (14 فبراير 2006) بتنفيذ القانون رقم 34.03 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيآت المعتبرة في حكمها الجريدة الرسمية عدد 21.5397 محرم 1427 (20 فبراير 2006) ص 435.

 

- توسيع صلاحيات مراقبي الحسابات والذين أصبحوا مطالبين بالإضافة إلى مراقبة حسابات مؤسسات الائتمان من التأكد من الإجراءات المتخذة لاحترام المقتضيات المحاسبية والاحترازية والمراقبة الداخلية.

- مراجعة المساطر المتعلقة بتدبير الأزمات.

- تقوية حماية المودعين.

- إحداث تعاون بين سلطات الرقابة على القطاع المالي على غرار ماهو معمول به دوليا وذلك بإحداث لجنة للتنسيق بين مختلف سلطات الرقابة.

على أن القيمة المضافة التي يتميز بها هذا القانون تكمن بالأساس في الأخذ بتوصيات لجنة بال الثانية وذلك فيما يخص إلزام مؤسسات الائتمان بوجوب التوفر على أنظمة داخلية لمراقبة وتسيير المخاطر البنكية، وأيضا فيما يخص إعطاء حيز أكبر للأدوات والمعاملات المالية في احتساب هذه المخاطر وذلك عبر التشدد في التدابير الاحترازية الجديدة، لاسيما وأن استفادة القطاع البنكي الوطني من تمويلات الهيآت الدولية ودعمها رهين بالتكيف مع المعايير الدولية لتدبير المخاطر وذلك على اعتبار أن الإشكالية البنكية ماهي إلا إشكالية دولية تعالج بالتوصيات وأن النص المطروح ماهو إلا انعكاس لهذه التوصيات.

وهكذا شكلت المخاطر البنكية بصفة عامة إحدى أهم الإشكالات التي تعرقل النشاط الطبيعي لمؤسسات الائتمان، وذلك على اعتبار أن هذه الأخيرة مهددة في عملها بالعديد من المخاطر تتدرج من احتمال ضياع حقوقها بفعل تعرض عملائها لصعوبات مالية إلى احتمال مساءلتها عند تدخلها لدعم وتمويل عملاء لا تتوفر فيهم شروط الائتمان (1) إلى غير ذلك من المخاطر التي تتنوع وتتعدد بتنوع وتعدد العمليات البنكية.

ولقد عرف بعض الفقه (2) المخاطر البنكية بصفة عامة بأنها تلك المخاطر التي تعرض البنك إلى خسائر غير متوقعة وغير مخطط لها. الأمر الذي يؤدي إلى تذبذب العائد

 

 (1) La manifestation du risque de crédit bancaire ne se résume pas seulement en une perte <séche> pouvant avoir des incidences sur la santé de la banque. Elle-même il peut également entraîner une mise en cause de sa responsabilité devant les tribunaux.

   NAJIB ibn ABDELJALIL : la Gestion du risque du crédit bancaire aux entreprises. Mémoire pour l’obtention du diplôme d’études supérieures approfondies. Université Hassan II. 2004 – 2005. P 15.

(2) محمد صبري : الأخطاء البنكية، أساس مسؤولية البنكي عن عدم ملاءمة الائتمان مع مصلحة الزبون، الطبعة الأولى 2007، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 214.

المتوقع من استثمار معين. قد تنجم عنه عدة آثار سلبية تتولد عن أحداث مستقبلية محتملة الوقوع لها قدرة على التأثير على تحقيق البنك لأهدافه المعتمدة وتنفيذ استراتيجياته بنجاح.

في حين عرفها البعض الآخر (1) وفقا للمفهوم الضيق بأنها تلك المخاطر المصاحبة لمنح الائتمان البنكي وبعبارة أوضح جميع الاحتمالات القائمة والمرتكزة على أساس عدم قيام العميل بالوفاء بالتزاماته تجاه البنك.

والذي يهمنا في هذا السياق هو المفهوم الضيق للمخاطر البنكية المصاحبة لمنح الائتمان عن طريق عقد القرض البنكي، وذلك باعتبارها من بين أهم المخاطر التي تهدد الصلابة المالية لمؤسسات الائتمان، بالنظر إلى حجم القروض التي تقوم هذه المؤسسات بتوزيعها.

وتجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أن القانون رقم 34.03 لم يتناول المخاطر البنكية في خصوصياتها وإنما تعرض لها عند الحديث عن القواعد الاحترازية الواجب على مؤسسات الائتمان احترامها والتقيد بها.

وعموما فإنه وقبل الخوض في طبيعة هذه المخاطر وأنواعها، فقد ارتأينا بادئ ذي بدء الحديث عن عقد القرض في عمومياته وذلك باعتباره العقد الذي تترتب عنه هذه المخاطر ولكون موضوع البحث لا يمكن أن يتم بمعزل عن تحديد مفهوم هذا العقد، وذلك وفقا للشكل التالي :

أولا : تعريف عقد القرض

ثانيا : أنواع القروض البنكية

ثالثا : عقد القرض البنكي والالتزامات المترتبة عنه

رابعا : أهمية الموضوع ومبررات اختياره

خامسا : الإشكالات التي يطرحها الموضوع

سادسا : خطة البحث.

 

 (1) محمد جنكل : الائتمان التجاري، عمليات الائتمان البنكي نموذجا، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، وحدة قانون الأعمال، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، السنة الجامعية 2000 – 2001، ص 272.

 

 

أولا : تعريف عقد القرض.

<><> 

القرض لغة : بمعنى القطع، قرضه، يقرضه بالكسر قرضا وقرَّضه قطعه.

والقَرض والقِرض ما يتجازى به الناس بينهم ويتقاضونه. وجمعه قروض وهو ما أسلفه من إحسان وإساءة وهو على التشبيه مصداقا لقول الله تعالى " وأقرضوا الله قرضا  حسنا " (1).

وهذا هو الأصل فيه ثم استعمل في السلف والسفر والشعر والمجازاة (2) والقرض في المكان العدول عنه (3).

واصطلاحا : قطع جزء من المال بالإعطاء على أن يرد بعينه أو يرد مثله بدلا منه (4) وعرفه فقهاء المالكية بأنه دفع المال على وجه القربة لله تعالى لينتفع به آخذه ثم يرد له مثله أو عينه (5).

ولقد تناول المشرع المغربي عقد القرض ضمن أحكام العارية في الفصول من 856 إلى 869 من ق ل ع. كما نظم القرض بفائدة في الفصول من 870 إلى 879 من نفس القانون (6) وهكذا عرف المشرع المغربي عقد القرض في الفصل 856 من ق ل ع كما يلي :

" عارية الاستهلاك أو القرض عقد بمقتضاه يسلم أحد الطرفين للآخر أشياء مما يستهلك بالاستعمال أو أشياء منقولة أخرى، لاستعمالها، بشرط أن يرد المستعير عند انقضاء الأجل المتفق عليه، أشياء أخرى مثلها في المقدار والنوع والصفة " (7).

 (1) ابن منظور الإفريقي المصري : لسان العرب للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن منظور الإفريقي المصري، دار بيروت، دار صادر للطباعة والنشر الجزء السابع، ص 216 وما بعدها.

(2) ومن هذا المعنى قول أبي الدرداء : " إن قارضت الناس قارضوك وإن تركتهم لم يتركوك وإن هربت منهم أدركوك ".

     أنظر بهذا الخصوص : محمد علي محمد أحمد البنا : القرض المصرفي دراسة تاريخية مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، دار الكتب العلمية، بيروت الطبعة الأولى 2006، ص 117.

(3) مصداقا لقوله تعالى : " وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال " سورة الكهف الآية 17.

(4) تعريف احمد الشرباصي، وارد بمرجع عائشة الشرقاوي المالقي : البنوك الإسلامية التجربة بين الفقه والقانون والتطبيق، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2000، ص 525.

(5) نزيه حماد : عقد القرض في الشريعة الإسلامية، عرض منهجي مقارن، دار القلم دمشق، الدار الشامية بيروت 1410هـ ، ص 9.

(6) نشير في هذا الإطار إلى أن المشرع المغربي قد ميز بين عارية الاستعمال وتنصب أساسا على الأشياء التي تستعمل وتبقى محافظة على ذاتيتها ثم ترد بعينها، (الفصول  من 830 إلى 855 ق ل ع) وعارية الاستهلاك وهي القرض وتنصب على الأشياء التي تستهلك بالاستعمال فيرد مثلها (الفصول من 856 إلى 869 ق ل ع).

    وهكذا نص الفصل 829 من ق ل ع على أن  : " العارية نوعان : عارية الاستعمال وعارية الاستهلاك أو القرض ".

(7) في حين جاء في الفصل 1892 من القانون المدني الفرنسي المطابق لنص الفصل 856 من ق ل ع بما يلي :

« Le prêt de consomation est un contrat par lequel l’une des parties livre à l’autre une certaine quantité de choses qui se consomment par l’usage à la charge par cette dernière de lui en rendre autant de même espèce et qualité ».

 

وبالموازاة مع ذلك نص الفصل 857 من نفس القانون على أنه :

" وتنعقد عارية الاستهلاك كذلك عندما يوجد مبلغ من النقود أو كمية من الأشياء المثلية بين يدي المدين على وجه الوديعة أو بأية صفة أخرى ويأذن له الدائن بالاحتفاظ بما بين يديه على سبيل القرض. وهنا يتم العقد بمجرد اتفاق الطرفين على الشروط الأساسية للقرض " (1).

فانطلاقا من هذه النصوص يتبين لنا أن عقد القرض ينصب دائما على شيء مثلي، وهو في الغالب الأعم عبارة عن مبلغ من النقود. بحيث ينقل المقرض إلى المقترض ملكية الشيء المقترض على أن يرد المقترض عند حلول الأجل أشياء أخرى مثلها في المقدار والنوع والصفة. فالقرض إذن يتمثل في تقديم شيء مثلي لشخص لينتفع به ويلتزم بإرجاع مثله في أجل معين.

ويخضع عقد القرض للقواعد العامة التي تؤطر انعقاد العقود الرضائية من حيث تطابق الإيجاب والقبول وتوفر الأهلية والسبب والمحل.

فالأهلية التي يجب أن تتوافر في المقرض هي أهلية التصرف. إذ هو ينقل ملكية الشيء المقترض. وهذا إذا كان القرض بفائدة أما إذا كان بغير فائدة فهو تبرع. ومن ثم يجب أن تتوافر في المقرض أهلية التبرع. وإذا أقرض القاصر أو المحجور بغير فائدة كان باطلا لأنه ضار به ضررا محضا. أما إذا أقرض بفائدة فإن القرض يكون قابلا للإبطال    لمصلحته (2).

ونشير في هذا السياق إلى أن عقد القرض البنكي يخضع لنفس القواعد العامة الواردة في ق ل ع. ما لم يوجد عرف بنكي يقضي بخلاف ذلك. وذلك على اعتبار أن أحكام القرض البنكي لا تختلف بكثير عن أحكام القرض المدني وخاصة منها ما يتعلق بتسليم المال موضوع العقد ورده وتحديد الضمانات اللازمة له إن اقتضى الحال.

 

 (1) عرفت المادة 538 من القانون المدني المصري عقد القرض بأنه :

    " عقد يلتزم به المقرض أن ينقل إلى المقترض ملكية مبلغ من النقود أو أي شيء آخر على أن يرد إليه المقترض عند نهاية القرض شيئا مثله في مقداره ونوعه وصفته ".

(2) عبد الرزاق احمد السنهوري : الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، الجزء الخامس، العقود التي تقع على الملكية، المجلد الثاني، الهبة والشركة والقرض والدخل الدائم والصلح. دار النهضة العربية، القاهرة 1962، ص 437.

 

وهذا التحديد يتماشى مع موقف المشرع المغربي الذي لم يتناول عقد القرض في مدونة التجارة كعقد من العقود البنكية الخاصة أو ضمن القانون البنكي. وبهذا فإن المشرع المغربي يكون قد أحال ضمنيا تنظيم أحكام هذا العقد على ق ل ع وعلى الأعراف البنكية المعمول بها في هذا المجال.

وينفذ الاتفاق على القرض البنكي بأن يدفع البنك فعلا مبلغا نقديا للعميل أو لشخص يعينه هذا العميل. والمقصود بدفع المبلغ هو أن يضعه البنك تحت أمر العميل الذي يملك التصرف فيه بلا شرط (1).

غير أنه في هذا الصدد يجب التفرقة بين القرض البنكي والقرض المدني في مجموعة من النقاط فالقرض البنكي يتميز عن القرض المدني بأنه يتم عن طريق دفع البنك للعميل المقترض أو لوكيله مبلغا معينا من النقود. أو عن طريق قيام البنك المقرض بإدراج هذا المبلغ المالي في الحساب البنكي المفتوح لديه من قبل العميل المعني بالأمر مقابل تعهد هذا الأخير برد مبلغ القرض في تاريخ معين مضافا إليه مبلغ الفائدة. إضافة إلى ذلك فإن القرض البنكي يعتبر من بين أبسط صور عمليات الائتمان التي تقوم بها الأبناك. وهذا عكس القرض المدني الذي يبقى حكرا على الأفراد بالدرجة الأولى. كما أن القرض البنكي يشترط دفع العميل فائدة إلى البنك إضافة إلى إرجاع مبلغ القرض. أي أن عقد القرض البنكي يعتبر عقد معاوضة في حين أن القرض المدني يمنع فيه التعامل بالفائدة بين المسلمين حسب صريح المادة 870 ق ل ع وبالتالي فالقرض المدني يعتبر كقاعدة عامة عقد تبرع.

وتأسيسا على كل ما سبق يمكن القول بأن عقد القرض لا يعتبر بطبيعته عملا تجاريا. ولكنه يكتسب الصفة التجارية إذا قامت به مؤسسات الائتمان في إطار عملياتها الائتمانية القائمة على عنصر الوساطة في التداول والمضاربة (2).

 

 (1) علي جمال الدين عوض : عمليات البنوك من الوجهة القانونية، دار النهضة العربية القاهرة، 1988، ص 465.

(2) هذا ما يستنتج من خلال الفقرة السابعة من المادة السادسة من مدونة التجارة التي نصت على ما يلي :

    " مع مراعاة أحكام الباب الثاني من القسم الرابع بعده المتعلق بالشهر في السجل التجاري، تكتسب صفة تاجر بالممارسة الاعتيادية أو الاحترافية للأنشطة التالية :

    7 – البنك والقرض والمعاملات المالية ".

وبالتالي فإن عقد القرض البنكي يخضع لقواعد الإثبات الواردة في مدونة التجارة وللقواعد الإجرائية الخاصة بالمحاكم التجارية من حيث الاختصاص والآجال كماهي واردة في القانون رقم 53.95 القاضي بإحداث محاكم تجارية(1).

والملاحظ أن هذا التنوع في التأطير القانوني للقروض. راجع بالأساس إلى التفرقة التقليدية بين القانونين المدني والتجاري. ونظرا لكون فعالية القروض أكبر في المجال التجاري وأن أعلى نسبة منها توزعها البنوك، ولذلك فإنها تكون من اختصاص القانون التجاري القادر على تطويعها لتتكيف مع متطلبات دنيا الأعمال، على أن يبقى القانون المدني مختصا بوضع المبادئ العامة لهذا العقد (2).

ثانيا : أنواع القروض البنكية.

يتلقى البنك الودائع النقدية على اختلاف أنواعها. ويستعمل جزء كبير منها في الأعمال الائتمانية. حيث تتنوع وتتعدد أنواع القروض التي يقوم البنك بتوزيعها وذلك حسب طبيعة النشاط المراد تمويله وذلك على اعتبار أن الأبناك تمنح الائتمان لكل القطاعات الاقتصادية.

ورغم تعدد أنواع هذه القروض. فإن العرف البنكي قد اعتمد أساسات لتقسيمها إلى ثلاثة أقسام رئيسية وذلك حسب مدتها (قروض قصيرة أو متوسطة وطويلة الأجل) أو حسب ضماناتها (قروض مضمونة وأخرى غير مضمونة) وأخيرا حسب استعمالها أو غرضها (قروض عقارية. قروض استهلاكية).

وعلى الرغم مما لهذه التقسيمات من أهمية قانونية فهي لا تخلو من تداخل وتشابك. أساسهما ارتباط الائتمان بالحياة الاقتصادية من جهة وخضوع جل القروض لنفس القواعد العامة المطبقة على عقد القرض من جهة أخرى.

1) تصنيف القروض على أساس مدة استحقاقها.

يمكن تقسيم القروض على أساس مدة استحقاقها إلى ثلاثة أنواع رئيسية وهي القروض قصيرة الأجل وقروض متوسطة وطويلة الأجل.

 (1) ظهير شريف رقم 1.97.65 صادر في 4 شوال 1417 (12 فبراير 1997) بتنفيذ القانون رقم 53.95، جريدة رسمية عدد 4482 بتاريخ 15 ماي 1997، ص 1141.

(2) عائشة الشرقاوي المالقي : البنوك الإسلامية، مرجع سابق، ص 543.

أ – القروض القصيرة الأجل : تعتبر القروض القصيرة الأجل، قروض تستحق في أجل قصير لا يتجاوز السنة. وهذا النوع من القروض يشكل أكبر نسبة من حجم القروض الموزعة من طرف مؤسسات الائتمان. إذ تمثل ما يقرب من 60% من حجم القروض الممنوحة. كما سجلت هذه القروض ارتفاعا ملحوظا سنة 2006 لتبلغ 138.1 مليار درهم أو 20,1% بدل نسبة 11,4 % سنة 2005 (1).

ب – القروض متوسطة الأجل : وهي القروض التي يتجاوز أجلها سنة واحدة ولكنها لا تتعدى خمس سنوات. ولقد عرفت هذه القروض بدورها تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة. إذ انتقلت من 43.354 مليون درهم سنة 2004 إلى 69.115 مليون درهم سنة 2006. مما يجعلها تحتل المرتبة الثانية من حيث الأهمية بعد القروض القصيرة الأجل (2).

ج) القروض الطويلة الأجل : هي تلك القروض التي يتجاوز أجل استحقاقها خمس سنوات لكنها لا تتعدى أكثر من خمس وعشرين سنة في أغلب الحالات. وتوجه هذه القروض عادة لتمويل الاستثمارات والمشاريع التجارية والصناعية الضخمة من أعمال تأسيس وبناء وشراء آلات ومعدات وتجهيزات.

ونظرا للمدة الطويلة التي يتميز بها هذا النوع من القروض فإنها تنطوي بطبيعتها على درجة مخاطر عالية يمكن أن تتسبب للمؤسسات المانحة في ظهور بعض الأزمات على مستوى السيولة، ناهيك عن احتمالات عدم السداد وذلك تبعا للتغيرات التي يمكن أن تطرأ على مستوى المركز المالي للمقترض.

ورغم ذلك فقد سجلت قيمة هذه القروض ارتفاعا ملحوظا إذ انتقلت بدورها من 52,614 مليون درهم سنة 2004 إلى 84,581 مليون درهم سنة 2006 ويعزى هذا التطور بالأساس إلى تزايد قروض السكن والتجهيز.

2) تصنيف القروض على أساس غرضها.

تنقسم القروض من حيث الغرض من استخدامها إلى عدة أنواع أهمها القروض الموجهة   للاستثمار   و القروض  العقارية  والقروض  الاستهلاكية  والقروض  الممنوحة

 

 (1) من التقرير السنوي لبنك المغرب 2006، ص15.

(2) من التقرير السنوي لبنك المغرب 2006، ص15.

 للمؤسسات المالية كالشركات التي تعتمد على بيع وشراء الأوراق التجارية في نشاطها وشركات التأمين وغيرها.

وسنقتصر في دراستنا لهذه القروض على أهمها من الناحية العملية وهي القروض العقارية والقروض الاستهلاكية.

أ) القروض العقارية.

تشكل القروض العقارية أحد أهم أنواع القروض التي تقدمها البنوك لعملائها، وتلعب هذه القروض دورا كبيرا في تسريع مسلسل التنمية الاقتصادية والاجتماعية عبر مختلف القطاعات الحيوية وذلك من خلال تمويل قطاع السكن وتمويل استثمارات المنعشين  العقاريين وتمويل الاستثمارات السياحية كبناء الفنادق وتجهيزها. ونظرا لعدم قدرة الأبناك على تلبية كل طلبات الاقتراض الموجهة لتمويل هذه القطاعات الحيوية. وذلك اعتبارا لطول مدتها وكبر حجم المبالغ المطلوبة وارتفاع نسبة المخاطر المرتبطة بها. قامت الدولة بإنشاء مؤسسات وصناديق مالية متخصصة  ومدعمة من طرفها بهدف تمويل هذه القطاعات. ويتعلق الأمر بالخصوص بكل من صندوق الضمان الخاص بذوي الدخل المحدود وغير القار (FOGARIM) وصندوق الضمان الخاص بالموظفين وأعوان الدولة والجماعات المحلية ومستخدمي القطاع العام (FOGALOGE Public).

وعلى ضوء الاستقصاء الذي أجراه بنك المغرب لدى النظام البنكي حول تطور القروض للعقار خلال سنة 2006. تبين أن قيمة قروض السكن التي بلغت 66,5 مليار درهم. شكلت أكثر من 90% من مجموع القروض. مسجلة بذلك ارتفاعا بنسبة 26% بينما استفاد قطاع الإنعاش العقاري من البقية (1).

ويتضح من خلال التوزيع الجهوي للقروض للعقار تمركز هذه الأخيرة في كل من جهة الدار البيضاء وجهة الرباط – سلا – زمور – زعير. بالإضافة إلى ذلك أبرز الاستقصاء توجه البنوك نحو التمويل بأسعار فائدة متغيرة مع تمديد المدة المتوسطة في ما يتعلق  بقروض  السكن.  وهكذا  ثم  تطبيق  أسعار  متغيرة  على  نسبة 42%  من القروض

 

 (1) من التقرير السنوي لبنك المغرب 2006  ص44

 

الموزعة سنة 2006. فيما عرفت المدة المتوسطة للقروض تمديدا حيث انتقلت من 14,6 سنة 2005 إلى 15,8 سنة 2006 (1).

ب) القروض الاستهلاكية.

تقدم هذه القروض للأفراد من اجل تمويل احتياجاتهم الاستهلاكية. فهي قروض تنصب على تمويل الشراءات للأموال المنقولة وجميع الخدمات المنصبة على  استهلاك الأدوات المنزلية (2).

فالقروض الاستهلاكية موجهة مبدئيا لتنمية الاقتصاد ولرفاهية مواطني الدولة بصفة عامة فهي تسمح وتمكن المستهلك من شراء المنتوجات أو الأموال المادية الأخرى أو بالاستفادة من الخدمات. لكن ما يميز أداءها المؤجل عن الأداء الناض. هو أن المستهلك يحوز تلك الأموال والخدمات قبل أن يسوي مصاريفها مع التاجر أو المهني الذي قدمها له. فالمستهلك لا يبدأ في أداء ثمن تلك الأدوات أو الخدمات موضوع القرض الاستهلاكي إلا بعد مرور مدة يتفق عليها مع البائع أو المقرض أو مقدم الخدمة. وعليه فإن قرض الاستهلاك هو الذي يقدم لتمويل حاجيات شخصية أو عائلية أو تجهيز منزلي (3).

ومن أهم خصائص هذا النوع من القروض، كونها ليست لها وجهة محددة للتمويل عند التعاقد. لكنها تأخذ وجهتها عند استعمالها من طرف المستهلك، الذي يعود له الحق في استعمال قرضه بكل حرية لتمويل الشراءات والخدمات التي يقع اختياره عليها (4) ويتميز هذا النوع من القروض بموسمية الإقبال عليه، وكذا بمبلغه المحدود بين حدين أدنى و أعلى. ولقد اعتبرت محكمة النقض الفرنسية أن هذا النوع من القروض تطبق عليه مقتضيات قانون الاستهلاك الفرنسي. حيث اعتبرت أن القرض الشخصي قرض استهلاك مهما كانت طبيعة تخصيصه (5) وعلى خلاف ذلك لم يشر مشروع قانون الاستهلاك المغربي لهذا النوع من القروض حيث يبقى حاليا خاضعا للقواعد العامة والخاصة التي يخضع لها تنظيم القروض البنكية.

(1) من التقرير السنوي لبنك المغرب 2006، ص

(2) Bruno Moschetto et André Plagnol : le crédit à la consomation, que sais je ? N° 1516 édition Puf. Paris 1973. P 5.

(3) Abdellah Boudahraine : le droit de la consommation au Maroc. 1ère édition 1999. édition AL Madariss. Casablanca. P 24.

(4)  Jean Calais – Auloy et Frank Steinmetz : Droit de la consomation, DALLOZ, précis droit privé. 1996, P 316.

(5) Revue juridique . DALLOZ, N° 2036. 1998. P 254.

ومن بين الإشكالات التي يطرحها هذا النوع من القروض نذكر إشكال الاستدانة المفرطة وهي حالة تراكم الديون المتمثلة في الاستحالة الواضحة بالنسبة لمستهلك ذي النية الحسنة على مواجهة كل ديونه غير المهنية الحالية والمستقبلية، الأمر الذي يؤدي إلى إحداث خلل في توازن ميزانيته يستحيل معها تسديد جميع مستحقات هذه الديون.

3) تصنيف القروض على أساس الضمان.

<><> 

 

يعتبر عنصر الضمان من بين أحد أهم الوسائل التي تلجأ لها مؤسسات الائتمان من أجل حماية نفسها ضد مخاطر القروض البنكية. فهذه الوسيلة تساعد الأبناك على استيفاء حقها وذلك حين تخلف العميل المقترض عن الوفاء بالتزاماته العقدية.

وتقسيم القروض البنكية في هذا المجال إلى قسمين رئيسيين. وهما القروض الموثوقة بضمان والقروض غير الموثوقة بضمان.

أ – القروض الموثوقة بضمان : هي تلك القروض التي تمنح بضمان معين. وكيفما كان نوع هذا الضمان. ويطلق على هذه الضمانات اسم ضمانات تكميلية لأنها تطلب استكمالا لعناصر الثقة الموجودة أصلا وليس بديلا عنها.

والضمان هو إعطاء حق معين للمقرض، يستطيع به أن يسترد المبلغ الذي له في ذمة المقترض. ويتوقف الضمان هنا على درجة المخاطرة الائتمانية التي يتحملها البنك في عمليات الإقراض.

وفي الواقع تختلف طبيعة الضمانات التي يطلبها البنك والأشكال التي يمكن أن تأخذها. ويمكن على العموم تصنيف هذه الضمانات إلى صنفين رئيسيين هما الضمانات الشخصية والضمانات العينية. وأهم الضمانات العينية هي الرهن خاصة الرهن العقاري ورهن الأصل التجاري والقيم المنقولة. أما الضمانات الشخصية فتتمثل في تقديم المقترض لكفيل له كضامن لملاءته من أجل تنفيذ جل الالتزامات المترتبة عن عقد القرض.

ب) القروض الغير موثوقة بضمان : هي تلك القروض التي تمنح بدون الاستناد إلى ضمان معين إلى عملاء اشتهروا باستقامتهم وبوفائهم بالتزاماتهم وبملاءة ذمتهم المالية. وأغلب البنوك من الناحية العملية لا تمنح هذا النوع من القروض إلا لبعض المؤسسات التي لها وزنها في الاقتصاد المغربي. كالمكتب الشريف للفوسفاط ومكتب استغلال الموانئ.

وعموما فمهما كان نوع القرض البنكي وطبيعته فإنه يبقى دائما عبارة عن عقد يربط بين البنك المقرض والعميل المقترض. وبالتالي فإنه يرتب التزامات متقابلة بين طرفيه تختلف بطبيعة الحال باختلاف المركز القانوني للمتعاقدين.

ثالثا  : عقد القرض والالتزامات المترتبة عنه.

إذا كان عقد القرض البنكي يخضع فيما يخص تكوينه وتنظيمه لمجموع القواعد القانونية الواردة بصفة عامة ضمن كل من قانون الالتزامات والعقود وبعض النصوص الخاصة، فإنه وكسائر العقود الأخرى يرتب مجموعة من الآثار والالتزامات القانونية في مواجهة طرفيه. وعليه فإننا سنعمل على تحديد أهم الالتزامات المترتبة عن هذا العقد وفقا للشكل التالي : 1) التزامات البنك المقرض.

         2) التزامات العميل المقترض.

1) التزامات البنك المقرض.

يلتزم البنك المقرض بتسليم مبلغ القرض المتفق عليه، كما يلتزم أيضا باحترام مدة السداد، وبتقديم النصح والإرشاد عند منحه للقرض. كما أنه قد يلتزم بمراقبة استعمال العميل لمبلغ القرض.

أ) الالتزام بتسليم مبلغ القرض.

يلتزم البنك بتسليم العميل المقترض مبلغ القرض المتفق عليه في العقد. وهذا ما يستفاد من نص المادة 856 ق ل ع. وهذا التسليم قد يكون دفعة واحدة. أي أن البنك يلتزم بتسليم مبلغ القرض بكامله دفعة واحدة إلى العميل المقترض، أو أن يتم التسليم على عدة دفعات، وذلك عن طريق تضمين عقد القرض المخصص مبلغه لغرض معين، ما يفيد أن التزام البنك بتسليم العميل للمبالغ المقترضة سيتم تنفيذه على مراحل بحسب تقدم العميل في استعمال هذا الجزء من القرض في الغرض المخصص له. بحيث يتم بناء على ذلك تجزئة أو تشطير مبلغ القرض إلى عدة أشطر.

وغني عن البيان هنا بأن تسليم البنك لمبلغ القرض للعميل يمكن أن يكون إما نقدا أو عن طريق إدراجه في الحساب البنكي للمقترض. وذلك حتى يتسنى له سحبه واستعماله متى شاء.

وفي هذا السياق ينبغي على البنك المقرض العمل على تحديد نوع القرض الذي يتناسب وطبيعة نشاط المقترض. وذلك على اعتبار أن البنكي كمهني يمارس عمليات الإقراض بصفة اعتيادية واحترافية وهو الذي يتحمل المسؤولية عما يلحق المقترض من أضرار ناجمة عن عدم ملاءمة القرض المعروض من طرفه لاحتياجات المقترض وبالتالي عدم ملاءمته مع مصلحته.

ب) احترام مدة السداد.

إذا كان البنك يتمتع بخصوص منح القرض أو عدم منحه بحرية كبيرة. فإنه وفي حالة إبرامه لعقد قرض مع عميل معين فإنه يلتزم باحترام مدة السداد المتفق عليها في عقد القرض. بحيث لا يمكنه للبنك مطالبة العميل بإرجاع مبلغ القرض أو جزء منه قبل حلول أجل السداد. وإلا عد مسؤولا عن كل تصرف يخالف ذلك.

وفي هذا الإطار لا يمكن للبنك تغيير مدة القرض إلا باتفاق صريح مع المقترض وهذا ما يستفاد من المادة 866 ق ل ع.

ج) التزام البنك بتقديم النصح والإرشاد للمقترض.

إن من مصلحة البنك المانح للقرض أن يقدم للعميل المقترض ما يكفي من المعلومات والنصائح التي ترشده لحسن استعمال مبلغ القرض، ويكون البنك في هذا الإطار ملزم بإرشاد العميل لكل ما قد يترتب عن عملية القرض هذه من التزامات في مواجهة الطرفين وحتى يكون هذا الأخير على بينة من حقوقه وواجباته.

ويقصد عموما بواجب النصح التزام صاحب الاختصاص في أي ميدان من الميادين بأن يبدي النصيحة لمن يتعامل معه في إطار العلاقة التي تربطهما بهدف توضيح الجوانب الخفية. والتي غالبا ما تكون تقنية لنشاط معين أو من أجل تجنيبه ما قد يترتب عن تلك العلاقة من مخاطر غير متوقعة تضربه في الحال أو في المآل (1).

 

 (1) محمد صبري : الأخطاء البنكية، مرجع سابق، ص 301.

 

 

د) التزام البنك بمراقبة كيفية استعمال العميل لمبلغ القرض.

<><> 

 

تكون مؤسسات الائتمان ملزمة بمراقبة كيفية استعمال المقترض لأقساط القرض وذلك من أجل الحيلولة دون استخدام القرض كذريعة مهنية من أجل قضاء مآرب شخصية.

ذلك أنه يكون من حق البنك، في حالة تضمين عقد القرض ما يفيد تخصيصا من هذا القبيل أن يعمل على مراقبة كيفية استخدام العميل لمبلغ القرض والتأكد من عدم خروج هذا الاستخدام عن الإطار المتفق عليه إبان منح الائتمان، إذ أن استعمال الأموال المقترضة في غير الغرض الذي على أساسه ثم إقراضها من شأنه أن يهدد قدرة المقترض على الوفاء بالتزامه المتمثل في رد ما اقترضه، مما يعطي للبنك المقرض الإمكانية في المطالبة بهذا الرد فورا وفسخ العقد نتيجة مخالفة العميل لتعهده الذي كان محل اعتبار رئيسي في هذا  العقد (1).

والغالب في الأمر أن يكون للعميل المستفيد من القرض البنكي حرية استعمال الأموال المقترضة فيما يناسبه من غير أن يكون للمؤسسة البنكية مانحة هذا القرض أي اعتراض على ذلك. ما لم ينص العقد الرابط بين الطرفين بهذا الشأن على تخصيص المبلغ المقترض لإنجاز عملية معينة أو غرض معين (2).

وإضافة إلى هذه الالتزامات فإن البنك المقرض يلتزم بعدم التعسف في شروط العقد. مع أن الواقع العملي يبين لنا بأن أغلب عقود القرض والعقود البنكية عموما هي عقود إذعان. حيث أن العميل يكتفي بإمضائها فقط ولا يكون له عادة دخل في تحديد شروطها.

2) التزامات العميل المقترض.

يلتزم العميل المقترض شأنه شأن المؤسسة البنكية المانحة للقرض بمجموعة من الالتزامات العقدية، تتمثل بالأساس في رد مبلغ القرض عند حلول الأجل أي وفقا للجدول الزمني المتفق عليه في العقد. إضافة إلى الفائدة المترتبة عن أصل القرض. كما يتعهد المقترض باستخدام مبلغ القرض في الغرض المخصص له إذا تضمن عقد القرض ما يفيد ذلك.

 

 (1) علي جمال الدين عوض : عمليات البنوك من الوجهة القانونية، المرجع السابق، ص 465.

(2) محمد لفروجي : العقود البنكية بين مدونة التجارة والقانون البنكي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، أكتوبر 1998، ص 288.

 

أ) رد مبلغ القرض عند حلول الأجل.

بما أن عقد القرض يعتبر من العقود التي ترد على الملكية، فمن المفروض أن المقرض في هذا العقد ينقل ملكية مبلغ القرض إلى المقترض منذ الوقت الذي يتم فيه العقد بتراضي الطرفين مع العلم أن الملكية تنتقل هنا إلى المقترض بالعقد وحده ولو قبل التسليم. ويترتب عما سبق بيانه أن المقترض يصير من تمام العقد مالكا ضامنا لمحل القرض ولو قبل التسليم. وإن كانت هذه القاعدة مكملة يصح الاتفاق على خلافها (1).

وتأسيسا على ما سبق يكون المقترض ملزما بأن يرجع مبلغ القرض مع الفائدة في الوقت المحدد إما دفعة واحدة أو على مراحل وذلك حسب ما ثم الاتفاق عليه في العقد، حيث تتخذ هذه الدفعات شكل أقساط شهرية أو دورية وذلك بهدف تسهيل وتيسير عملية السداد على المقترض.

ويبقى للبنك حق حبس مبلغ القرض بين يديه أو وقف مبالغ باقي أشطر القرض وذلك في الحالة التي يتوقف فيها العميل عن السداد، مع إعطائه مهلة من أجل تسوية وضعيته داخل أجل معين.

فإذا لم يقم العميل المعني بالأمر بتنفيذ ما طلب منه داخل الأجل الذي حدد له أو لم يقدم في مقابل ذلك مبررات مقبولة لعدم قيامه بذلك كأن يحصل مانع مؤقت يحول دونه والقيام بذلك يصبح البنك المقرض محقا في مطالبته بإرجاع ما تسلمه من أموال وبفسخ عقد القرض.

ب) استعمال مبلغ القرض في الغرض المخصص له.

يلتزم العميل المقترض باستعمال مبلغ القرض في الغرض المخصص له. وذلك إذا تضمن عقد القرض تخصيص مبلغ القرض لغرض معين.

وتقوم المؤسسات البنكية في الغالب بتشطير مبلغ القرض إلى أجزاء. مما يفيد التزام المقترض باستعمال مبلغ القرض على مراحل، بحيث لا يسلم له مبلغ الشطر الموالي إلا إذا أثبت أنه استعمل مبلغ الشطر الأول في الغرض المخصص له.

 (1) محمد جنكل : الائتمان التجاري ، مرجع سابق، ص 31.

 

وتلجأ الأبناك إلى هذه التقنية لأنه يصعب عليها من الناحية العملية مراقبة استخدام المقترض لمبلغ القرض في الغرض المخصص له. وبالتالي فإذا لم يثبت المقترض ما يفيد استخدام القرض في الغرض المتفق عليه فإن البنك يعمل على تعليق أو وقف باقي مبالغ أشطر القرض ويعطي مهلة للعميل المقترض من أجل تسوية وضعيته.

ج) الالتزام بدفع الفائدة المقررة.

يلتزم المقترض بدفع الفائدة عن مبلغ القرض الذي يستفيد منه والقاعدة في الفائدة هي أن تكون نسبتها مناسبة لرأس المال المعتمد في القرض وإلى مدة القرض الممنوح. وتختلف الفائدة من بنك لآخر. كما تختلف داخل المؤسسة البنكية من فئة إلى فئة أخرى من العملاء.

رابعا : أهمية الموضوع ومبررات اختياره.

أ) أهمية الموضوع.

تتجلى أهمية موضوع هذا البحث في كشف النقاب عن مخاطر القروض البنكية وعن مصادرها وتجلياتها بالنسبة لمؤسسات الائتمان. وذلك على اعتبار أن هذه المخاطر أصبحت تشكل اليوم إحدى أهم المعوقات الأساسية التي تقف في وجه تطور النشاط الائتماني لمؤسسات الائتمان وذلك من خلال تمويل الأفراد والمقاولات وبالتالي في تنمية ودعم الاقتصاد الوطني.

فلا يخفى على أحد الدور الهام الذي أصبحت تقوم به هذه المؤسسات في دعم وتمويل الحياة التجارية للعديد من المشروعات الاستثمارية والصناعية، وهو الأمر الذي يتطلب حمايتها من مختلف أنواع المخاطر التي قد تعصف باستمرارية استغلالها. وذلك من خلال التوفر على أرضية قانونية سليمة وعلى آليات رقابية وتقنية قادرة على خلق نوع من التوازن بين الوظيفة الائتمانية لهذه المؤسسات وبين صلابتها المالية.

ب) مبررات اختيار الموضوع.

وقع اختيارنا لموضوع مخاطر القروض البنكية، بناء على توجيه من استأذنا المشرف الدكتور عبد الرحمان لسلامي. إضافة إلى مجموعة أخرى من الأسباب يمكن حصر أهمها فيما يلي :

- قلة وندرة الدراسات القانونية التي تناولت موضوع هذا البحث بالتحليل والمناقشة.

- اقتصار معظم الباحثين على تناول الجانب التقني والفني لمخاطر القروض البنكية دون التركيز على الجانب القانوني.

- قيام المشرع المغربي بمواكبة مختلف المستجدات القانونية التي يعرفها موضوع هذا البحث. والتي توجت بالأساس بصدور ظهير 14 فبراير 2006.

- إعطاء فكرة ولو بسيطة للباحث المغربي عن موضوع مخاطر القروض البنكية وعن الآليات المعتمدة من طرف المشرع لاحتواء هذه المخاطر والتقليص من حدتها وآثارها على مؤسسات الائتمان.

خامسا : الإشكالات التي يطرحها الموضوع.

إن تناولنا لموضوع مخاطر القروض البنكية قد أثار مجموعة من التساؤلات والإشكالات حول ماهية وطبيعة هذه المخاطر. وذلك باعتباره موضوعا يثير أكثر من تساؤل وعلامة استفهام.

ولقد حاولنا من خلال هذا البحث التركيز على إشكالية مركزية جعلنا منها أساس هذا الموضوع وهي كالتالي :

" ما مدى قدرة مؤسسات الائتمان على التوفيق بين وظيفتها الائتمانية وبين تحصين نفسها ضد مخاطر القروض البنكية ".

ولقد تفرعت عن هذه الإشكالية المركزية مجموعة من التساؤلات حاولنا حصر أهمها فيما يلي :

1)- ماهو الإطار القانوني الذي ينظم موضوع مخاطر القروض البنكية وماهي القيمة القانونية التي يتمتع بها في مواجهة مؤسسات الائتمان ؟

2)- ماهي تجليات مخاطر القروض البنكية على مؤسسات الائتمان ؟

3)- ماذا نقصد بالديون المعلقة الأداء ؟

4)- هل تعتبر الضمانات البنكية بتعدد أشكالها وأنواعها أمرا كاف لاستيفاء مؤسسات الائتمان لمستحقاتها في مواجهة عملائها ؟

5)- ماهي أهم الصعوبات المسطرية التي تواجه مسطرة تحقيق الرهن الرسمي باعتبارها من أهم الضمانات البنكية ؟

6)- ماهي الحدود القانونية التي ينبغي على مؤسسات الائتمان عدم تجاوزها عند قيامها بإقراض مقاولات تعاني من صعوبات واضطرابات مالية ؟

7)- ما مدى أحقية البنك في إيقاف تنفيذ عقد القرض الذي يربطه بمقاولة تعاني من صعوبات مالية ؟

8)- هل يتوفر المغرب على سوق بنكية تنافسية قادرة على التأثير على أسعار الفائدة ارتفاعا ونزولا ؟ وما مدى تأثير ذلك على الأبناك المغربية ؟

9)- ماهي الآليات المعتمدة للحد من مخاطر القروض البنكية ؟

10)- ماهي قيمة المستجدات القانونية التي جاء بها ظهير 14 فبراير 2006 على مستوى الرقابة البنكية والقواعد الاحترازية ؟ وما مدى تفعيل ذلك على أرض الواقع ؟

11)- ماهو دور صناديق الضمان في حماية مؤسسات الائتمان من مخاطر القروض البنكية ؟

سادسا : خطة البحث .

<><> 

 

لقد ارتأينا تناول موضوع مخاطر القروض البنكية وفق منهجية محددة، اعتمدنا فيها على تقسيم هذا البحث إلى فصلين أساسيين. خصصنا الفصل الأول للحديث عن القواعد العامة التي تؤطر هذا الموضوع وذلك سواء عبر الحديث عن طبيعة هذه المخاطر وأساسها القانوني أو من خلال الحديث عن مصادرها وتجلياتها على مؤسسات الائتمان.

أما الفصل الثاني فقد قمنا من خلاله بالحديث عن أهم الآليات المعتمدة للحد من مخاطر القروض البنكية. والتي ترتكز بالأساس على آليات الرقابة الداخلية والخارجية لمؤسسات الائتمان عموما وأيضا على الدور المركزي لصناديق الضمان في حماية هذه المؤسسات.

وكما بدأنا بحثنا بمقدمة فقد أنهيناه بخاتمة سجلنا من خلالها بعض الملاحظات التي قد تساعد مؤسسات الائتمان مستقبلا في الاحتماء من هذه المخاطر.

وعموما فإن المنهجية التي اعتمدناها لتناول موضوع هذا البحث تتجلى فيما يلي :

الفصل الأول   : مخاطر القروض البنكية.

المبحث الأول : الأحكام العامة للمخاطر البنكية.

المبحث الثاني : تجليات مخاطر القروض البنكية.

الفصل الثاني : آليات ضبط مخاطر القروض البنكية.

المبحث الأول : الرقابة البنكية كآلية لضبط المخاطر.

المبحث الثاني : دور صناديق الضمان في تغطية مخاطر القروض البنكية.

<><> 

 

 

 

الفصــــل الأول :

مخاطر القروض البنكية.

مما لاشك فيه أن الوثيرة السريعة التي تتطور بها الحياة التجارية كان لها بالغ الأثر على نشاط مؤسسات الائتمان، والتجسيد الفعلي لهذا الأثر يتمثل في كثرة عمليات الائتمان التي تقوم بها هذه المؤسسات، لدرجة يصعب معه حصرها خاصة أمام تعدد العلاقات التجارية والعقود التي أصبحت تربط هذه المؤسسات بعملائها.

وإذا كانت القروض البنكية تأتي على قائمة عمليات الائتمان التي تقوم بها المؤسسات البنكية، فإن هذه العملية الائتمانية وعلى الرغم من بساطة تكوينها تنطوي بطبيعتها على العديد من المخاطر التي ترافقها وتصاحبها منذ بداية إنشائها وإلى غاية انتهائها.

وعليه فإنه أمام هذا الواقع الذي لا يمكن تجنبه، فإن الخطر باعتباره عنصرا ملازما للقرض البنكي، لا يمكن بأي حال من الأحوال إلغاؤه بصفة نهائية أو استبعاد إمكانية حدوثه ما دامت هناك فترة انتظار قبل حلول آجال استرداده.

فإن ذلك لا يعني التسليم بهذه الحقيقة بشكل مطلق، بل يجب التعامل معها بشكل موضوعي وواقعي وذلك على أساس العمل على التخفيض والتقليص من آثارها لأدنى حد.

وحتى يتأتى للمؤسسات البنكية تحقيق هذا الهدف، فإن عليها بداية فهم ماهية وطبيعة هذه المخاطر وتحديد مختلف المصادر التي يمكن أن تتسبب في حدوثها وذلك حتى تستطيع فيما بعد التحكم فيها ورقابتها.

وعليه فقد ارتأينا تقسيم هذا الفصل إلى مبحثين، نتطرق في المبحث الأول للقواعد العامة التي تحكم هذه المخاطر، بينما نتناول في المبحث الثاني مختلف صور وتجليات هذه المخاطر على المؤسسات البنكية.

المبحث الأول : الأحكام العامة للمخاطر البنكية.

المبحث الثاني : تجليات مخاطر القروض البنكية.

 

 

المبحــــث الأول :

الأحكام العامة للمخاطر البنكية

<><> 

 

تعتبر المخاطر البنكية جزء لا يتجزأ من القرار الائتماني حيث أصبح من المستحيل أن نجد من الناحية العملية قرارا ائتمانيا خاليا من هذه المخاطر، ذلك أن درجة المخاطر الائتمانية المصاحبة لمنح الائتمان البنكي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصل إلى العدم وذلك لأنها تعتبر من صميم العمل البنكي، وعليه فإنه يمكن اعتبار المؤسسات البنكية مؤسسات مالية متعددة المخاطر ترتكز في وظيفتها على أخذ هذه المخاطر البنكية وتعمل على تقنينها والتحكم فيها من أجل تحويلها وترجمتها إلى خدمات ومنتجات بنكية.

وتحقيقا لهذا الغرض ألزم المشرع المغربي مؤسسات الائتمان بوجوب التحوط من هذه المخاطر وذلك عبر اتخاذ مجموعة من التدابير والإجراءات الاحترازية والتي جاءت على شكل نصوص وقواعد قانونية (المطلب الأول) ثم عبر تحديد مجموع العوامل المؤثرة فيها والتي تساهم بشكل أو بآخر في التخفيض أو الرفع من مستواها وذلك بغية التحكم فيها ورقابتها (المطلب الثاني).

 

 

 

 

 

المطلب الأول :

التنظيم القانوني للمخاطر البنكية.

إن الحديث عن المخاطر البنكية تقتضي منا دراستها من زاويتين، الأولى تلزمنا بالتطرق للأساس القانوني لهذه المخاطر والثانية تجرنا للحديث عن طبيعة هذه المخاطر لذا فإننا سنحاول من خلال هذا المطلب العمل على دراسة السند القانوني للمخاطر البنكية وذلك على اعتبار أن تنظيمها من قبل دوريات ومناشير والي بنك المغرب إنما يعتبر مجرد جزء من كل. ثم بعد ذلك ننتقل للحديث عن طبيعتها وعن أهم التقسيمات التي اعتمدها الفقه في تصنيف هذه المخاطر.

الفقرة الأولى : الإطار القانوني لمخاطر القروض البنكية.

مما لاشك فيه أن القانون البنكي كأي فرع قانوني آخر من طبيعة مهنية ليس قانونا مستقلا. بمعنى أنه لا يتمتع باستقلالية تامة. فهو يجمع تحت تسمية واحدة قواعد متنوعة أصولها وطبيعتها مختلفة. تنتمي إلى قواعد القانون الخاص والعام إضافة إلى قواعد القانون الاقتصادي.

لذا كان من الطبيعي أن تتنوع مصادر القانون البنكي باعتباره قانونا ذا طبيعة خاصة (1) يتميز بفنيات وتقنيات جعلت منه قانونا تقنيا بالدرجة الأولى، ولما كانت أهمية أي فرع قانوني تتحدد بأهمية الموضوع الذي ينظمه. فإن أهمية القانون البنكي تتجلى من خلال الدور الذي أصبح يلعبه القطاع البنكي في الحياة الاقتصادية للدول والمجتمعات(2).

 

 (1) فالمشرع المغربي في القانون البنكي يضع قواعد قانونية خاصة ومتميزة دون مبالاة بالتصنيفات القانونية الموجودة، لأن غرضه الأساسي هو محاولة التحكم في الواقع الاقتصادي ومعطياته. والتي لا تتطابق بالضرورة والتصنيفات القانونية المعروفة.

    انظر بهذا الخصوص : عائشة الشرقاوي المالقي، الوجيز في القانون البنكي المغربي، الطبعة الثانية 2007، مطبعة دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، ص 16.

(2) حيث أصبح يلاحظ بأنه ما من شخص ذاتي أو معنوي يكاد يستغني اليوم عن اللجوء إلى الأبناك إما اختياريا أي بإرادته للحصول على قرض أو ائتمان أو فقط من أجل إيداع مدخراته، وإما إجباريا، ويتجلى ذلك من خلال إلزام مدونة التجارة كل تاجر بأن يفتح لأغراضه التجارية حسابا في مؤسسة بنكية أو في مركز للشيكات البريدية، وبأن كل وفاء من جانب التاجر يفوق مبلغه عشرة آلاف درهم، ينبغي أن يتم بواسطة شيك مسطر أو بتحويل (المادة 306 من مدونة التجارة).

 

 

          فالقانون البنكي مثله مثل أي قانون مهني ينظم مهنة معينة بكل علاقاتها وما ينتج عنها. لا يسلم من تأثير القانون العام على قواعده وعلى النشاط الذي يحكمه. فالدور الاقتصادي الهام الذي يقوم به القطاع البنكي دفع الدولة إلى التدخل فيه بفعالية كبيرة. فهناك رقابة منظمة من أجهزة حكومية لدرجة أن بعض الفقه وبعض الاجتهادات القضائية          – لا سيما في فرنسا – نجدهم يصفون البنوك بأنها تقوم بمهمة مرفقية. أي يربطون بين البنك والمرفق العام (1).

وفي هذا السياق نجد بنك المغرب كمؤسسة عمومية ذات شخصية معنوية واستقلال مالي من بين أهم الأجهزة المكلفة بمراقبة حسن سير النظام البنكي في المغرب وذلك بصريح نص المادة 9 من القانون رقم 76.03 (2) والتي جاء فيها :

" يتحقق البنك من حسن سير النظام البنكي ويسهر على تطبيق الأحكام التشريعية والتنظيمية المتعلقة بنشاط ومراقبة مؤسسات الائتمان والهيآت المعتبرة في حكمها ".

وكنتيجة لما سبق. وبناء على الدور المنوط ببنك المغرب كجهاز ضابط للنشاط البنكي في المغرب. فقد صدر عن والي بنك المغرب مجموعة من المناشير والدوريات التي تقنن وتنظم نشاط مؤسسات الائتمان وتحميها من مختلف المخاطر التي تتهدد هذا القطاع.

وذلك على اعتبار أن قانون مؤسسات الائتمان الصادر بتاريخ 14 فبراير 2006. لم ينظم موضوع مخاطر القروض البنكية بصفة صريحة شأنه في ذلك شأن ظهير 6 يوليوز 1993. وإنما اكتفى بالإحالة على المناشير والدوريات الصادرة عن والي بنك المغرب في هذا الصدد.

 (1) أنظر : علي جمال الدين عوض : عمليات البنوك من الوجهة القانونية ، مرجع سابق، ص 5.

(2) قانون رقم 76.03 يتعلق بالقانون الأساسي لبنك المغرب والصادر لتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.05.38 في 20 من شوال 1426 الموافق لـ 23 نوفمبر 2005، الجريدة الرسمية عدد 20.5397 فبراير 2006، ص 427.

 

وعليه فبالرجوع إلى الفصل الثاني من الباب الثالث من ظهير 14 فبراير 2006. والمتعلق بالقواعد الاحترازية الواجب على مؤسسات الائتمان التقيد بها وبالضبط المواد 50 و 51 و 52 (1) نجد المشرع هنا قد أشار إلى كلمة مخاطر ما يقرب من أربع مرات. وذلك دون تحديد لماهية هذه المخاطر أو أصنافها أو طبيعتها. ولكنه في المقابل أحال تنظيمها – كما سبقت الإشارة إلى ذلك – على المناشير التي يصدرها والي بنك المغرب في هذا    الإطار (2).

وبالفعل فقد صدر عن والي بنك المغرب بتواريخ متباينة مجموعة من المناشير التي تتناول موضوع المخاطر البنكية بصفة عامة ومخاطر القروض البنكية بصفة خاصة، إضافة إلى مجموعة من القواعد الاحترازية الواجب على مؤسسات الائتمان التقيد بها.

ويأتي على رأس هذه المناشير المنشور رقم 40/G/2007 (3) والذي صدر تطبيقا لنص المادة 51 من القانون البنكي (4) والتي جاءت بدورها تطبيقا لتوصيات اتفاقية بال الثانية بشأن الرقابة البنكية (5).

 (1) نصت المادة 50 من القانون البنكي على ما يلي :

     يجب على مؤسسات الائتمان للمحافظة على سيولتها وملاءتها وتوازن وضعيتها المالية أن تتقيد بصورة فردية ومثبتة أو مثبتة فرعية أو هما معا بالقواعد الاحترازية المحددة بمناشير يصدرها والي بنك المغرب بعد استطلاع رأي لجنة مؤسسات الائتمان والمتمثلة في مراعاة الحفاظ على نسب ولاسيما :

    - بين جميع أو بعض ...

    - بين الأموال الذاتية وجميع أو بعض المخاطر المتعرض لها.

    - بين الأموال الذاتية ...

    - بين الأموال الذاتية وجميع المخاطر المتعرض لها بالنسبة إلى مستفيد واحد أو مجموعة من المستفيدين تجمع بينهم روابط قانونية أو مالية تجعل منهم مجموعة ذات مصالح مشتركة.

(2) تجدر الإشارة هنا إلى أن الأحكام المتعلقة بالقواعد الاحترازية كانت في إطار ظهير 6 يوليوز 1993 من اختصاص وزير المالية، إلا أن القانون البنكي الجديد جعل هذه الأحكام من اختصاص والي بنك المغرب، وذلك في إطار تعزيز استقلالية والي بنك المغرب عن وزير المالية.

(3) منشور والي بنك المغرب رقم 40/G/2007 الصادر في 2  أغسطس 2007 والمتعلق بالمراقبة الداخلية لمؤسسات الائتمان والمصادق عليه من قبل قرار لوزير المالية والخوصصة بتاريخ 23 اغسطس 2007. الجريدة الرسمية عدد 5581 بتاريخ 15 ذو القعدة الموافق لـ 26 نوفمبر 2007. ص 3649.

(4) تنص المادة 51 من القانون البنكي :

   " يجب على مؤسسات الائتمان أن تتوفر وفق الشروط المحددة بمنشور يصدره والي بنك المغرب بعد استطلاع رأي لجنة مؤسسات الائتمان على نظام ملائم للمراقبة الداخلية يراد به تحديد جميع المخاطر التي تتعرض لها وقياسها ورقابتها وأن تقيم أجهزة تمكنها من قياس مردودية عملياتها ".

(5) هذا ما جاء في شرح وتقديم مواد قانون رقم 34.03 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيآت المعتبرة في حكمها. حيث تم التنصيص في شرح المادة 51 على ما يلي :

    تنفيذا لتوصيات " بال " تلزم جميع مؤسسات الائتمان بالتوفر على نظام مراقبة داخلية وذلك وفق الشروط المحددة بمنشور يصدره والي بنك المغرب .

     من تقرير لجنة المالية والتنمية الاقتصادية حول قانون رقم 34.03 الكتابة العامة لمجلس النواب، السنة التشريعية الرابعة، دورة أكتوبر 2005، مصلحة اللجان، ص 39.

 

 

هذا المنشور الذي يعتبر الدعامة الأساسية لموضوع المخاطر البنكية باعتباره قد عمد إلى تحديد مختلف المخاطر التي تهدد النشاط البنكي والأجهزة الكفيلة بقياسها والتحكم فيها ورقابتها. وهذا ما نصت عليه المادة 30 من المنشور حيث جاء فيها :

" يجب أن تمكن أجهزة قياس المخاطر والتحكم فيها ورقابتها من ضمان :

- التقييم والتحكم الجيدين في مجموع المخاطر التي تتعرض لها المؤسسة خصوصا مخاطر الائتمان ومخاطر السوق ومخاطر التشغيل ومخاطر سعر الفائدة في محفظة البنك ومخاطر تمركز القروض ومخاطر السيولة ومخاطر التسليم مقابل الأداء وكذا المخاطر المرتبطة بالأنشطة التي يتم إسنادها لجهات خارجية.

- وضع إجراءات تقييم الكفاية الإجمالية للأموال الذاتية الداخلية مقارنة مع هذه المخاطر ".

فهذه المادة قامت بجرد لمختلف أنواع المخاطر البنكية التي يمكن أن تتعرض لها مؤسسات الائتمان وهي بصدد قيامها بمختلف عملياتها الائتمانية المباشرة والغير المباشرة وعلى دور الأجهزة الداخلية لكل مؤسسة بنكية في السيطرة على هذه المخاطر والتحكم فيها تبعا لحجم ودرجة تعقيد أنشطة كل مؤسسة على حدة.

وعلى اعتبار أن المخاطر التي تهمنا في هذا البحث هي المخاطر التي لها علاقة مباشرة بالقروض البنكية. فإننا سنركز اهتمامنا من خلال هذا العمل المتواضع على مختلف المخاطر التي يمكن أن ترافق عملية القرض البنكي من بدايته وحتى مرحلة استخلاصه.

وعلى هذا الأساس فإن المخاطر التي ستكون موضوع دراستنا هي : مخاطر الائتمان بما فيها خطر تمركز القروض والصعوبات التي تواجه المؤسسات البنكية في استخلاص قروضها ومخاطر التشغيل باعتبارها مخاطر قد تثير مسؤولية البنك المدنية وأخيرا مخاطر سعر الفائدة البنكية.

وفي هذا السياق نجد أن هذا المنشور قد قام بتعريف كل خطر على حدة وعلى الإجراءات التي ينبغي القيام بها حال تحقق هذا الخطر. إضافة إلى إلزامه لمؤسسات الائتمان بوجوب إجراء عمليات اصطناع للأزمات تخص كل خطر وذلك بهدف تقييم قابلية محفظة المؤسسة للتأقلم حال تحقق هذا الخطر.

وبالإضافة إلى هذا المنشور (رقم 40) فقد صدر عن والي بنك المغرب مجموعة أخرى من المناشير التي تصب في نفس السياق وتهدف إلى تحقيق نوع من التوازن بين مختلف العمليات التي تقوم بها المؤسسات البنكية وبين مجموع المخاطر التي قد تتعرض لها.

وفي هذا الإطار نجد كلا من :

* المنشور رقم 41/G/2007 المتعلق بواجب اليقظة المفروض على مؤسسات الائتمان (1) هذا المنشور الذي يهدف إلى وجوب مراعاة مؤسسات الائتمان لمجموعة من المعايير والخطوات قبل إقدامها على التعامل مع عملائها. لاسيما تتبع ومراقبة العمليات التي تشكل درجة كبيرة من المخاطر على المؤسسة.

وفي هذا السياق يجب على المؤسسات البنكية العمل على تحديد هوية عملائها بشكل دقيق ومعمق. لاسيما الأشخاص المعنويين. بما في ذلك الشركات التي هي في طور التأسيس والمجموعات ذات النفع الاقتصادي أو النفع العام وشركات المساهمة المبسطة (2). كما يلزمها هذا المنشور بوجوب تصنيف عملائها إلى فئات مختلفة وذلك حسب نوعية المخاطر التي يمثلونها. وإلى وضع حدود دنيا لكل فئة أو نوع معين من العملاء يؤدي تجاوزها إلى اعتبار العمليات غير اعتيادية أو مشبوهة (المادة 16 من المنشور).

 (1) منشور والي بنك المغرب رقم 41/G/2007 مصادق عليه من قبل وزير المالية والخوصصة بتاريخ 23 أغسطس 2007، منشور بالجريدة الرسمية عدد 5581 بتاريخ 15 ذو القعدة 1428 الموافق لـ 26 نوفمبر 2007، ص 3671.

(2) تنص المادة 6 من هذا المنشور :

        يتعين إعداد استمارة فتح الحساب باسم كل عميل من الأشخاص المعنويين ويجب أن تضمن فيها، حسب الطبيعة القانونية لهؤلاء الأشخاص، جميع البيانات التالية أو بعضها :

    - التسمية التجارية أو الشعار أو هما معا.

    - الشكل القانوني.

    - النشاط.

    - عنوان المقر الاجتماعي.

    - رقم التعريف الضريبي.

    - رقم التقييد في السجل التجاري للشخص المعنوي ولمؤسساته، عند الاقتضاء. وكذا مركز التسجيل.

    وتتضمن الوثائق التكميلية الواجب على الشركات التجارية الإدلاء بها ما يلي :

    - ...

    وبالنسبة للشركات التي هي في طور التأسيس. يجب على مؤسسة الائتمان طلب موافاتها بالشهادة السلبية وبمشروع النظام الأساسي وتجميع كافة عناصر البيانات لتحديد هوية مؤسسي الشركة والمكتتبين في رأسمالها.

    وبالنسبة للفئات الأخرى من الأشخاص المعنويين ( مجموعة ذات النفع الاقتصادي. مجموعة ذات النفع العام. شركة مساهمة مبسطة إلخ) تطلب مؤسسات الائتمان من بين ما تطلب، موافاتها بعناصر البيانات التكميلية التعريفية المحددة كما هي واردة في القوانين الجاري بها العمل.

 

 

* المنشور رقم 25/G/2006 المتعلق بالمعامل الأدنى لملاءة مؤسسات الائتمان والذي يحدد كيفية تغطية الأموال الذاتية لمخاطر الائتمان ومخاطر السوق التي تتعرض لها هذه المؤسسات. لاسيما وجوب مراعاة نسبة دنيا تبلغ 8% بين مجموع أموالها الذاتية من جهة ومجموع مخاطر الائتمان ومخاطر السوق من جهة أخرى.

* المنشور رقم 26/G/2006 المتعلق بالمتطلبات من الأموال الذاتية المرتبطة بمخاطر الائتمان ومخاطر السوق ومخاطر التشغيل التي تتعرض لها مؤسسات الائتمان.

* المنشور رقم 31/G/2006 المتعلق بالمعامل الأدنى لسيولة البنك والذي يجب على البنوك التقيد به.

* المنشور رقم 24/G/2006 المتعلق بالأموال الذاتية لمؤسسات الائتمان والذي حددت فيه الكيفية التي يجب أن تحسب وفقها الأموال الذاتية التي يتعين اعتبارها من أجل حساب المعاملات الاحترازية لمؤسسات الائتمان (1).

وتأسيسا على ما سبق نخلص إلى أن هذه المناشير الصادرة عن والي بنك المغرب تعتبر بمثابة الأساس القانوني لموضوع المخاطر البنكية بصفة عامة. حيث تقوم بعملية أجرأة لنصوص ومواد ظهير 14 فبراير 2006. وذلك على اعتبار أن كثيرا من مواد هذا الظهير تحيل صراحة عملية تنظيمها على مناشير والي بنك المغرب.

فهذه المناشير يمكن وصفها بالمفتاح الذي يسهل عملية الولوج لفهم واستيعاب موضوع المخاطر البنكية. خاصة وأن مواد القانون البنكي لوحدها لاتعين على فهم هذا الموضوع.

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق يتمثل في القيمة القانونية لهذه المناشير ومدى إلزاميتها تجاه مؤسسات الائتمان والأغيار ؟

إن الجواب عن هذا السؤال يقتضي منا البحث في مصادر القانون البنكي وفي القواعد التي تؤطر وتنظم نشاط مؤسسات الائتمان.

 (1) هذه المناشير الأربع الأخيرة مصادق عليها من طرف وزير المالية والخوصصة بتاريخ 13 فبراير 2007. ومنشورة بالجريدة الرسمية عدد 5536 بتاريخ 5 جمادى الآخرة 1428 الموافق لـ 21 يونيو 2007. الصفحات 2097 – 2117 – 2154 – 2160 على التوالي.

 

بداية نشير إلى أن مصادر القانون البنكي متعددة ومتنوعة إلا أنه جرى العمل فقها على حصرها في ثلاث طوائف أساسية وذلك على النحو التالي :

1 – التشريع : ويضم كافة القواعد القانونية التي تحكم نشاط مؤسسات الائتمان والهيآت المعتبرة في حكمها. سواء ما ينتمي منها إلى القانون الخاص أو إلى القانون العام ويمكن إجمالها في :

- قواعد تشريعية خاصة كالقانون البنكي ومدونة التجارة.

- قواعد تشريعية عامة وتخص بالأساس القانون المدني.

- القواعد أو اللوائح المهنية.

- القرارات التنظيمية الصادرة عن البنك المركزي أو أجهزة الرقابة عموما.

- القواعد الزجرية ويقصد بها مختلف القواعد الجنائية التي تجرم أفعالا لها ارتباط بالعمل البنكي.

2 – العادات البنكية : وهي العادات التي استقر عليها التعامل في الميدان البنكي إلى أن باتت تعتبر ملزمة من قبل المتعاملين بها. وتتجلى أهميتها في كونها تسد الفراغ أو الثغرات التي يمكن أن تشوب التشريع الخاص.

3 – القواعد والأعراف الدولية الموحدة : ونخص بالذكر الاتفاقيات والمعاهدات المبرمة في بعض مجالات النشاط البنكي. كالأوراق التجارية والاعتمادات المستندية. والرقابة البنكية.

والملاحظ أن تلك الاتفاقيات أو القواعد الموحدة ليست مصادر قانونية ملزمة بالمعنى الدقيق. وقوتها الإلزامية لا تسري على عملية ما إلا في الحدود التي يقرر فيها الأطراف ذلك أي أن تعتمدها مؤسسة الائتمان والعميل صراحة أو يفهم – على الأقل – من طبيعة العقد أن نيتهما قد اتجهت نحو اعتمادها، ولو ضمنا، والواقع العملي أثبت التزام البنوك بتلك الاتفاقيات أو القواعد الموحدة وقلة اعتراض العملاء عليها (1).

 

 (1) عائشة الشرقاوي المالقي : الوجيز في القانون البنكي : مرجع سابق، ص 18.

 

وانطلاقا مما سبق يتضح لنا مدى أهمية التشريع كأحد المصادر الرئيسية للقواعد التي تنظم وتقنن نشاط مؤسسات الائتمان والهيآت المعتبرة في حكمها باعتباره يضم مجموعة من القواعد التشريعية الخاصة والعامة إضافة إلى بعض القواعد أو اللوائح المهنية والقرارات التنظيمية الصادرة إما عن وزير المالية أو عن والي بنك المغرب.

والذي يهمنا في هذا الإطار هي المناشير الصادرة عن والي بنك المغرب ووزير المالية عموما والتي تتناول موضوع المخاطر البنكية بصفة عامة وذلك باعتبارها جزء لا يتجزأ من القاعدة القانونية المنظمة لنشاط مؤسسات الائتمان والهيآت المعتبرة في حكمها. وحتى يتأتى لنا تحديد القيمة القانونية لهذه المناشير ينبغي لنا أولا معرفة الفئة أو الصنف القانوني الذي تنتمي إليه هذه النصوص، ثم ثانيا معرفة مدى إلزاميتها في مواجهة مؤسسات الائتمان وفي مواجهة العملاء المتعاملين مع هذه المؤسسات.

بداية نشير إلى أن التشريع كمصدر رئيسي للقانون البنكي ينقسم من حيث قوته وأهميته إلى ثلاثة أنواع رئيسية. تتمثل بالأساس في الدستور أو التشريع الأساسي كأسمى قاعدة قانونية في البلاد ثم يليه في المرتبة التشريع العادي أو القانون بالمعنى الضيق وأخيرا يأتي التشريع الفرعي أو اللائحة كآخر صنف من أصناف التشريع.

وتدرج التشريعات بهذه الصورة يترتب عليه نتيجة قانونية هامة لأنه يعني اختلاف كل منها عن الآخر في قوته. هذه النتيجة هي أن التشريع الأدنى مرتبة لا يستطيع أن يخالف التشريع الأسمى أو أن يعدله أو أن يلغيه. بل يجب أن يكون مطابقا له. وهذا يعني من ناحية أخرى أن التشريع الأعلى مرتبة قد يلغي التشريع الأدنى أو يعدله (1).

وبناء على ما سبق نخلص إلى أنه إذا كان ظهير 14 فبراير 2006 ينتمي إلى فئة التشريع العادي أو القانون بصفة عامة وذلك لصدوره عن السلطة التشريعية، فإن المناشير الصادرة عن والي بنك المغرب والمصادق عليها من قبل وزير المالية تنتمي إلى الفئة

 

 (1) أنظر بهذا الخصوص : الطيب الفصايلي :  الوجيز في المدخل لدراسة القانون. الجزء الأول. نظرية القانون ، الطبعة الثانية 1993. مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء. ص 80.

 

 

الأخيرة من التشريع والتي تعرف بالتشريع الفرعي أو اللائحة (1) وذلك لصدورها عن سلطة إدارية وصية على القطاع البنكي ممثلة في والي بنك المغرب. وتمت المصادقة عليها من قبل وزير المالية والخوصصة باعتباره ممثلا عن السلطة التنفيذية.

ويرجع السبب في تكليف السلطة التنفيذية بإصدار التشريعات الفرعية نظرا لما تتمتع به من دراية دقيقة وخبرة فنية تجعلها قادرة على الإحاطة بمختلف التفاصيل والجزئيات التي تكون السلطة التشريعية غير ملمة بها.

وعليه وتأسيسا على ما سبق تكون المناشير الصادرة عن والي بنك المغرب والمصادق عليها من قبل وزير المالية تحمل صفة تشريعات فرعية تنفيذية أو لوائح    تنفيذية (2) على اعتبار أن الهدف من وضعها يتجلى في تنفيذ القوانين. أي وضع القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية موضع التطبيق. خاصة عندما تكون هذه القوانين قد وضعت في شكل قواعد عامة أو مبادئ أساسية وأحالت ما عدا ذلك من تفصيلات وجزئيات على السلطة المخولة بذلك من أجل تنظيمها وتنفيذها بحكم أنها أقدر من غيرها على ذلك.

لذا فإن التشريعات الفرعية تكون دائما مستندة في وجودها على قوانين قائمة بذاتها تحيل صراحة تنظيم بعض التفاصيل والجزئيات ذات الطابع التقني إلى جهات مختصة تتولى إصدارها ومراقبة تنفيذها (3) وهذا بالضبط ما نلمسه من خلال قراءة المواد 50 و 51 و 52 من ظهير 14 فبراير  2006. التي تحيل تنظيم موضوع المخاطر البنكية على والي بنك المغرب نظرا لما تتمتع به هذه المؤسسة من خبرة ودراية واسعة بمختلف جزئيات وتفاصيل النشاط البنكي.

 (1) يعرف التشريع الفرعي بأنه عبارة عن قرارات إدارية تنظيمية تصدرها السلطة التنفيذية بمقتضى الاختصاص المخول لها في الدستور. فهي تسن هذا التشريع بما لها من اختصاص أصيل وليس على أنها تحل محل السلطة التشريعية . أنظر بهذا الخصوص  الطيب الفصايلي نفس المرجع السابق، ص 84.

     - كما يعرف على أنه التشريع الصادر عن السلطة التنفيذية في المجال التنظيمي بحيث يطلق عليها في هذه الحالة السلطة التشريعية   الفرعية أو السلطة التنظيمية ويطلق على القواعد القانونية الصادرة عنها في هذا المجال بالتشريعات الفرعية أو اللوائح أو النصوص التنظيمية أو القرارات الإدارية.

    أنظر بهذا الخصوص : نجاة البضراني : مدخل لدراسة القانون. مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء، الطبعة الثانية 2001،      ص 157.

(2) وذلك من أجل تمييزها عن القرارات الإدارية الفردية والإجراءات الشخصية الداخلية كالمنشورات والتعليمات المصلحية التي توجهها السلطات الرئاسية في الإدارات والمصالح إلى مرؤوسيهم. أنظر بهذا الخصوص : الطيب الفصايلي. مرجع سابق،       ص 85.

(3) نجاة البضراني : نفس المرجع السابق، ص 160.

 

 

ولكن وكما هو حال التشريع العادي فإن التشريع الفرعي أو المناشير الصادرة عن والي بنك المغرب لا تكتسب أية حجية في مواجهة المخاطبين بأحكامها إلا من تاريخ نشرها بالجريدة الرسمية وهذا ما أكدته المادة 17 من القانون البنكي والتي نصت على ما يلي :

" يصادق على المناشير الصادرة عن والي بنك المغرب تطبيقا لهذا القانون ولأحكام النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل بقرارات يصدرها الوزير المكلف بالمالية وتنشر في الجريدة الرسمية ".

فالنشر في الجريدة الرسمية يعتبر الوسيلة القانونية التي حددها الدستور لنشر التشريع، سواء أكان التشريع أساسيا أو عاديا أو فرعيا. ولهذا يعتبر أمرا إلزاميا لا تغني عنه الوسائل الأخرى كالإعلان في الصحف أو الإذاعة أو التلفزيون. وبذلك لا يكون نافذا إلا إذا ثم نشره بالوسيلة التي حددها القانون (1).

ومادام أن هذه المناشير قد ثم نشرها في الجريدة الرسمية (2) فإنها تتمتع بقوة قانونية ملزمة تحتم على الخاضعين لأحكامها الامتثال لها والتقيد بمضامينها وذلك طبقا للمبدأ القانوني الذي يحكم نشر التشريع والذي يقضي بأنه لا تكليف إلا بما هو معلوم.

إضافة إلى ذلك فإن ما يعطي لهذه المناشير قوة إلزامية توجب على مؤسسات الائتمان التقيد بها هي خضوعها للمصادقة من طرف وزير المالية والخوصصة وذلك باعتباره ممثلا للسلطة التنفيذية التي خول لها الدستور إمكانية إصدار تشريعات فرعية.

على أنه متى تعارضت أحكام هذه المناشير مع بعض المقتضيات التي جاء بها ظهير 14 فبراير 2006 أو مدونة التجارة فإن الأسبقية في التطبيق – بطبيعة الحال – تكون لأحكام التشريع العادي وذلك نظرا للقوة الإلزامية التي يتمتع بها في مواجهة التشريع الفرعي.

وهكذا نخلص في الأخير إلى أنه مادامت هذه المناشير قد صدرت عن سلطات الوصاية  على  القطاع   البنكي   والممثلة   في   والي  بنك  المغرب وتمت المصادقة عليها

 (1) عبد الواحد شعير : المدخل البيداغوجي لدراسة القانون : نظرية القانون، مطبعة دار النشر المغربية، الطبعة الأولى 1996،        ص 143 . 144.

(2) نشير في هذا السياق إلى أن المناشير السابقة لصدور القانون البنكي رقم 34.03 والصادرة عن والي بنك المغرب لم تكن تنشر في الجريدة الرسمية وكان معظمها يصدر باللغة الفرنسية ومنها الدورية رقم 6/G/2001 والتي كانت إلى أمد قريب الدورية الوحيدة من نوعها التي تتناول موضوع المخاطر البنكية بالدراسة والتحليل.

Circulaire n° 6 retative au contrôle interne des établissement de crédit. Le gouverneur de BANK – AL MAGHRIB. Rabat le 25 Kaâda 1421, 19 Février 2001.

 

 

من قبل وزير المالية والخوصصة باعتباره ممثلا للسلطة التنفيذية. وثم نشر أحكامها بالجريدة الرسمية تطبيقا لنص المادة 17 من القانون البنكي. فإننا لا نرى أي مانع يحول دون اكتساب هذه المناشير لقوة إلزامية تحتم على مؤسسات الائتمان التقيد بمضامينها وتفرض على القضاء الأخذ بنصوصها.

الفقرة الثانية : طبيعة مخاطر القروض البنكية.

<><> 

 

إن الحديث عن مخاطر القروض البنكية تفترض منا بالضرورة الحديث عن طبيعة هذه المخاطر وعن التقسيمات المعتمدة لها من قبل الفقه والباحثين. وذلك على اعتبار أنها ليست من نوع واحد أو طبيعة واحدة وإنما تختلف وتتنوع تبعا لنوع العملية الائتمانية المزمع القيام بها وطبيعة وحجم نشاط العميل ومصدر الخطر ذاته.

وفي هذا الإطار تتداخل مجموعة من العوامل والمتغيرات في تركيبة المخاطر البنكية بصفة عامة ومخاطر القروض البنكية بصفة خاصة. لذلك نجدها في تغير دائم. فهي ذات طبيعة مركبة لأنها مستمدة من مصادر تمثل أطراف مختلفة ومتعددة. فهناك المخاطر المرتبطة بطبيعة وحجم نشاط العميل و المخاطر المرتبطة بطبيعة وحجم العملية أو العمليات الممولة. ومخاطر مرتبطة بالعميل نفسه أو بفعل الغير أو ناشئة عن الظروف الاقتصادية والتجارية والسياسية السائدة أو الناتجة بالأساس عن خطأ البنك نفسه، إلى غير ذلك من العوامل التي تتظافر فيما بينها لتمارس تأثيرها على العملية البنكية.

وإذا كانت المخاطر البنكية ذات طبيعة مركبة ومتشابكة من حيث المصدر والتأثير فهي من جهة أخرى قائمة دائما ومتغيرة. وذلك لارتباطها ارتباطا وثيقا بالائتمان البنكي. فلا ائتمان بدون مخاطر، وفي كونها لا يمكن أن تتصف بالثبات وذلك بالنظر إلى مجموعة من العوامل التي تتحكم في تحديدها. سواء أكانت عوامل داخلية أو عوامل خارجية (1).

وهكذا اتجه جانب من الفقه (2) إلى تقسيم هذه المخاطر إلى صنفين رئيسيين. يضم الصنف الأول المخاطر ذات الطبيعة المالية كخطر الائتمان وخطر السيولة. وصنف ثان ويضم باقي أصناف المخاطر على جميع أشكالها وتسمى بالمخاطر العملياتية.

 (1) محمد جنكل : الائتمان التجاري. عمليات الائتمان البنكي نموذجا. مرجع سابق، ص 274.

(2) محمد صبري : الأخطاء البنكية،مرجع سابق، ص 214 وما بعدها.

 

في حين ذهب جانب آخر من الفقه (1) إلى تقسيم هذه المخاطر إلى مخاطر عامة وأخرى خاصة، فالمخاطر الخاصة ترجع بالأساس إلى ظروف تتعلق بنشاط العميل أو بالصناعة التي ينتمي إليها ومدى تأثير ذلك على قدرته في سداد ما عليه من إلتزامات. ومخاطر عامة تتعرض لها كافة القروض بصرف النظر عن طبيعة وظروف المؤسسة المقترضة. ومن أمثلة ذلك مخاطر تغير أسعار الفائدة ومخاطر التضخم ومخاطر السوق.

وبالمقابل اعتبر البعض الآخر من الفقه (2) أنه من الصعب بما كان التمييز بين هذه المخاطر وذلك على اعتبار أن مخاطر القروض ماهي إلا عنصر من قائمة طويلة من المخاطر التي إضافة إلى تعددها غالبا ما تكون مرتبطة ببعضها البعض إلى حد يصعب فيه التمييز فيما بينها، خاصة منها تلك المتعلقة بتغيرات عوامل السوق. كما أنها قد تكون لها تسميات وتقسيمات تختلف من مؤلف لآخر .

إلا أن التقسيم الشائع لهذه المخاطر والذي يسير عليه أغلب الفقه والباحثين. وسارت عليه اتفاقية بال الثانية. هو الذي يميز بين ثلاثة أصناف رئيسية من هذه المخاطر.

- الصنف الأول : يضم مخاطر الائتمان أو مخاطر عدم السداد.

- الصنف الثاني : يضم مخاطر السوق أو المخاطر المرتبطة بالأدوات التي تدخل ضمن محفظة التداول إضافة إلى مخاطر الصرف.

- الصنف الثالث : ويضم مخاطر التشغيل والمخاطر التكنولوجية.

ونشير في هذا السياق إلى أن المنشور الصادر عن والي بنك المغرب رقم 40/G/2007 لم يتبنى التقسيم المعتمد من قبل اتفاقية بال الثانية للمخاطر البنكية. وإنما قام فقط بحصر وتعداد مختلف أصناف المخاطر البنكية التي يمكن  أن تهدد النشاط البنكي دون العمل على تقسيمها أو تصنيفها (3).

 (1) منير إبراهيم هندي : إدارة البنوك التجارية، مدخل اتخاذ القرارات، المكتب العربي الحديث، الإسكندرية، الطبعة الثالثة 1996،  ص 224 وما بعدها.

(2) تريكي كرين : الاستعلام المصرفي والتسيير الوقائي لخطر القرض في المصرف الجزائري. حوليات عدد 6/2005. منشورات مخبر الدراسات والبحوث حول المغرب العربي والبحر الأبيض المتوسط، ص 47.

(3) هذا ما أشارت إليه المادة 30 من المنشور السابق حيث جاء فيها :

    " يجب أن تمكن أجهزة قياس المخاطر والتحكم فيها ورقابتها من ضمان :

    التقييم والتحكم الجيدين في مجموع المخاطر التي تتعرض لها المؤسسة خصوصا مخاطر الائتمان ومخاطر السوق ومخاطر التشغيل ومخاطر سعر الفائدة في محفظة البنك ومخاطر تمركز القروض ومخاطر السيولة ومخاطر التسليم مقابل الأداء وكذا المخاطر المرتبطة بالأنشطة التي يتم إسنادها لجهات خارجية ".

 

ويتجلى الهدف من تحديد طبيعة المخاطر التي قد ترافق إحدى عمليات الائتمان البنكي من وضع مختلف الإجراءات والأنظمة الاستشرافية التي تتلاءم وطبيعة هذا الخطر وبالتالي القدرة على تقييم حجم الأموال الذاتية التي سترصد وتخصص لمواجهة هذا الخطر الأمر الذي سيسمح من الحد من تأثيره على المحفظة المالية للمؤسسة وسيساعد بالتالي على التحكم فيه ورقابته (1).

كما ترجع أهمية هذه الخطوة أيضا في كونها الأساس الذي سيساعد في تقدير أسعار الفائدة على القروض. إذ من المتوقع أن تتفاوت أسعار الفائدة على القروض بتفاوت حجم المخاطر التي يتعرض لها البنك من جراء قرار الإقراض. وهذا ما يسميه الفقه بالتوازن بين العائد والمخاطر. Risk Return Tradeoff ، فمع ثبات العوامل الأخرى على حالها يزداد معدل الفائدة المطلوبة على القرض كلما ازداد حجم المخاطر التي ينطوي عليها. وإذا ما اتضح أن القرض ينطوي على قدر كبير من المخاطر. حينئذ يكون من الأفضل استبعاده (2).

ولهذا السبب تلجأ البنوك في إطار سياستها الائتمانية إلى التخفيف من هذه المخاطر وذلك عن طريق إتباع مسلكين مترابطين يكمن الأول في تقدير حجم المخاطر المتوقعة وطبيعتها ونوعها ودراسة العملية الممولة ووضعية العميل المالية. في حين تضع في مرحلة ثانية وعلى ضوء تلك التقديرات والدراسات الحلول الناجعة الكفيلة بجعل تدخلها لصالح العميل مفيدا وبالتالي التقليل من حدة المخاطر المحتملة التي قد يواجهها البنك.

وعلى العموم فإن الذي نخلص إليه من كل ما سبق هو استحالة الحديث عن طبيعة واحدة وثابتة لهذه المخاطر وذلك نظرا لتداخل مجموعة من العوامل والمتغيرات في تركبة هذه المخاطر وهكذا يمكننا الحديث عن مخاطر ذات طبيعة مالية كمخاطر الائتمان ومخاطر السيولة إضافة إلى بعض الصعوبات التي يمكن أن تواجه مؤسسات الائتمان عند قيامها بتحقيق بعض الضمانات البنكية على اعتبار أنها مخاطر تترتب عنها أيضا خسائر مالية جد

 (1) وهو الأمر الذي نصت عليه المادة 32 من المنشور رقم 40/G/2007 حيث جاء فيها :

    تتوفر المؤسسات على استراتيجيات تحدد أهدافها في ما يتعلق بالأموال الذاتية الداخلية، ويجب أن تتلاءم هذه الأخيرة مع نوعية مخاطرها.

   وتضع المؤسسات أنظمة وإجراءات موثوق منها وشاملة واستشرافية من أجل تقييم مستويات وفئات الأموال الذاتية. وكذا تخصيصها والمحافظة عليها باستمرار مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة ومستوى المخاطر التي تتعرض لها حاليا أو التي قد تتعرض لها في المستقبل.

(2) منير إبراهيم هندي : إدارة البنوك التجارية، مرجع سابق، ص 224.

 

مهمة. ومخاطر ذات طبيعة مهنية أو تشغيلية تنتج عن سوء تسيير أو توظيف موارد البنك كالخطر القانوني ومخاطر السوق ومخاطر سعر الفائدة البنكية.

هذا بالإضافة إلى مخاطر ذات طبيعة عامة مرتبطة بالوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلد الذي تمارس فيه مؤسسة الائتمان نشاطها.

هذا التعدد والتنوع في المخاطر البنكية هو الذي سيدفعنا للحديث في المطلب الثاني عن مختلف أسباب ومصادر هذه المخاطر.

المطلب الثاني :

مصادر المخاطر البنكية

يتعرض النشاط البنكي في ضوء طبيعة الأموال التي يحصل عليها من مصادرها المختلفة وأوجه استخداماتها إلى العديد من المخاطر التي قد تنشأ بسبب عوامل داخلية ترتبط بنشاط وإدارة البنك ذاته أو ترتبط بعوامل خارجية تنشأ عن تغير الظروف أو البيئة التي يعمل البنكي في ظلها، لذا فإننا سنحاول من خلال هذا المطلب تحديد مختلف مصادر المخاطر البنكية والتي تؤثر سلبا على نشاط مؤسسات الائتمان (1) سواء أكانت – هذه المخاطر – ذات طابع داخلي تهم بالأساس البنك المقرض والعميل المقترض (الفقرة الأولى) أم كانت ذات طابع خارجي تهم الظروف العامة التي تمارس فيها الأبناك مختلف نشاطاتها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : المصادر الداخلية للمخاطر البنكية.

إن المخاطر التي تهدد نشاط مؤسسات الائتمان والتي يمكن وصف مصدرها بالداخلي تنحصر بالأساس في المخاطر المرتبطة بالبنك وسياسته الائتمانية (أولا) وفي المخاطر المرتبطة بالعميل ومدى قدرته على السداد (ثانيا).

 (1) ألزمت المادة 16 من منشور والي بنك المغربي رقم 40/G/2007 مؤسسات الائتمان بوجوب العمل على تحديد مصادر المخاطر التي تهدد نشاطاتها وذلك بهدف التحكم فيها والسيطرة عليها. حيث نصت هذه المادة على ما يلي :

"  يتولى جهاز الإدارة مهمة إعداد ووضع نظام للمراقبة الداخلية ويقوم لهذا الغرض بما يلي :

   - إعداد الهيكل التنظيمي المناسب ...

   - تحديد مجموع مصادر المخاطر الداخلية والخارجية.

   - وضع المساطر المناسبة للمراقبة الداخلية ".

 

 

أولا : المخاطر المرتبطة بالسياسة الائتمانية للبنك.

تعتبر القروض أهم أوجه استثمار للموارد المالية للبنك، إذ تمثل الجانب الأكبر من الأصول، كما يمثل العائد المتولد عنها الجانب الأكبر من الإيرادات، لذا يصبح من المنطقي أن يولي المسؤولين في البنك عناية خاصة لهذا النوع من الأصول وذلك بوضع السياسات الملائمة التي تضمن سلامة إدارتها (1).

لذا فإن الأبناك عندما تريد توزيع مواردها المالية في شكل قروض بنكية، فهي بطبيعة الحال تحاول أن تختار أفضل العملاء وأفضل الاستعمالات الممكنة لهذه الموارد وذلك بالاعتماد على مجموعة من المعايير والاعتبارات المالية وغير المالية.

فأما الاعتبارات المالية فترتبط بمعايير الربحية والمردودية والسيولة، هذه المعايير التي تمثل مجموعة من الأهداف التي يتعين على مؤسسات الائتمان إيجاد المعادلة المناسبة من أجل تحقيقها وخلق نوع من التوازن والترابط فيما بينهما، أما الاعتبارات الغير المالية فتتمثل في التغييرات التي يمكن أن تحدث للعميل ما بين لحظة منح القرض ولحظة استرداده والتي ستؤثر سلبا على قدراته المالية وبالتالي على التزاماته اتجاه المؤسسة المقرضة.

هذه المعايير وغيرها – كالمنافسة – يتم إدراجها في السياسة الائتمانية لكل مؤسسة بنكية وذلك من أجل رسم الحدود الدنيا التي يتعين احترامها فيما يخص حجم الأموال المتاحة للإقراض و نوع القروض المرتقب منحها.

وهكذا فإن كل مؤسسة ائتمان تعمل على رسم سياسة ائتمانية خاصة بها تتعلق بأنواع القروض التي يمكن أن تمنحها ومداها وذلك بما يتلاءم ومواردها المالية، وعادة ما تنص هذه السياسات على أن لا تزيد القيمة الإجمالية للقروض في أية لحظة عن نسبة معينة من الموارد المالية المتاحة للمؤسسة والمتمثلة أساسا في الودائع والقروض ورأس المال.

ويقصد عموما بالسياسة الائتمانية في هذا الصدد مجموعة المبادئ والمفاهيم التي يضعها مجلس إدارة البنك لكي تهتدي بها مختلف المستويات الإدارية عند وضع برامج وإجراءات الإقراض، ويسترشد بها متخذو القرارات عند البث في طلبات الاقتراض، ويلتزم بها المنفذون عند بحث تلك الطلبات وبعد اتخاذ قرارات بشأنها (2).

(1) منير إبراهيم هندي : مرجع سابق، ص 207.

(2) منير إبراهيم هندي : مرجع سابق، ص 207.

وجدير بالذكر أن السياسة الائتمانية تختلف من مؤسسة لأخرى وذلك حسب المنطقة التي تخدمها أو الفرع بالمنطقة وأيضا حسب قرار مجلس إدارة المؤسسة وتجاربه السابقة وهكذا فإنه من الصعب أن نجد سياسة ائتمانية موحدة (1).

على أنه – وفي مقابل ذلك – توجد مجموعة من العوامل والمتغيرات الظرفية مكانا وزمانا هي التي تحدد أهم معالم السياسة الائتمانية وتوجهاتها المستقبلية (2).

وعادة ما تغري الأرباح العالية التي تحققها عمليات الإقراض إدارة البنك للزيادة في مستويات الإقراض لديها وبالتالي التوسع في منح الائتمان حتى ولو كان ذلك على حساب متطلبات السيولة، الأمر الذي قد يقود إلى إضعاف قدرة البنك على الوفاء بالتزاماته المستقبلية اتجاه المودعين. وبالتالي التعرض لصعوبات مالية قد تؤثر على الاستقرار المالي للمؤسسة، وعلى هذا الأساس يمكن القول بأن نشأة بعض الأسباب الرئيسية المؤدية لتحقق بعض مخاطر القروض البنكية وتعثر الديون ترجع إلى عوامل تنشأ من داخل البنك وتتمثل غالبا في ضعف أنظمة العمل الداخلية وقصور أجهزة المتابعة.

وعليه فإن مصدر الخطر في مثل هذه الحالات ينحصر في اعتماد مؤسسات الائتمان لسياسات ائتمانية لا تتناسب وقدراتها على الوفاء بالتزاماتها. ومن مثل ذلك التوسع الغير الحذر في توزيع القروض أو منح قروض مقابل ضمانات هشة أو غير قائمة على أسس متينة. كمنح قروض بناءا على اعتبارات شخصية أو سياسية أو غيرها من أشكال المجاملة وبالتالي اعتماد سياسة ائتمانية معيبة لا تراعي الاعتبارات الاقتصادية أو الضوابط التنظيمية والموضوعية المعمول بها في هذا المجال، الأمر الذي يؤثر لا محالة على سيولة المؤسسة ويجعلها عرضة لخطر الإفلاس.

ولقد أظهرت نتائج بعض الدراسات في كثير من دول العالم وخصوصا تلك التي شهدت  أزمات بنكية، أن  معظم  مشاكل الائتمان تعكس بصفة رئيسية ضعف عمليات إدارة

(1) عبد المعطي رضا ارشيد  محفوظ أحمد جودة  إدارة الائتمان، دار وائل للنشر، 1999 عمان، ص 18.

(2) وفي هذا السياق توجد مجموعة من المعايير والمتغيرات التي تؤخذ بعين الاعتبار في تحديد السياسة الائتمانية للبنك من بينها السقوف الائتمانية للبنك Crédit ceiling حيث تعتبر من أهم  الأبعاد الكمية التي تحد من النشاط الائتماني للبنك على اعتبار أن هناك سقف ائتماني يتعلق بحجم الائتمان يجب عدم تجاوزه وذلك من أجل تحقيق التوازن بين اعتبارات الأمان والاحتياطيات النقدية التي تشكل نسبة السيولة العامة للبنك، فهناك سقف ائتماني يعتمده كل بنك لكل نشاط أو قطاع معين ولكل موقع جغرافي ولكل عميل. للمزيد من الاطلاع حول هذه النقطة راجع :

    عبد الحميد محمد الشواربي. محمد عبد الحميد الشواربي : إدارة المخاطر الائتمانية من وجهتي النظر المصرفية والقانونية. منشأة المعارف بالإسكندرية 2002، ص 88 وما بعدها.

 

وضمان الائتمان وأن نسبة كبيرة من خسائر البنوك الناتجة عن الائتمان يمكن تجنبها من خلال اعتماد نظام داخلي لإدارة عمليات الائتمان.

كما دلت نتائج نفس الدراسات في دول مختلفة على أن كثيرا من البنوك لا تبذل المجهود اللازم والكافي لتقييم عملية الائتمان بدقة وذلك قبل الإقدام على منحه (1).

وما يلاحظ عمليا على أنه في كثير من الأحيان يتم منح بعض القروض البنكية لفائدة بعض العملاء المقربين للبنك وذلك قبل استيفاء الضمانات المقررة، أو كون مبالغ القروض الممنوحة في بعض الحالات ضخمة وتفوق بكثير قيمة العقار أو العقارات المقدمة كضمانة بنكية والغريب في الأمر هو أن القروض الصغيرة، والموجهة لاقتناء السكن الاجتماعي مثلا أو الخدمات المهنية والحرفية لا تعرف هذه الظاهرة كثيرا، بل تعرف تشددا من طرف الأبناك في طلب الضمانات الكافية، وذلك خلافا لما هو عليه الأمر في القروض الضخمة والتي تقدر بالملايير أحيانا (2).

ولم تعد هذه الظاهرة مقتصرة على المؤسسات العمومية والشبه العمومية، ولكنها امتدت لتشمل الأبناك ومؤسسات التمويل الخاصة.

كما تتجلى عيوب السياسة الائتمانية لبعض الأبناك في الاعتماد المفرط على الضمانات العينية أو الشخصية، وواقع الحال أثبت أن الضمانات وفق العرف البنكي لا تشكل سوى وسيلة دفاع أخيرة للاحتماء من مخاطر الائتمان، أي أن البنك لا يلجأ إلى تحقيق هذه الضمانات إلا بعد استنفاذ كافة الوسائل الودية مع العميل من أجل استرجاع مبلغ القروض، إضافة إلى الصعوبات المسطرية التي قد ترافق أو تصاحب عملية التنفيذ وما يترتب عنها من تأخير مما قد ينعكس سلبا على التزامات البنك اتجاه مودعيه.

وإجمالا يمكن حصر بعض مظاهر وتجليات السياسة الائتمانية المعيبة لبعض مؤسسات الائتمان فيما يلي (3).

 

(1) عبد الحميد محمد الشواربي : محمد عبد الحميد الشواربي، إدارة المخاطر الائتمانية، مرجع سابق، ص 71.

(2) ملف الحجز العقاري عدد 98.25 بابتدائية الجديدة يتعلق بقرض قيمته ستة ملايين درهم. والضمانة عقار ذي مساحة صغيرة ويقع   بمدينة كرسيف وتبث من الخبرة بأن ثمنه لا يساوي عشر مبلغ القرض.

    - ملف الحجز العقاري عدد 16/97 بابتدائية ابن امسيك سيدي عثمان بالدار البيضاء يتعلق بقرض مبلغه ثلاثة عشر مليون درهم  والعقار المرهون لم تتجاوز قيمته مليوني درهم.

    راجع بهذا الخصوص محمد سلام. مسطرة تحقيق الرهن الرسمي في القانون المغربي، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون   المدني، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء،  السنة الجامعية 1998 – 1999، ص 28.

(3) رمضان الشراح : تركي الشمري، محمد العسكر: البنوك التجارية، منشورات ذات السلاسل 2006، الكويت ، ص 105.

 

* منح القروض قبل الانتهاء من الإجراءات المطلوبة.

* المبالغة في تقييم الضمانات المقدمة.

* تجاوز البنكي لصلاحياته في منح القروض.

* السماح بزيادة أو تمديد مبلغ القرض بدون الزيادة في الضمانات.

* عدم الدقة في دراسة وقياس قدرة المقترض على السداد.

* عدم قيام البنك بمتابعة القرض بالصورة المطلوبة.

* استخدام المقترض للقرض في غير المجال المتفق عليه مع مؤسسة الائتمان.

ثانيا : المخاطر المرتبطة بالعميل.

إن أية عملية ائتمان لابد وأن تكون محفوفة بالمخاطر، فقد يعجز العميل عن سداد أصل القرض وفوائده، وقد يكون له القدرة المالية على السداد لكنه لا يرغب لسبب أو لآخر في السداد.

ومخاطر الائتمان تتضمن الخسائر الممكن أن يتحملها البنك بسبب عدم قدرة العميل أو عدم وجود النية لديه لسداد أصل القرض وفوائده.

والجدير بالذكر أن هنالك عدة أنواع من المخاطر ينبغي على إدارة البنك اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتفادي أضرارها، ومن أهم هذه المخاطر نجد خطر عجز المقترض عن الوفاء بالتزاماته التعاقدية اتجاه البنك.

فمصدر الخطر هنا ينشأ عن العميل المقترض سواء أكان شخصا ذاتيا أو معنويا، وسواء أكان عجزه عن الأداء ينصرف إلى انعدام موارده المالية أم فقط إلى رغبته في عدم الأداء لسبب أو لآخر. بل إن مجرد تأخره في الأداء قد يتسبب للبنك في خسائر مالية جد مهمة، على اعتبار أن هذا الأخير يتاجر في أموال ليست في ملكه وإنما هي موضوعة لديه على سبيل الوديعة. وبالتالي فإنه ملزم بإرجاعها في كل آن وحين (1) إضافة إلى الفائدة المترتبة عنها، لذلك فإن البنك يسعى إلى إيجاد نوع من التوازن بين الخسائر التي يتكبدها في حالة توقف عميل ما عن السداد، وبين الالتزامات الملقاة على عاتقه كمؤسسة ائتمان (2).

(1) نصت المادة 2 من قانون مؤسسات الائتمان على أنه :

   " تعتبر أموالا متلقاة من الجمهور الأموال التي يتسلمها شخص من الغير على سبيل الوديعة، أو غير ذلك ويحق له أن يتصرف فيها لحسابه الخاص على أساس الالتزام بإرجاعها لأصحابها ".

(2) BERRADA. Mohamed . AZZEDINE : Les Techniques de Banque de crédit et de commerce extérieur au Maroc. 5ème Edition 2007. SECEA. P 812.

الأمر الذي يجعل الأبناك تقوم بمجموعة من الدراسات والأبحاث حول طالب القرض وذلك قبل إقدامها على منح ثقتها للمقترض وبالتالي الموافقة على طلب القرض، على اعتبار أن منح الائتمان ماهو إلا منح للثقة وبالتالي منح حرية التصرف الفعلي والمباشر في مال حقيقي أو قدرة شرائية معينة (1).

ويكون الغرض من هذه الأبحاث هو تكوين صورة واضحة وحقيقية عن هذا العميل، وذلك بالاعتماد على مجموعة من المعايير (2) التي تكشف نقاط قوته ونقاط ضعفه، وهذا ما يعرف بمؤشرات الجدارة الائتمانية (3) والتي تسمح بالتالي من تحديد مكامن الخطر عند التعامل مع هذا العميل.

وتعتبر هذه الخطوة من أهم الخطوات اللازمة لاتخاذ قرار الائتمان، ويقصد بها عادة تصنيف المقترض وتصنيف المخاطر، وذلك بهدف الوصول إلى تحديد رتبة القرض التي في ضوئها ستحدد مصير طلب القرض أو التسهيلات بالموافقة أو بالرفض، ثم بعد ذلك وفي حال الموافقة على الطلب ستتم عملية التسعير أي تحديد معدل الفائدة وكذلك نوع الضمانات المقدمة.

وتجدر الإشارة إلى أن عملية البحث والتقصي حول العميل تدق أكثر في حالة القروض المتوسطة والطويلة الأجل، وذلك نظرا لكون البنك في مثل هذه العمليات يرهن أمواله لسنوات طويلة، وخلال هذه السنوات قد تحدث تطورات جديدة وتظهر متغيرات من المحتمل أنها لم تؤخذ في الحسبان لحظة الموافقة على طلب القرض.

 (1) عبد الحميد محمد الشواربي : محمد عبد الحميد الشواربي : إدارة المخاطر الائتمانية، مرجع سابق، ص 578.

(2) وهي المعايير الخاصة بدراسة العميل، وتسمى في معظم المراجع المتخصصة بـ « 5C’5 » وهي على الترتيب التالي :     شخصية المقترض، كفاءته، ملاءته المالية، الضمانات المقدمة، الظروف المحيطة بنشاط العميل. انظر بهذا الخصوص :

    - رمضان الشراح، تركي الشمري، محمد العسكر : البنوك التجارية، مرجع سابق، ص 106 وما بعدها.

    - عبد الحميد محمد الشواربي- محمد عبد الحميد الشواربي : إدارة المخاطر الائتمانية، مرجع سابق، ص 571 وما بعدها.

 (3) مؤشرات الجدراة الائتمانية هي مقاييس لتقييم احتمالات خطر عدم سداد المقترض لقيمة القرض المستحق عليه، ويتم بناءا عليها تصنيف المقترضين سواء أكانوا من القطاع العام أم الخاص.

    للمزيد من التوسع حول هذه النقطة راجع : ناجي التوني : مؤشرات الجدارة الائتمانية، مقال منشور في مجلة جسر التنمية عدد 44، 2003، ص 2 وما بعدها.

 

 

هذه المتغيرات التي تحدث عادة في نشاط العميل والتي تؤثر سلبا على مقدرته على الوفاء بالتزاماته التعاقدية مع البنك، يصنفها بعض الفقه (1) ضمن المخاطر المهنية والتي تختلف درجتها باختلاف نوع النشاط الذي يمارسه العميل وقدرته التنافسية داخل السوق.

الأمر الذي يدفع بالأبناك وقبل التعاقد مع أي مقترض إلى طرح نوعين من الأسئلة حول نشاط العميل، ويتعلق السؤال الأول حول طبيعة المنافسين وقوتهم والثاني حول مدى قدرة العميل على المحافظة على وضعه التنافسي داخل محيط ديناميكي.

وهكذا وتأسيسا على ما سبق نخلص إلى أن المخاطر المرتبطة بالعميل ترتبط بالأساس بالعناصر الرئيسية التي تمثل الجدارة الائتمانية، ومن ذلك عدم حرص العميل على الوفاء بالتزاماته المستحقة للآخرين، أو تعرض مقاولته لأزمة اقتصادية ترتب عليها خضوعه للتسوية القضائية، أو انهيار سمعته الشخصية نتيجة سلوكات طرأت على سلوكه الشخصي بعد منحه للائتمان إلى غير ذلك من الأسباب المرتبطة أساسا بعناصر الجدارة الائتمانية المتمثلة في الشخصية والكفاءة والملاءة المالية والضمانات المقدمة والظروف المحيطة بنشاط العميل.

الفقرة الثانية : المصادر الخارجية للمخاطر البنكية :

<><> 

 

إذا كانت المخاطر ذات المصدر الداخلي محصورة بالأساس في السياسة الائتمانية للبنك وفي قدرة العميل على السداد، فإنه وعلى العكس من ذلك يصعب تحديد مصدر واحد أو مصدرين اثنين لهذا النوع من المخاطر وذلك نظرا لكثرة العوامل والظروف التي تساعد على نشأتها.

فهذه المخاطر ترتبط بالظروف العامة التي تخرج عن إرادة كل من العميل المقترض والبنك  المقرض  والتي  قد  يصعب التنبؤ بها عند اتخاذ القرار الائتماني، كما لا تتصل هذه

 

 (1) BERRADA – MOHAMED – AZZADINE : Les Techniques de banque, op cit, P 313.

       le risque professionnel : lié comme son nom l’indique à l’activité même de la clientèle, le risque professionnel peut apparaître et s’aggraver lors de modifications brusques ou de changements profonds affectant les habitudes d’une profession tels principalement :

      - Les changement de mode.

      - Les découvertes et les révolutions des techniques et des Technologies .

      - La fermeture de marchés éxtérieurs.

      - Les variations importantes dans les prix mondiaux.

 

المخاطر بنشاط العميل فقط أو بالقطاع الاقتصادي الذي ينتمي إليه فحسب، ولكنها تمتد أحيانا لتؤثر في كافة القطاعات والمنشآت والأنشطة داخل المجتمع.

لذا وصفها بعض الفقه (1) بالمخاطر العامة التي يصعب التنبؤ بها نظرا لتضافر عدة عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية في نشأتها.

بالمقابل عرفها بعض الفقه بكونها المخاطر المتعلقة بالخسائر المالية المتوقعة والتي قد تنشأ بسبب مشاكل اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية خاصة بدولة ما (2).

وعادة ما يتوافر لدى البنوك أجهزة متخصصة لتوفير المعلومات عن الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتوقعة، وتحليل آثارها المتوقعة عل مختلف الأنشطة التي تمارسها. وكذا تحليل أثرها على قدرة العملاء في الوفاء بما عليهم من التزامات.

ورغم قيام مؤسسات الائتمان بتحليل استراتيجي للمعطيات الاقتصادية والاجتماعية ووضع إستراتيجية معقولة وفعالة للتحكم بهذه العوامل، فإن هذا لا يعني بالضرورة إلغاء هذا النوع من الخطر بشكل كامل، فهذا الخطر موجود مادام هناك مستقبل لا يمكن التحكم في كل متغيراته (3).

لذا فإن كل ما يمكننا القيام به هو تحديد بعض العوامل والأسباب التي قد تؤدي إلى ظهور مثل هذا النوع العام من المخاطر والتي تنحصر بالأساس في كل من الظروف الاقتصادية والسياسة والضوابط التشريعية والكوارث الطبيعية.

أولا : الظروف الاقتصادية العامة :

تؤثر الظروف الاقتصادية على الأوضاع التجارية والائتمانية بصفة عامة بحيث إذا كانت البلاد تمر بحالة كساد اقتصادي فإن البنك عادة ما يتشدد في عملية منح الائتمان، بينما في أوقات الرواج قد يسود التفاؤل وبالتالي يلجأ البنك إلى التوسع في منح الائتمان (4).

 

 (1) BERRADA. MOHAMED. AZZEDINE : Les techniques des banques. Op cit, P 312.

(2) عبد الحميد محمد الشواربي : محمد عبد الحميد الشواربي، إدارة المخاطر الائتمانية، مرجع سابق، ص 1304.

(3) الطاهر لطرش : تقنيات البنوك، دراسة في طرق استخدام النقود من طرف البنوك، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، الطبعة الثانية 2003، ص 143.

 (4) عبد المعطي رضا ارشيد : محفوظ أحمد جودة، إدارة الائتمان، مرجع سابق، ص 204.

 

ويقصد بالظروف الاقتصادية عموما تأثير الحالة الاقتصادية السائدة على نشاط العميل المقترض والتي تنعكس بدورها على مقدرته على تنفيذ التزاماته تجاه المؤسسة المقرضة، مما يساهم بالتالي في الرفع من حجم المخاطر البنكية.

لذلك يعتبر قصور الموارد التمويلية في الاقتصاد أحد مصادر المخاطر البنكية، على اعتبار أن هذا القصور يأتي نتيجة الجمود وضيق نطاق النشاط الاقتصادي السائد في البلاد. مما ينتج عنه ضيق في البدائل المتاحة للبنوك للاستثمار فيها. ويعتبر هذا القصور والضعف من أهم خصائص اقتصاديات الدول النامية وهو ما ينعكس سلبا على السياسة الائتمانية للمؤسسات البنكية نتيجة ارتفاع مستوى المخاطر الائتمانية.

لذلك فإن السياسة الائتمانية للبنوك غالبا ما تطبعها الفوضى وعدم التحكم في ضبط آلياتها نتيجة للصعوبة الكبيرة في الاعتماد على البيانات والمعلومات المالية والمحاسبية بصورة دقيقة.

ثانيا : الظروف السياسية :

لما كان الاقتصاد وثيق الصلة بالجانب السياسي أكثر من غيره، فإنه ينبغي أن يعالج من خلال هذا الجانب قبل كل شيء، وعليه فإن نجاح وتطور القطاع المالي وفي مقدمته القطاع البنكي في أي بلد رهين بمدى قدرة السلطات النقدية والمالية على توفير جو من الثقة والطمأنينة والاستقرار.

فغياب شروط ومقومات الاستقرار السياسي وغياب الديمقراطية والمشاركة السياسية يفسح المجال لتفشي ظواهر عديدة كالفساد الإداري والسياسي والاقتصادي بمختلف مظاهره (الرشوة، غسيل الأموال، التهرب الضريبي) مما ينتج عنه تدني في مستوى الرقابة المطبقة على القطاعات الاقتصادية والمالية.

ويرى بعض الباحثين (1) أن إدخال الإصلاحات الاقتصادية في ظل غياب الشروط والمقومات السياسية سيكون دون جدوى، ذلك أن الرأي الغالب يرى أن الإصلاح الاقتصادي واستقرار  نظام  السوق  يتطلب على التوازي إصلاحا سياسيا مزامنا، ويضيف نفس الباحث

(1) عمر العسري : تحريك أسواق الرساميل وإستراتيجية تنشيط الاستثمار بالمغرب، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام تخصص وحدة المالية العامة، جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء، السنة الجامعية 2001 – 2002، الجزء الأول، ص 134.

 

أن غياب الإصلاحات السياسية تفسح المجال أمام طبقات النخبة السياسية والاقتصادية للاغتناء والاستحواذ على الثروة الوطنية بمختلف الطرق المشروعة وغير المشروعة.

ثالثا : الضوابط التشريعية :

إن تدني مستوى الرقابة المطبقة على القطاعات المالية بصفة عامة والقطاع البنكي بصفة خاصة يرجع بالأساس إلى غياب نصوص قانونية فعالة تقنن النشاط البنكي وتواكب مختلف المستجدات التي يعرفها هذا القطاع إن على المستوى الوطني أو الدولي، الأمر الذي يخلق جوا من عدم الثقة بين الأبناك وعملائها ويشجع على إبرام صفقات صورية بضمانات وهمية تتيح إمكانية اقتراض مبالغ ضخمة من أجل تمويل احتياجات خاصة غير معلنة.

وفي ظل غياب شروط ومقومات المتابعة وضعف التنظيم والمراقبة فإن احتمال تعرض مؤسسة ائتمان لأزمة مالية – ولو كانت صغيرة – ستؤدي لا محالة إلى انتقال العدوى إلى باقي مكونات الجهاز البنكي ومنه إلى القطاع المالي وذلك نظرا لكون مؤسسات الائتمان من بين أكثر المؤسسات المالية ارتباطا ببعضها البعض (1).

رابعا : الكوارث الطبيعية :

تساهم الطبيعة بدورها في التأثير على الاستقرار الائتماني لبلد ما، أو منطقة جغرافية معينة، فالزلازل والفيضانات والجفاف عوامل مؤثرة في توجيه السياسة الائتمانية لمؤسسة ما، حيث تلعب دورا أساسيا في الرفع من حجم القروض التي يمكن أن تستفيد منها منطقة جغرافية معينة على حساب أخرى أو العكس.

 

(1) هناك من الباحثين من سمى هذا النوع من الخطر بالخطر الأخلاقي، حيث يسرع المودعين لسحب ودائعهم من البنك، بمعدلات كبيرة وهو ما يعرف بظاهرة الهرولة عليها – وهو أمر نفسي يرتبط بالمصداقية أكثر من اعتماده على التقييم الحقيقي للأصول البنكية. انظر طارق الله خان. حبيب أحمد : إدارة المخاطر، منشورات البنك الإسلامي للتنمية سنة 2003، ص 96 و 97.

 

 

المبحث الثاني :

تجليات مخاطر القروض البنكية.

مما لاشك فيه أن تسابق وتنافس مؤسسات الائتمان على جلب أكبر عدد ممكن من العملاء بهدف الدخول معهم في معاملات بنكية لهو أمر من شأنه أن يجعل هذه المؤسسات تحيد عن الخط الذي رسمه لها المشرع في هذا الإطار وبالتالي تعرض نفسها وتعرض الغير المتعاقد معها لمجموعة من المخاطر التي قد تؤدي حالة تحققها إلى الإضرار بمصالحها وبمصالح المتعاقدين معها.

وعليه فإذا كان العمل البنكي ينطوي بطبيعته على العديد من المخاطر، فإن توزيع القروض البنكية على مختلف الفاعلين الاقتصاديين والمستهلكين لم يشذ بدوره عن هذه القاعدة وذلك على اعتبار أن هناك مخاطر من طبيعة معينة ترافق وتصاحب عمليات الإقراض البنكي.

وتتجلى هذه المخاطر بالأساس في المخاطر ذات الطبيعة المالية والتي تمس مباشرة بالمحفظة المالية للمؤسسة البنكية والمخاطر ذات الطبيعة التشغيلية والتي تنتج عن قصور أو نقصان في تدبير وتسيير الموارد المالية للبنك.

وتأسيسا على ذلك سنعمل على تناول هذا المبحث وفقا للتقسيم التالي :

المطلب الأول : المخاطر ذات الطبيعة المالية.

المطلب الثاني : المخاطر ذات الطبيعة التشغيلية.

 

 

المطلب الأول :

المخاطر ذات الطبيعة المالية.

<><> 

 

إذا كانت القاعدة السائدة في عمليات الائتمان البنكي تقضي بأن كل عملية ائتمان لابد وأن تكون محفوفة بمجموعة من المخاطر، فإن القروض البنكية لم تخرج بدورها عن هذه القاعدة رغم بساطة تكوينها.

ويأتي على رأس المخاطر التي تؤرق بال العديد من المؤسسات البنكية، المخاطر ذات الطبيعة المالية وذلك على اعتبار أنها مخاطر تتصل مباشرة بإدارة أصول وموجودات البنك، وتتمثل أساسا في مخاطر الائتمان أو خطر عدم وفاء المقترض بالتزاماته التعاقدية اتجاه المؤسسة البنكية (الفقرة الأولى) ومخاطر الصعوبات المسطرية التي تواجه المؤسسة البنكية عند قيامها بتحقيق بعض الضمانات البنكية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : مخاطر الائتمان وتعثر القروض البنكية.

تنشأ مخاطر الائتمان حينما يتعثر العميل المقترض عن الوفاء بالتزاماته التعاقدية اتجاه المؤسسة المقرضة الأمر الذي قد يؤدي حالة تعدد حالات المتعثرين وارتفاع نسبة الديون المعلقة الأداء مقارنة بنسبة الديون المستخلصة إلى أزمات وصعوبات مالية قد تنعكس سلبا على أداء المؤسسة البنكية.

لهذا يعتبر خطر الائتمان من بين أهم المخاطر على الإطلاق التي تواجه المؤسسات البنكية (أولا) وذلك على اعتبار أن خسائره في بعض الحالات قد تكون مرتفعة مقارنة بأي خطر آخر إذا ما ارتفعت نسبة الديون أو القروض المتعثرة (ثانيا).

أولا : ماهية خطر الائتمان :

بداية نشير إلى أن البنك الذي يطلب منه الائتمان ليس هناك قانونا ما يلزمه بذلك وذلك على اعتبار أن للبنوك كامل الحرية في دراسة طلبات الاقتراض والاستجابة لها أو رفضها من غير أن تكون ملزمة بتعليل قرارها لأي جهة كانت، وذلك نظرا لكون عمليات الائتمان البنكي من العمليات التجارية التي تقوم أساسا على الاعتبار الشخصي لطالب الائتمان.

وعلى هذا الأساس تكون مؤسسات الائتمان ملزمة بالعمل على توزيع قروض قادرة على استقطاب عملاء قادرين على تسديدها. لأنه إن لم تراع التعامل مع مقترضين جيدين فإنها ستفقد أموال المودعين والمودعين أنفسهم إضافة للأرباح التي كان يفترض أن تحققها.

وعليه فما دام الائتمان يقوم على الثقة والزمن وإمكانية الوفاء بالدين في ميعاد الاستحقاق (1) فإن خطر الائتمان (2) ينشأ حينما يتعثر المقترض في الوفاء بالدين الذي بذمته اتجاه مؤسسة الائتمان إضافة إلى مبلغ الفائدة المترتبة عليه.

وهكذا عرف بعض الفقه (3) خطر الائتمان بكونه تلك المخاطرة التي ترتبط بالطرف الآخر في العقد ومدى قدرته على الوفاء بالتزاماته التعاقدية كاملة وفي موعدها المحدد في العقد. ونتيجة لهذه المخاطرة هنالك حالة عدم تأكد من صافي الدخل ومن القيمة السوقية للأصول تنشأ من عدم السداد كلية أو من التأخير في سداد أصل القرض والفوائد المستحقة عليه.

كما عرفه البعض الآخر (4) بأنه احتمال عجز المقترض عن تسديد أقساط القروض وفوائدها وفقا للجدول الزمني المتفق عليه عند إبرام عقد القرض أو بأنه إمكانية فشل المقترض في الوفاء بالتزاماته طبقا للبنود المتفق عليها. مما يعني أن المدين لن يتمكن من دفع الفائدة أو سداد أصل القرض (5).

وعلى العموم فإن ما يمكن إبداؤه بخصوص هذه التعاريف رغم تعددها أنها لا تختلف كثيرا فيما بينها حيث تركز دائما وبشكل أساسي على الطرف المقابل في عقد القرض، وهو المقترض ومدى قدرته على الوفاء بالتزاماته التعاقدية داخل الأجل المحدد (6).

 

(1) امحمد لفروجي : العقود البنكية بين مدونة التجارة والقانون البنكي، مرجع سابق، ص 281.

(2) Le risque de crédit ou risque de défaut de remboursement des prêts est le plus ancien et, encore aujourd’hui, le principal risque pour une banque.

     Michel Dietsch et joêl Petey : Mesure et gestion du risque de crédit dans les institutions Financières. Revue banque. Edition – jouve, Paris 2003. P 15.

(3) طارق الله خان : حبيب أحمد : إدارة المخاطر : مرجع سابق، ص 30.

(4) رمضان الشراح : تركي الشمري محمد العسكر : البنوك التجارية، مرجع سابق، ص 246.

(5) هالة حلمي السعيد : دور الدولة في إدارة مخاطر الائتمان في الجهاز المصرفي خلال فترة التسعينات، مركز البحوث والدراسات الاقتصادية والمالية، جامعة القاهرة، العدد 30 يونيو 2004، ص 5.

(6) on trouve dans la réglementation bancaire et Financeière du comité de la réglementation bancaire et Financière (CRBF) une définition du risque de crédit. L’article 4 du règlement 97.05, Dispose que le risque de crédit est « Le risque encouru en cas de défaillance d’une contrepartie ou de contre parties considérées comme un bénéficiaire au sens de l’article 3 du règlement 93.05 susvisé.

   Alain Gauvin : droit des dérivés de crédit. Revue banque Edition . jouve. Paris 2003. P 65.

 

 

وهو نفس النهج الذي تبناه منشور والي بنك المغرب رقم 40/G/2007 عند تعريفه لخطر الائتمان ضمن المادة 41 والتي جاء فيها :

" يقصد بخطر الائتمان خطر عدم قدرة أحد الأطراف المقابلة على الوفاء بالتزاماته اتجاه المؤسسة " (1).

هذا التعريف الصادر ضمن منشور والي بنك المغرب لم يختلف كثيرا عن سابقه الوارد ضمن الدورية رقم 6 المشار إليها سابقا، سوى في شيء واحد وهو اللغة التي ورد بها هذا التعريف، وذلك على اعتبار أن الدوريات الصادرة عن والي بنك المغرب قبل صدور ظهير 14 فبراير 2006 كانت كلها تصدر باللغة الفرنسية فقط (2).

وعلى العموم وتأسيسا على ما سبق يمكن لنا تعريف خطر الائتمان بكونه تلك المخاطرة الناتجة عن الثقة التي توليها مؤسسات الائتمان في عملائها وفي قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم التعاقدية اتجاهها داخل الأجل المحدد.

وفي نفس السياق نود الإشارة إلى خطر من صنف جديد أشار إليه منشور والي بنك المغرب رقم 40/G/2006 ضمن المادة 55، خطر يمكن إدراجه ضمن خانة مخاطر الائتمان مادام يتعلق بعدم قدرة المقترضين أو المقترض الواحد على إرجاع ما بذمته لمؤسسات الائتمان وهو خطر لا يختلف كثيرا عن سابقه سوى في آثاره القوية على الصلابة المالية لمؤسسات الائتمان وهو خطر تمركز القروض.

ولقد عرفت المادة 55 من المنشور السابق هذا الخطر بكونه :

" يقصد بخطر تمركز القروض الخطر الملازم لتعرض من شأنه أن يؤدي إلى خسائر كبيرة قد تهدد الصلابة المالية لمؤسسة أو قدرتها على متابعة أنشطتها الأساسية.

وقد ينتج خطر تمركز القرض عن التعرض إزاء :

- أطراف مقابلة فردية.

- مجموعات ذات نفع.

 

(1) نشير هنا إلى أن المقصود بالمؤسسة هي مؤسسة الائتمان، وذلك حسب مدلول المادة الأولى من نفس المنشور والتي جاء فيها :

   " يجب على مؤسسات الائتمان المشار إليها في ما بعد بالمؤسسات ".

(2) L’article 31 de circulaire n° 6. de bank AL MAGHRIB définie le risque de crédit comme suite :

    « On entend par risque de crédit, le risque q’un client ne soit pas en mesure d’honorer ses engagements à l’égard de l’établissement de crédit ».

- أطراف مقابلة تنتمي إلى نفس مجال العمل أو إلى نفس المنطقة الجغرافية.

- أطراف مقابلة تكون نتائجها المالية متوقفة على نفس النشاط أو نفس المادة  الأساسية ".

وهكذا ومن خلال هذه المادة يتضح لنا أن هذا الخطر ينتج حينما تقوم مؤسسات الائتمان بتركيز عملياتها الائتمانية مع مؤسسة واحدة أو مؤسسات متعددة لكنها تنتمي لقطاع واحد أو منطقة جغرافية واحدة (1) حيث يترتب عن هذا التركيز – حالة تخلف هذه المؤسسات عن الأداء لسبب أو لآخر – خسائر مالية جد مهمة للمؤسسات البنكية قد تتسبب في الإخلال باستمرارية نشاطها.

ونود الإشارة إلى أن المادة 5 من منشور والي بنك المغرب رقم 25/G/2006 قد أشارت إلى كيفية حساب مؤسسات الائتمان لمبلغ خطر الائتمان المرجح، وذلك بضرب عناصر الأصول وعناصر خارج الحصيلة التي تؤخذ بعين الاعتبار في معاملات الترجيح الموافقة لها .

وقد تم تقسيم معاملات الترجيح إلى أربعة أوزان مختلفة تختلف باختلاف عناصر الأصول وهكذا نجد وزن 0% ويضم الديون الممتازة والتي تكون نسبة عدم استرجاعها معدومة ثم وزن 20% وتضم ديونا أقل جودة من سابقتها ثم وزن 50% وأخيرا وزن 100%.

وعليه فإن العملية الحسابية تتم على الشكل الآتي :

(عناصر الأصول × معامل الترجيح الموافق لها) + (عناصر خارج الحصيلة × معامل الترجيح الموافقة لها) = مبلغ خطر الائتمان المرجح.

وعلى العموم ومن خلال كل ما سبق يتضح لنا مدى خطورة وحساسية مخاطر الائتمان على ملاءة وسيولة مؤسسات الائتمان، باعتبارها مخاطر تؤثر سلبا على توازن محفظتها المالية وتفرض عليها في نفس الوقت تخصيص مبالغ أخرى تستخدم كمؤن أو احتياطات مالية بنسب توازي نسبة المبالغ الغير المستخلصة.

(1) ولعل أهم المؤسسات البنكية التي قد تعاني من خطر مماثل هي المؤسسات المختصة في تمويل قطاعات معنية بالذات كالقرض العقاري والسياحي أو مؤسسة القرض الفلاحي.

 

 

فالأبناك وكما هو معلوم ملزمة بتكوين تموينات على الديون المتنازع بشأنها، هذه التموينات تخصم من الأرباح لكل سنة مالية، وبالتالي فهي ملزمة بخصم جزء من أرباحها يكون موازيا لقيمة الديون التي تخشى عدم استرجاعها (1) فمثلا عند عدم استخلاص قرض ما تحرك الأبناك دعوى أمام القضاء وفي نفس الوقت تضع احتياطات مالية بنسبة 100% من حجم هذه القروض في حصيلتها تحسبا لعدم استرجاعها، وإذا طالت الدعوى ثلاث أو أربع سنوات تبقى هذه الاحتياطات بدون استعمال، وتقلص بالتالي من إمكانية البنك لمنح قروض لعملاء آخرين وهذا ما يعيق عملها في تمويل الاقتصاد (2).

وهي خسارة اعتبرها بعض الفقه (3) لا ترقى لحجم الأرباح التي يجنيها البنك من العملية ككل لو أن العميل أدى ما بذمته في الموعد المحدد.

ونشير في هذا السياق إلى أن حجم هذه الخسائر يختلف بطبيعة الحال باختلاف حجم مؤسسات الائتمان فالأبناك الصغيرة أو المتوسطة لا تكون معرضة لنفس حجم مخاطر الائتمان التي تتعرض لها أبناك الأعمال أو الأبناك الدولية وذلك نظرا لاختلاف حجم ونوعية القروض التي يقوم كل بنك بتوزيعها.

ثانيا : تعثر القروض البنكية :

مما لاشك فيه أن معظم مؤسسات الائتمان أصبحت تواجه اليوم ظاهرة القروض المتعثرة أو الديون المعلقة الأداء، - ولو بنسب مختلفة - وذلك تبعا لحجم وطبيعة نشاط هذه المؤسسة.

هذه الظاهرة التي نشأت في أواخر السبعينات بفعل تزايد حدة مخاطر الائتمان وتفاقمت في منتصف الثمانينات لأسباب مختلفة اشتركت فيها كل من مؤسسات الائتمان والعملاء على حد سواء فضلا عن تدخل بعض المتغيرات الاقتصادية، أصبحت تشكل اليوم إحدى  أهم  الظواهر  السلبية  التي  تعيق  نشاط الأبناك كفاعل أساسي في الاقتصاد الوطني،

(1) سعد بورقادي : مستجدات العمل البنكي خلال الخمس سنوات المنصرمة. مقال منشور ضمن الندوة الثالثة للعمل القضائي والبنكي، مطبعة الأمنية، 1993، الرباط،  ص 28.

(2) عبد اللطيف الجواهري : كلمة افتتاحية للندوة الثالثة للعمل القضائي والبنكي، مرجع سابق، ص 17.

(3) Sylvie de coussergues : Gestion de la banque, du diagnostic à la stratégie 4ème Edition, Dunod.2004, P 106.

    - De ce Fait, la banque subit une perte en capital (créance non remboursée) et en revenu (intérêt non perçue ) , perte qui est considérablement plus importante que le profit réalisé sur cette même contrepartie non défaillante .

(4) فمثلا القروض الموجهة لتمويل قطاع الإسكان تعتبر أقل خطورة من القروض الموجهة لتمويل خزينة المقاولة.

 

حيث إن انتشار هذه الظاهرة بين مختلف مؤسسات الائتمان ساهم بشكل مباشر وأساسي في تقليص عدد المستفيدين من الائتمان البنكي وبالتالي في تضييق الخناق على أحد أهم الموارد المالية للمقاولة المغربية.

وفي هذا السياق قام مجموعة من الفقه بتعريف القروض المتعثرة حيث اعتبرها البعض (1) بكونها تلك القروض التي لا يقوم المقترض بتسديدها حسب جدول السداد المتفق عليه، مع مماطلة المقترض في تزويد البنك بالبيانات والمستندات المطلوبة.

في حين عرفها البعض الآخر (2) بكونها تلك التسهيلات الائتمانية بجميع أنواعها التي منحتها البنوك لبعض العملاء في الماضي ولم يهتموا بسداد قيمتها والفائدة المستحقة عليها في آجال استحقاقها وبمرور الوقت تحولت حسابات هذه التسهيلات الائتمانية إلى حسابات مدينة راكدة أو مجمدة.

والملاحظ بخصوص هذه التعاريف أنها لم تضع حدا فاصلا بين مفهوم القروض البنكية المتعثرة وبين مفهوم مخاطر الائتمان، حيث إن هناك تقاربا وتشابها في التعاريف المعطاة لكل منهما، وهو الأمر الذي لا نتفق معه وذلك على اعتبار أن توقف العميل عن الأداء هو الذي يؤدي إلى ظاهرة القروض المتعثرة أو الديون المعلقة الأداء.

وعليه فإنه يمكن لنا تمييز هذه الظاهرة عن مخاطر الائتمان باعتبارها أحد أهم الآثار التي تترتب عن تحقق هذه المخاطر.

وهكذا يمكن لنا تعريف ظاهرة الديون المعلقة الأداء بكونها تلك الديون التي تترتب عن تحقق مخاطر الائتمان والتي لم تنجح المؤسسة البنكية في استخلاص قيمتها رغم كل المساعي الودية.

وللحد من آثار هذه الظاهرة المرتبطة بالمخاطر الائتمانية والمصاحبة لعملية منح الائتمان البنكي، قام بنك المغرب منذ سنة 1993 بإصدار قواعد جديدة تتعلق بتصني

 

(1) عبد المعطي رضا ارشيد : محفوظ أحمد جودة، إدارة الإئتمان : مرجع سابق، ص 279.

(2) محمد صبري : الأخطاء البنكية، مرجع سابق، ص 376.

 

الديون المعلقة الأداء (1)، كان آخرها الدورية الصادرة بتاريخ 23 دحنبر 2002 تحت رقم 19/G/2002 والتي عدلت جزئيا بتاريخ 9 دجنبر 2004 (2).

هذه القواعد الصادرة عن بنك المغرب تهدف بالأساس إلى متابعة ديون مؤسسات الائتمان بشكل منتظم وفعال وذلك من أجل معرفة حجم الديون الغير المسترجعة أو المشكوك في استرجاعها وبالتالي توفير المؤونة اللازمة لتغطيتها تحسبا لخطر عدم استرجاعها في وقتها.

حيث يتم تحويل هذه المؤونات إلى الجزء الخاص بخصوم البنك إلى حين استرجاع الدين، لتتم المقاصة بينهما إما بصفة كلية أو جزئية بحسب نسبة الاستخماد، وهو الأمر الذي يؤثر على الوعاء الضريبي للمؤسسة البنكية، حيث يتصاعد أو ينخفض تضريب البنك بحسب تكوين هذه المؤونات.

والمؤونة إضافة إلى أدوارها السابقة، فإنها كذلك تساعد المؤسسات البنكية على دق ناقوس الخطر بالنسبة لطبيعة بعض الديون المعلقة الأداء، ودورية بنك المغرب تلعب هذا الدور لتحذير الأبناك من أجل مواجهة هذه الديون وبالتالي إيجاد الصيغة الأكثر فاعلية لاستخلاصها (3).

ويتجلى ذلك بالأساس من خلال قيام هذه الدورية (رقم 19/G/2002 والتعديل الذي عرفته بتاريخ 9 دجنبر 2004) بتقسيم ديون المؤسسات البنكية بصفة عامة إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي كالتالي .

1 – الديون العادية « Les créances saines » (4)

2 – الديون معلقة الأداء « Les créances en souffrance » (5)

 

 (1) ويتعلق الأمر بالدورية السابقة لبنك المغرب رقم 2/G/93 الصادرة بتاريخ 14 ماي 1993 والتعديلات التي عرفتها بمقتضى الدورية الصادرة بتاريخ 6 دجنبر 1995.

(2) Circulaire N° 19. Relative à la classification des créances et a leur couverture par les provisions . Bank AL MAGHRIB. N° 19. G – 2002. Rabat . Le 23 Décembre 2002. Modifiée Le 9 Décembre 2004 est entrée en figure dès le 1 janvier 2005.

(3) EL HADI CHAIBAINOU : La nouvelle loi bancaire . édition DATAPRESS 1993. P 142. 144.

(4) « sont considérées comme créances saines, les créances dont le règlement s’effectue normalement à l’échéance et qui sont détenues sur des contreparties dont la capacité à honorer leurs engagements immédiats et / ou futurs, ne présente pas de motif d’inquietude ».

(5) « sont considérés comme créances en souffrance, les créances qui présentent un risque de non recouvrement total ou partiel, eu égard à la détérioration de la capacité de remboursement immédiate et / ou futur de la contrepartie ».

 

3 – الديون غير النظامية « Les créances irrégulières » (1)

كما ثم أيضا تقسيم الديون المعلقة الأداء (2) وذلك تبعا لدرجة وحجم الخطر الذي يمثله هذا الدين وفقا  للشكل التالي :

1 – ديون على وشك أن يكون مشكوكا في استردادها « Les créances pré douteuses »

2 – ديون مشكوك في استردادها « Les créances – douteuses »

3 – ديون غير قابلة للاسترداد « Les créances compromises »

ومما يلاحظ بخصوص هذا التصنيف أنه تم بشكل تصاعدي تبعا لدرجة الخطر الذي ترافق عملية استرجاع هذا الدين وتبعا للمدة التي بقي فيها هذا الدين أو الحساب معلق الأداء وذلك لهدف ضريبي يرمي إلى جعل حصيلة نهاية السنة بالنسبة للأبناك مرآة شفافة تعكس حالة الديون التي وزعها البنك لفائدة عملائه وما مدى حظوظ استرجاعها.

أما فيما يخص الاحتياطات المالية أو المؤونات (3) التي ينبغي توفيرها بالنسبة لكل دين متعثر أو معلق الأداء فإنها تختلف باختلاف طبيعة هذا الدين، فالمادة 13 من الدورية السابقة حددت لكل دين متعثر نسبة معينة وذلك على الشكل التالي :

- الديون التي على وشك أن يكون مشكوكا في استردادها تخصص لها مؤونة كافية بنسبة 20% .

- الديون المشكوك في استردادها تخصص لها مؤونة بنسبة 50%.

- الديون الغير القابلة للاسترداد أو المعدومة فتخصص لها مؤونة تساوي 100% من قيمتها.

ونشير في هذا الصدد إلى أن القروض المشكوك في استردادها تختلف عن القروض الغير القابلة للاسترداد أو المعدومة وذلك على اعتبار أن الديون الأولى لازال هناك أمل في

 

 (1) « sont considérés comme créances irrégulières, les créances présentant les critères de classification parmi les créances en souffrances, mais qui sont intégralement couvertes par l’une des garanties énumérées au 1) de l’article 15 ci-dessous).

(2) عرفت الدورية السابقة الديون المعلقة الأداء بأنها تلك الديون التي تبدي خطرا لعدم استرجاعها بشكل كلي أو جزئي وذلك بسبب تراجع قدرة العميل على الأداء في الوقت الحاضر أو في المستقبل.

(3) Taux des provisions.

 

 

استرجاع بعض أقساطها سواء عن طريق القضاء أو عن طريق الصلح (1) أما القروض المعدومة فإنها قروض استنفذت كافة الوسائل الممكنة لتحصيلها، حيث أصبح من المستحيل تحصيلها أو تحصيل جزء منها على أرض الواقع.

وعلى العموم فإن هذا التصنيف يساعد الأبناك على الكشف المبكر لحالات التعثر وبالتالي يساهم في تخفيض خسائر البنك المحتملة وذلك عبر اتخاذ مجموع الإجراءات اللازمة لمحاولة تفادي التوقف الكلي للعميل عن الدفع، ولعل الخطاطة التالية توضح بشكل جلي طريقة معالجة المؤسسات البنكية لإشكالية القروض المتعثرة.

معالجة القروض المتعثرة (2)

تأجيل تحصيل المستحقات مؤقتا

 

تقديم حلول مقترحة

 
 


     حالات يمكن معالجتها

 

 

 

 


اعتبار القرض كله أو جزء منه مشكوك في استرداده

 

اتخاذ إجراءات للمحافظة على حقوق البنك

 
       حالات ميؤوس منها

 

 


فهذه الخطاطة تمثل بالضبط المراحل التي تمر منها المؤسسة البنكية من أجل معالجة مشكل القروض المتعثرة، حيث تبدأ بعملية تحديد القروض المتعثرة ثم تحليل المركز المالي والنقدي للعميل وبناء عليه يتم تقسيم القروض المتعثرة إلى حالات يمكن معالجتها وحالات ميؤوس منها وذلك على اعتبار أن البنك قد يتمكن من تسوية النزاع مع المقترض بعيدا عن تعقيدات ساحة القضاء كتأجيل تواريخ السداد مثلا أو إعادة جدولة الديون من جديد أو تخفيض نسبة الفوائد أو حتى منح تسهيلات إضافية للعميل من أجل حل مشكلته.

 

(1) بناء على اقتراح من بنك المغرب قامت المجموعة المهنية لبنوك المغرب بوضع مشروع قانون يتعلق بإجراءات الوساطة البنكية لحل النزاعات بين المؤسسات البنكية وبين عملائها وذلك بعيدا عن تعقيدات ساحة القضاء، أنظر الملحق رقم : 4.

(2) أنظر بهذا الخصوص : منير صالح هندي : إدارة البنوك التجارية، مرجع سابق، ص 246.

أما بالنسبة للحالات الميؤوس منها فإن البنك يقوم باتخاذ الإجراءات الكفيلة بحفظ حقوقه والتي قد تصل إلى إعلان إفلاس العميل وبالتالي السير بالإجراءات القانونية وملاحقة العميل قانونيا

وفي هذا الإطار نشير إلى أن تقرير بنك المغرب السنوي لسنة 2006 قد شهد تراجعا تدريجيا لحجم الديون المعلقة الأداء وهو أمر يدل على الحزم الذي تتبعه مؤسسات الائتمان في تتبع ومعالجة هذا النوع من الديون .

السنوات

حجم الديون المعلقة الأداء بملايين الدراهم

- دجنبر 2004

- نونبر 2005

- دجنبر 2005

- نونبر 2006

- دجنبر 2006

48070 م د

48417 م د

45291 د م

37352 د م

35790 م د

المصدر : من التقرير السنوي لبنك المغرب 2006.

وهكذا يلاحظ أنه بفضل الجهود المبذولة من قبل مؤسسات الائتمان من أجل احتواء ظاهرة الديون المعلقة الأداء وبالتالي إصلاح حصيلة البنوك، فإن هذه الديون قد تراجعت من جديد بقيمة 8 مليارات أو 18,3% لتصل إلى 35,6 مليار درهم.

وبانخفاضها إلى هذا المستوى شكلت هذه الديون 10,9% من محفظة قروض البنوك         و 7,4%  منها بغض النظر عن البنوك المتخصصة عوض 15,7% و 9,6% على التوالي سنة 2005، وقد تحسنت نسبة تغطية هذه الديون بالمؤونات حيث انتقلت من 67,2% إلى 71,3% بالنسبة لمجموع البنوك ومن 74% إلى 78% في ما يتعلق بالبنوك التجارية ومن 60,7% إلى 62,9% في ما يخص البنوك العمومية المتخصصة.

الفقرة الثانية : صعوبة تحقيق الضمانات البنكية.

<><> 

 

إن من بين المهام الأساسية للبنك تمويل الاقتصاد الوطني عن طريق إمداد الخواص ومؤسسات القطاع الخاص والعام بالقروض والتسهيلات الائتمانية بجميع أشكالها، غير أن قيام الأبناك بهذا الدور لا يخلو من عقبات ومخاطر ائتمانية، تتمثل بالأساس في حجم الديون غير المؤداة التي أصبحت تثقل كاهل المؤسسات البنكية.

الأمر الذي دفع بالأبناك إلى المغالاة في مطالبة عملائها بتقديم ضمانات متنوعة قصد الحد من توابع عدم الوفاء عند الاستحقاق، مما جعلها محط انتقاد من بعض الأوساط.

غير أن هذا التوجه البراغماتي حسب تعبير بعض الفقه (1) من طرف المؤسسات البنكية لا يشكل حلا ناجعا للحد من تفاقم آثار الديون الغير المؤداة على حجم القروض الموزعة من طرف البنوك، حيث أن إنشاء الضمانات رغم تعدد أشكالها وتنوعها، غالبا ما يعد غير كاف لاستيفاء مستحقات البنك اتجاه عملائه، خصوصا إذا ما اعتبرنا الصعوبات العملية والمسطرية التي تعوق تحقيق الضمانات البنكية أمام المحاكم، هذا مع العلم أن عامل الوقت يعتبر جوهريا في عملية الاستيفاء.

وعليه فإشكالية تحقيق الضمانات البنكية أمام الهيآت القضائية يمكن اعتبارها بمثابة خطر غير مباشر من مخاطر القروض البنكية، خطر يلازم ويرافق خطر الائتمان، ويبرز هذا الخطر ويتجلى كلما تأخر البنك في تحقيق الضمانة البنكية وفي استرجاع جزء من مبالغه المقترضة، وذلك بحكم أن الدين الغير المؤدى أو الغير المستخلص يبقى مجمدا مدة من الزمن – طوال مرحلة تحقيق الضمانة – مما لا يتيح للمؤسسة البنكية إعادة استغلال أموالها من جديد في قروض وتمويلات مختلفة.

وعلى هذا الأساس فإذا ما أخل المقترض بالتزامه التعاقدي المتمثل في عدم أدائه للدين المستحق عليه، فإن البنك لا يجد أمامه أي وسيلة أخرى غير تلك التي جعلها المشرع في متناوله وهي الالتجاء إلى القضاء من أجل تحقيق الضمانات التي بين يديه وبالتالي استيفاء حقه وهذا أمر غير متيسر في كثير من الحالات. إذ أن هناك صعوبات وعراقيل كثيرة تحد من فعالية هذه الضمانات ودورها كخط دفاع ثان تلجأ إليه مؤسسات الائتمان عند تحقق خطر عدم الوفاء، وسنعمل في هذا السياق على تناول بعض أهم الصعوبات التي تواجه مسطرة تحقيق الرهن الرسمي باعتبارها تشكل الضمانة الأكثر استعمالا من طرف الأبناك .

(1) سعيد بربال : إشكالات تحقيق الضمانات البنكية، مقال منشور في  الندوة الرابعة للعمل القضائي والبنكي، سلسلة الندوات واللقاءات والأيام الدراسية، مطبعة دار السلام، الطبعة الأولى، يناير 2004، الرباط، ص 302.

 

لكن وقبل الخوض في غمار هذه الصعوبات، لابأس أن نشير في البداية وباختصار إلى مفهوم وماهية الرهن الرسمي.

أولا : ماهية الرهن الرسمي :

يتصدر الرهن الرسمي مختلف أنواع الضمانات بصفة عامة وذلك نظرا لطبيعته العقارية ولارتباطه الوثيق بالقروض البنكية على اختلاف أنواعها الأمر الذي جعل منه وسيلة فعالة يتم اللجوء إليها عند تحقق خطر الائتمان أو خطر عدم الوفاء.

وتتجلى الخاصية الحمائية للرهن الرسمي كضمانة عينية عقارية تساهم في دعم الائتمان التجاري في وعائه العقاري، على اعتبار أن العقارات وحدها هي التي يمكن أن تكون محلا له (الفصل 158 من ظهير 2 يونيو 1915) (1).

وقد عرف المشرع المغربي (2) الرهن الرسمي في الفصل 157 من ظهير 2 يونيو 1915 والذي جاء فيه : " الرهن الرسمي حق عيني عقاري على العقارات المخصصة لأداء التزام، وهو بطبيعته لا يتجزأ  ويبقى بأكمله على العقارات المخصصة له وعلى كل واحد وعلى كل جزء منها ويتبعها في أي يد انتقلت إليها ".

فمن خلال هذا التعريف يتضح لنا أن المشرع المغربي قد اعتبر الرهن الرسمي حقا عينيا عقاريا تبعيا. لا يقبل التجزئة ولا يقوم على الحيازة ولا يقع إلا على العقارات، وتأسيسا على ما سبق يمكن لنا إجمال بعض خصائص الرهن الرسمي فيما يلي :

1) كونه حقا عينيا : ومعنى ذلك أنه يعطي صاحبه حق الأولوية على غيره من الدائنين في استيفاء دينه من ثمن العقار المرهون وهذا الحق هو ما يسمى بالاصطلاح الفقهي حق التقدم أو حق الأفضلية (3).

(1) نص الفصل 158 من ظهير 2 يونيو 1915 على ما يلي :

    إن العقارات القابلة وحدها للرهون الرسمية هي :

    1) العقارات المشيدة أو الغير المشيدة الموجودة في التعامل وبمعيتها ملحقاتها المعتبرة عقارات .

    2) الانتفاع بهذه الأملاك بذاتها وملحقاتها وذلك طيلة مدة الانتفاع.

    3) الكراء الطويل الأمد طيلة مدته.

    4) حق السطحية المقرر على هذه العقارات ذاتها. 5) الحقوق الإسلامية المشار لها بالفقرة العاشرة بالفصل الثامن من هذا الظهير وحق الانتفاع المؤبد على الأملاك الجماعية المنصوص عليها في الفصلين الثامن والتاسع من الظهير المؤرخ في 29 رجب 1337 موافق 27 أبريل 1919 المنظم للوصاية الإدارية والمحدد لإدارة الأملاك الجماعية وتفويتها.

(2) في حين تناول المشرع المصري تعريف الرهن الرسمي في المادة 1030 من القانون المدني والتي جاء فيها : " الرهن الرسمي عقد يكسب الدائن على عقار مخصص لوفاء دينه حقا عينيا ليكون له بمقتضاه أن يتقدم على الدائنين العاديين والدائنين التاليين له في المرتبة في استيفاء حقه من ثمن ذلك العقار في أي يد يكون.

(3) محمد فركت : الرهن الرسمي والإجراءات المسطرية، الندوة الأولى للعمل القضائي والبنكي، نشر المعهد الوطني للدراسات القضائية والمجموعة المهنية لبنوك المغرب، الرباط 1987، ص 110.

 

2) كونه حقا تبعيا : إن اعتبار الرهن الرسمي حقا عينيا تبعيا يفيد أنه تابع للالتزام الذي أنشأه فهو يقوم بقيام الالتزام الأصلي وينعدم بانعدامه وينتقل بانتقاله.

3) كونه حق لا يقبل التجزئة : ومعنى ذلك أن العقار محل الرهن يبقى بكل أجزائه ضامنا للدين أو لما تبقى منه، ولا يرفع الرهن إلا بالوفاء الكلي لمجموع الدين وهذا ما نصت عليه المادة 1180 من ق  ل ع حيث جاء فيها." الرهن بطبيعته لا يتجزأ، فكل جزء من الشيء المرهون رهنا حيازيا أو رسميا، يضمن كل الدين ".

ففي حالة تعدد أجزاء الدين من حيث حلول أجل الأداء فإن أداء الجزء الحال أجله يبقي العقار كله ضامنا للأجزاء المتبقية من الدين، ونفس المبدأ يطبق في حالة وجود عدة عقارات ضامنة لدين واحد. إذ أن أداء جزء من الدين يقابل عقارا منها لا يخلصه من الرهن، ومفهوم هذه القاعدة هو ما نصت عليه المادة 157 من الظهير السابق " ... وهو بطبيعته لا يتجزأ ويبقى بأكمله على العقارات المخصصة له، وعلى كل واحد، وعلى كل جزء       منها ... " (1).

4) كونه حق لا يتطلب خروج العقار من حيازة المدين : فهو رهن لا يقوم على الحيازة، حيث يبقى العقار المرهون بين يدي مالكه المدين يتصرف فيه كيفما شاء وذلك على خلاف الرهن الحيازي.

 والرهن الرسمي على العموم حسب مقتضيات الفصل 162 من الظهير السابق إما أن يكون رهنا إجباريا أو اتفاقيا، والرهن الجبري هو الذي يكون بمقتضى حكم قضائي بدون رضى المدين وفي حالات حددها المشرع بصفة حصرية، في حين أن الرهن الإتفاقي ينشأ برضى الأطراف بمقتضى عقد رسمي أو عقد عرفي ولا يكون لهذا العقد أي أثر نافذ بين المتعاقدين أو في مواجهة الغير إلا إذا ثم تسجيله في السجل العقاري.

وذلك على اعتبار أن الرهن الرسمي مؤسسة مقترنة بفكرة التقييد، لأن قوة الضمان فيها هو تقييد الرهن في سجلات رسمية على رسوم ملكية العقار المرهون بحيث يلتصق الرهن العقاري فيتوفر بذلك الضمان المطلوب لأداء الالتزام (2).

 

(1) محمد فركت : الرهن الرسمي والإجراءات المسطرية، مرجع سابق، ص 132.

(2) حليمة بن حفو : تقييد الرهن الرسمي في السجل العقاري، أعمال اليوم الدراسي حول العقار والإسكان الذي نظمه مركز الدراسات القانونية المدنية والعقارية بمراكش يوم 24 ابريل 2003، منشور بسلسلة الندوات والأيام الدراسية عدد 20، الطبعة الأولى 2003، ص 169.

 

وكل عقد رهن يجب أن يعين لزوما اسم العقار الواقع عليه الرهن ورقم رسمه ومكانه (المادة 177 من الظهير)، وإذا كان الرهن الرسمي ينشأ مبدئيا بالتسجيل فإن هناك استثناء يتعلق بالرهن المؤجل الذي يعتبر موجودا في نظر القانون حتى قبل تسجيله، وهو رهن رضائي يبرم لضمان قروض قصيرة الأجل لمدة من الزمن لا تتجاوز 90 يوما، يجوز خلالها تأجيل إشهاره أو قيده بالرسم العقاري دون أن يكون الدائن معرضا لفقدان مرتبة دينه، حيث يبقى الدائن متمتعا بالرتبة التي اكتسبها منذ تقديمه لعقد الرهن للمحافظة العقارية، شرط احترام مقتضيات الفصول 183 و 184 من الظهير.

وإذا حصل وأن تقدم دائن مرتهن آخر بطلب يرمي إلى تسجيل حقه على العقار أثناء سريان الأجل، يتعين على المحافظ أن يسجل أولا الرهن المؤجل الذي يأخذ رتبته بأثر رجعي أي ابتداء من يوم الإيداع، أما إذا انتهى أجل التسعين يوما دون أن يتقدم خلالها أي شخص بطلب تقييد حق له على ذلك العقار المرهون. فإن للدائن المرتهن الخيار إما أن يطلب من المحافظ التسجيل التام لحقه الذي لم يبق مضمونا لما قام به من إيداع المعتبر بمثابة اعتراض، وإما أن يسحب وثائقه وينتهي بذلك حق الرهن، لأن الرهن المؤجل لا يقبل التجديد بعد انقضاء أجل التسعين يوما (1).

والرهن الرسمي متى توافرت شروطه وثم تقييده في السجل العقاري رتب مجموعة من الآثار وقام حجة فيما بين المتعاقدين وفي مواجهة الغير حسن النية (2).

ومن بين أهم الآثار القانونية التي تترتب عن الرهن الرسمي في مواجهة المدين الراهن كون هذا الرهن لا ينقص شيئا من حق الملكية التي يتمتع بها، حيث يحتفظ بجميع السلطات التي يخولها له هذا الحق على عقاره. من تصرف وإدارة واستغلال، بشرط أن لا يترتب عن تصرفه هذا أي إضرار بحقوق الدائن المرتهن.

أما فيما يخص الدائن المرتهن فإن الرهن الرسمي يشكل خط الدفاع الثاني الذي يلجأ إليه للحصول على حقوقه من المدين المقترض في حالة عجزه عن الوفاء بالتزاماته، ومن أهم الآثار التي يرتبها الرهن الرسمي للدائن المرتهن نذكر حق الأولوية وحق التتبع.

(1) حليمة بن حفو : مرجع سابق، ص 174.

(2) أما بالنسبة للغير سيء النية الذي يعلم عند تسجيل الحق العيني على اسمه في السجل العقاري العيوب اللاحقة برسم من تلقى الحق عنه، فإن حجية التسجيل تتلاشى بالنسبة له. وبالتالي لا يستطيع أن يدرأ عن نفسه بطلان أو إبطال ما قيد بالرسم العقاري.

    أنظر بهذا الخصوص، حليمة بن حفو، مرجع سابق، ص 175.

 

فحق الأولوية هو الذي يعطي للدائن الضمانة الكفيلة باسترجاع دينه حين تعدد الدائنين لذا فإن الدائن غالبا ما يحرس على أن يكون الرهن المسجل لفائدته من الدرجة الأولى.

فالدائن المرتهن رهنا رسميا له أن يستوفي دينه من قيمة العقار المرهون قبل غيره من الدائنين وحتى إذا تعدد الدائنون المرتهنون رهنا رسميا فالأفضلية فيما بينهم تكون بأسبقية تسجيل رهنهم في السجل العقاري.

غير أن هناك استثناء لهذا الحق، أقرته المادة 1244 من ق ل ع، ويتعلق الأمر هنا بالدين الممتاز. فهذه المادة نصت على ما يلي :

" الدين الممتاز مقدم على كافة الديون الأخرى، ولو كانت مضمونة برهون   رسمية ".

أما حق التتبع فإنه يخول للدائن المرتهن تتبع العقار المرهون في أي يد انتقلت إليه وممارسة إجراءات التنفيذ في حقه على الرغم من انتقال ملكيته من يد المدين الراهن إلى يد الغير. وهذا الحق يعبر في حقيقة الأمر عن التكامل الذي يتميز به الرهن الرسمي من حيث الحقوق والواجبات التي يرتبها على كل من المدين الراهن والدائن المرتهن، ويعتبر في نفس الوقت قيدا على الحق الذي يتمتع به المدين من حرية التصرف في العقار المرهون.

وحتى يثبت هذا الحق للدائن المرتهن لابد من توافر شرطين اثنين إذ بدونهما لا يمكن أن يتبع العقار المرهون في يد من انتقل إليه.

أولهما أن يكون أجل دينه قد حل. إذ الحائز له أن يستفيد من الأجل الممنوح للمدين الراهن، وثانيهما أن يكون الدائن المرتهن قد قيد رهنه بالسجل العقاري طبقا للمقتضيات الجاري بها العمل، وأن يكون هذا القيد سابقا لتسجيل انتقال الملكية من المدين الراهن إلى الغير (1).

 

 (1) محمد فركت : مرجع سابق، ص 170.

 

ويبقى الرهن الرسمي منتجا لآثاره إلى أن يشطب عليه إما بمقتضى الاتفاق وهو ما يعرف بالتشطيب الاتفاقي، بناء على عقد الإبراء من الدين أو شهادة فك الرهن المسلمة من الدائن المرتهن بعد استيفاء جميع حقوقه المضمونة في عقد الرهن، وإما بموجب حكم قضائي وهو ما يطلق عليه بالتشطيب القضائي.

وعلى العموم وتأسيسا على ما سبق نلاحظ أن الرهن الرسمي يتصدر قائمة الضمانات العينية ويمثل واحدة من أفضل الصيغ التي تضمن القروض البنكية، نظرا لما يقدمه من ضمانات فعلية نتيجة لثبات أسعار العقار في السوق، وعدم تعرضها للتذبذب، حيث يصنف العقار بوجه عام ضمن خانة أحسن الضمانات المقبولة لدى البنوك.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هل مسطرة تحقيق الرهن الرسمي كمسطرة خاصة حققت الهدف المتوخى من وراء وجودها ؟ أم أنها لم تختلف عن غيرها من المساطر القضائية.

ثانيا : الصعوبات المرتبطة بمسطرة تحقيق الرهن الرسمي.

مما لا شك فيه أن مسطرة تحقيق الرهن الرسمي تعتبر من المساطر الطويلة والمعقدة والتي تستلزم إجراءات وشكليات معينة يترتب عن عدم احترامها بطلان هذه المسطرة.

ويتم اللجوء عادة إلى مسطرة تحقيق الرهن الرسمي عندما يحل أجل تسديد الدين ولا يبادر المدين إلى الوفاء بالدين الذي بذمته، وتهدف هذه المسطرة بصفة عامة إلى البيع الجبري للعقار المرهون واستخلاص الدائن لدينه كاملا أو ما تبقى منه بالأسبقية على باقي الدائنين العاديين، وإذا كانت هذه المسطرة تفتتح بتوجيه إنذار إلى المدين قصد منحه أجلا للأداء، فإن هذا الأخير قد يلجأ إلى بعض الوسائل الاحتيالية بهدف ربح بعض الوقت وإخراج المسطرة عن مسارها الطبيعي وبالتالي إدخالها في متاهات ومساطر في الموضوع قد تطول لعدة سنوات.

والصعوبات التي تعترض مسطرة تحقيق الرهن الرسمي عديدة ومتنوعة لكننا سنحاول التركيز على أهمها بدءا بالتبليغات ومرورا بالخبرة العقارية أو المحاسبية وانتهاء بدعوى البطلان.

 

1) على مستوى التبليغات :

يشكل تبليغ الإنذار العقاري (1) إحدى الصعوبات العملية التي تواجه مسطرة تحقيق الرهن الرسمي وذلك على اعتبار أن المدين وفي حالات كثيرة لا يكون متواجدا بالعنوان المضمن في عقد الرهن، حيث غالبا ما يرجع هذا الإنذار بملاحظة إغلاق المحل أو كونه غادره إلى مكان مجهول.

وبناء على هذا الطرح يكون تحقيق الرهن متعذرا بصفة دائمة مادام محل المدين مغلقا بل وعلى العكس من هذا تماما فإن الإغلاق أو عدم التوصل بالإنذار بطريقة إرادية من طرف المدين يجعله يتحكم في سير مسطرة التحقيق (2).

وفي هذا السياق تساءل بعض الفقه (3) عن إمكانية اللجوء لمسطرة التبليغ عن طريق القيم مادام أن غياب المدين سيحول دون إتمام إجراءات التنفيذ، وبالتالي يثار التساؤل حول إمكانية اللجوء إلى هذه المسطرة دون إتباع مساطر احترازية أخرى ؟

بالرجوع إلى قانون المسطرة المدنية، نجد المشرع المغربي قد أشار إلى مؤسسة القيم ضمن الفقرة الأخيرة من الفصل 39، وهي المتعلقة بالحالة التي يكون فيها تبليغ الاستدعاء للمدعى عليه متعذرا في موطنه أو في محل إقامته، كما نص أيضا على حالة أخرى لتنصيب القيم وهي المتعلقة بتبليغ الأحكام والقرارات وذلك ضمن المادة 54 من ق م م والتي تحيل على مقتضيات المادة 441 من نفس القانون وهي المادة التي تتضمن شكليات وإجراءات تبليغ الأحكام والقرارات إلى القيم.

إضافة إلى بعض المواد المنصوص عليها في بعض النصوص الخاصة مثل المادة 192 من ظهير 2 يونيو 1915 والمتعلقة بتخلي الغير الحائز عن ملك مرتهن. والمادة 46 من قانون نزع الملكية، وعلى العموم يمكن تعيين قيم كلما نص القانون على ذلك، على اعتبار  أن  مسطرة  القيم تطبق  أمام  المحاكم  الابتدائية  والإدارية والتجارية وأمام محكمة

 

(1) يعرف الإنذار العقاري بأنه إشعار يوجهه الدائن المرتهن إلى المدين الراهن بواسطة عون التبليغ يطالب فيه بأداء الدين المضمون بالرهن تحت طائلة نزع ملكية العقار المرهون وبيعه بالمزاد العلني لتسديد هذا الدين وفوائده ومصاريفه.

     راجع : محمد سلام  : مرجع سابق، ص 11.

(2) سعيد بريال : إشكالات تحقيق الضمانات البنكية، مرجع سابق، ص 306.

(3) عبد العزيز تريد : تحقيق الضمانات البنكية، مقال منشور بمجلة القسطاس، عدد 3،  2004، ص 48.

 

الاستئناف، كما تطبق أمام المجلس الأعلى ومرحلة الطعن بتعرض الغير الخارج عن الخصومة والطعن بإعادة النظر (1).

وتأسيسا على ما سبق نجد أن ق م م لم يشر إلى أي مقتضى قانوني يحيلنا على مؤسسة القيم في حال تعذر تبليغ الأوامر المبنية على طلب خاصة الإنذارات منها.

وعلى الرغم من سكوت المشرع المغربي عن هذا المقتضى فقد استقر رأي بعض الفقه (2) والعمل القضائي على سد هذه الثغرة وذلك بالسماح بتنصيب القيم عن المدين الراهن المجهول العنوان (وذلك حتى دون احترام الآجال والشكليات المنصوص عليها في المادة 441 ق م م) بواسطة أمر قضائي مبني على طلب، ويبقى لكتابة الضبط صلاحية إضفاء الصيغة التنفيذية على الأمر بمجرد تبليغه للقيم. ويجب التنبيه هنا إلى أن مجرد رجوع الإنذار بملاحظة عدم العثور على الشخص في موطنه أو بملاحظة أنه غائب لا يبرر تعيين قيم عنه، وإنما يوجب استدعاؤه بالبريد المضمون مع الإشعار بالتوصل، لأن عدم العثور عليه بالعنوان أثناء تنقل العون إليه لا يفيد أنه مجهول العنوان أو غير معروف، وإنما يفيد عدم وجوده في ذلك الوقت الذي انتقل إليه العون وهذا ما أقره المجلس الأعلى في قراره رقم 1854 بتاريخ 19/9/1990 الذي ورد فيه أن رجوع الاستدعاء بملاحظة – يتعين بيان العنوان – لا يبرر وجوب تعيين قيم (3).

ومن جهة أخرى نشير إلى أنه بعد تجاوز الدائن لهذه المرحلة وتخطي صعوبة تبليغ الإنذار العقاري ينتقل بعد ذلك إلى مرحلة الحجز التنفيذي العقاري، وما تثيره أيضا من صعوبات على مستوى التبليغ تؤثر على السير العادي والطبيعي لمسطرة الرهن الرسمي.

وعموما تبتدئ مرحلة الحجز التنفيذي العقاري بعد تبليغ المدين بالإنذار العقاري ومضي الأجل المحدد في الإنذار وعدم قيامه بالأداء داخل الأجل، ليتم بعد ذلك الشروع في إجراءات النزع الجبري للملكية وفي مقدمتها القيام بالحجز التنفيذي.

 (1) عبد اللطيف مشبال : مسطرة القيم في قانون المسطرة المدنية، مجلة المحاكم المغربية، عدد 70، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 29.

(2) عبد العزيز تريد : نفس المرجع السابق، ص 48.

(3) راجع بهذا الخصوص : إبراهيم بحماني : تنفيذ الأحكام العقارية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،  الطبعة الأولى 2001،   ص 65.

 

على أن هناك جانب من الفقه (1) اعتبر أن مضي الأجل المحدد في الإنذار دون قيام المدين بالوفاء يؤدي إلى تحول هذا الإنذار بصفة تلقائية إلى حجز تنفيذي عقاري، وهو الأمر الذي عارضه جانب آخر من الفقه (2) ارتأوا أنه لابد من القيام بإجراءات الحجز التنفيذي بالرغم من توجيه وتبليغ الإنذار العقاري. وأنه لا يمكن الاستغناء عن ذلك وهو ما يعني بأن الإنذار لا يتحول إلى حجز تنفيذي بالرغم من أنه يرتب بعض أثاره كغل يد المدين عن التصرف في العقار موضوع الإنذار.

وتفتتح إجراءات الحجز العقاري بانتقال عون التنفيذ إلى العقار المطلوب حجزه من أجل معاينته وتحرير محضر بالحجز العقاري يبين فيه موقع العقار ومساحته وحدوده ومرافقه وجميع الحقوق والالتزامات التي له والتي عليه. ويشير العون في محضره إلى حضور أو عدم حضور المدين المحجوز عليه أثناء عملية الحجز ليعمل في حالة تغيبه على تبليغه بهذا المحضر وذلك وفق ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 470 ق م م ثم يعمل بعد ذلك على تبليغ محضر الحجز إلى كل من المحافظ على الأملاك العقارية وإلى باقي الأطراف الذين يعنيهم الأمر كالمكتري وحائز العقار مثلا.

ثم يسهر على تسجيل هذا المحضر بالرسم العقاري (الفصل 207 من ظهير 2 يونيو 1915) ويتجلى الهدف من إيداع محضر كل من الإنذار والحجز العقاريين لدى المحافظ وتسجيلهما بالرسم العقاري إلى جانب منع المدين من التصرف في العقار هو تمكين العموم من الإحاطة والإطلاع على وضعية الرسم العقاري، وأيضا التهييئ لتسجيل محضر البيع بالمزاد العلني.

وبناء الإجراءات الشكلية الضرورية لذلك إذ لا يمكن تسجيل محضر البيع إذ لم يسبقه محضر الحجز وتسجيل هذا الأخير بدوره متوقف على تسجيل الإنذار العقاري.

 

(1) محمد فركت : الرهن الرسمي والإجراءات المسطرية، مرجع سابق، ص 177.

    محمد صبري : الأخطاء البنكية، مرجع سابق، ص 140.

(2) محمد سلام : مرجع سابق، ص 19.

 

غير أن هذه الإجراءات وفي كثير من الأحيان لا تسير وفق ما ابتغاه المشرع المغربي من مسطرة الرهن الرسمي، حيث تصطدم بدورها بمسالة تبليغ محضر الحجز التنفيذي إلى المدين الغائب عن عملية الحجز وفي حال تعذر ذلك يلجأ الدائن إلى مؤسسة القيم، مع ما يستتبع ذلك من بحث وآجال يصعب تحديد مدة إنجازها، تؤثر سلبا على السير العادي لهذه المسطرة.

وفي هذا السياق نجد الفصل 470 من ق م م ينص على وجوب تبليغ محضر الحجز للمنفذ عليه حال وقوع هذا الحجز في غيبته(1) وذلك وفقا لمقتضيات الفقرة الثالثة من الفصل 469 ق م م وهي الفقرة التي تحيل بدورها على الفصل 39  ق م م. وذلك حين تعذر التبليغ بالطريق العادي.

ولقد سبق وأن بينا الإشكال الذي يطرحه التبليغ عن طريق القيم وما قد يثيره من صعوبات على مستوى الإنذار العقاري، على أن الخاصية التي تميز تبليغ محضر الحجز عن تبليغ الإنذار تتمثل في وجود أساس قانوني صريح يحيل في حالة تعذر تبليغ محضر الحجز بالطريق العادي إلى اللجوء إلى مؤسسة القيم.

غير أن الإشكال الذي يطرح في هذا المجال يتمثل في كون الآجال المنصوص عليها في الفصل 39 لا تنسجم بتاتا مع الآجال المنصوص عليها في الفصول المنظمة للحجز التنفيذي والبيع الجبري بالمزاد العلني للعقار (2) وذلك على اعتبار أن مسطرة القيم تتطلب إجراء أبحاث يصعب تحديد مدة إنجازها.

ولقد سبق لمحكمة الاستئناف بالرباط أن صرحت في قرارها 777 في 22 يناير 1929 بأنه تعد صحيحة مسطرة الحجز العقاري المشتملة على تبليغ الإنذار والأحكام بالحجز إلى قيم المحجوز عليه المجهول العنوان (3).

 (1) تنص الفقرة الثانية من الفصل 470 على ما يلي :

   " إذا وقع الحجز في غيبة المنفذ عليه بلغ إليه ضمن الشروط المشار إليه في الفقرة الثالثة من الفصل 469".

(2) إبراهيم بحماني : تنفيذ الأحكام العقارية، مرجع سابق، ص 154.

(3) قرار محكمة الاستئناف بالرباط عدد 777. بتاريخ 22 يناير 1929، قرار وارد بمقال محمد فركت، مرجع سابق، ص 178.

 

ومؤسسة القيم بكتابة الضبط لا تهم إجراءات الحجز العقاري وحده، ولكنها حاضرة في جميع مراحل التقاضي وتنفيذ الأحكام والقرارات، وقد وجهت لهذه المؤسسة انتقادات كثيرة في مقدمتها أنها شكلية وقاصرة عن القيام بالهدف المتوخى منها وتتسبب في ضياع الحقوق والتحايل على القانون (1).

وعلى كل، فإن القيم المنصب عن المدين الراهن ينبغي أن يقوم بالبحث عن هذا الشخص بواسطة النيابة العامة والسلطات الإدارية، ويقدم جميع المعلومات المفيدة عنه، وعليه أن يخبر العون المكلف بالتنفيذ والقاضي الذي عينه عند العثور على الشخص المبحوث عنه.

ولقد اعتبر بعض الفقه (2) على أن التبليغ للقيم إذا كان العقار محفظا أو في طور التحفيظ يكفي فيه توجيه التبليغ إلى النيابة العامة طبقا لما ينص عليه الفصل 26 من القرار الوزيري المؤرخ في 3/6/1915 المتضمن لكيفية تطبيق ظهير 2 يونيو 1915، هذا الفصل الذي ينص على ما يلي :

" كل طالب وكل متدخل أو متعرض وكل شخص يطلب في اسمه القيام بتسجيل أو تقييد في السجلات العقارية. يجب عليه لزوما تعيين موظف للمخابرة بمقر المحافظة، إذا لم يكن موطنه الفعلي بدائرة المحافظة المذكورة، فإذا لم يقم بذلك فإن جميع الإعلامات والتبليغات توجه له إلى النيابة العامة ويكفي ذلك لاعتبارها صحيحة ".

وينبغي أخيرا التأكيد على أنه يمنع على المنفذ عليه بمجرد تبليغه بالحجز أن يقوم بأي تفويت في العقار أو إنشاء حق عيني أو شخصي لفائدته أو لفائدة الغير بعوض أو بدونه وذلك تحت طائلة البطلان.

وعلى العموم فإنه بعد تخطي الدائن لجميع الإجراءات السالفة الذكر وتجاوزه لكل الصعوبات التي تواجهه في سبيل تبليغ الإنذار العقاري والقيام بإجراءات الحجز التنفيذي العقاري وتبليغ محضره من جديد إلى المدين المحجوز عليه وإلى المحافظ على الأملاك العقارية، تأتي مرحلة بيع العقار بالمزاد العلني.

(1) محمد سلام : مرجع سابق، ص 22.

(2) إبراهيم بحماني : مرجع سابق، ص 154.

 

لكن وقبل الإقدام على هذا البيع يكون على الدائن القيام بعدة إجراءات ضرورية لإعداد العقار للبيع وفي مقدمتها ضبط وثائق ملكية العقار ووضعيته القانونية والواقعية وتحديد الثمن الأساسي لبيعه والذي غالبا ما يحدد عن طريق الخبرة القضائية.

ووضع دفتر التحملات الذي يحدد شروط البيع مع إشهاره في الأماكن بالوسائل المنصوص عليها قانونا، وأخيرا تبليغ واستدعاء الأطراف المعنية لحضور جلسة المزاد العلني.

إلا أن كل ما سبق ذكره يتعلق فقط بالجانب النظري أما على المستوى العلمي فإن الأمور لا تمر كذلك بحيث تثار بشأنها عدة صعوبات تحول دون تحقيق الهدف المتوخى من هذه المسطرة، وتبقى من بين أهم الصعوبات التي قد تواجه مسطرة تحقيق الرهن خلال هذه المرحلة نذكر مسألة الخبرة وما قد تفرزه من نزاعات تجر مسطرة الرهن الرسمي إلى متاهات وقضايا ثانوية لا تنتهي إلا بعد تدخل قضاء الموضوع للحسم فيها. الأمر الذي قد يؤخر هذه المسطرة ويوقف إجراءات التنفيذ لعدة سنوات وهو الأمر الذي سنعمل على تناوله من خلال الفقرة التالية.

2) على مستوى الخبرة القضائية :

<><> 

 

ترتبط الخبرة القضائية بدور القاضي في حسم النزاع وذلك عن طريق تعيين خبير معين في النازلة بحيث يعتبر عمل الخبير حاسما في المسائل الفنية والتقنية وهي تعتبر إحدى إجراءات التحقيق في الدعوى وقد نص المشرع المغربي عليها في الفصل 55 و59 من ق م م  (1).

ولقد عمد الفقه إلى التمييز بين الخبرة الودية أو غير الرسمية وهي التي تجري باتفاق بين الأطراف بدون أمر قضائي وبين الخبرة القضائية التي تأمر بها المحكمة وذلك للاستعانة برأي ذوي الاختصاص لتوضيح مسألة غامضة يحتاج فهمها إلى دراية علمية وفنية تخرج عن إطار تكوين القاضي.

(1) نص الفصل 59 من ق م م على ما يلي :

   "  إذا أمر القاضي بإجراء خبرة عين الخبير الذي يقوم بهذه المهمة تلقائيا أو باقتراح الأطراف واتفاقهم.

     ....

     يحدد القاضي النقط التي تجري الخبرة فيها في شكل أسئلة فنية لا علاقة لها مطلقا بالقانون ".

 

بيد أن الخبرة التي تعرفها مسطرة الرهن الرسمي تتعلق إما بالخبرة الحسابية والتي تثار بطلب من أحد الأطراف خاصة المدين الذي ينازع في أساس المديونية وقيمتها وإما الخبرة العقارية والتي تهدف إلى تحديد قيمة العقار وتعيين ثمن افتتاحي يعتمد كأساس لانطلاق البيع بالمزاد العلني.

أ – الخبرة المحاسبية :

يتم عادة اللجوء إلى الخبرة المحاسبية عند ما ينازع المدين في قيمة الدين المطالب به من طرف الدائن - والذي غالبا ما يكون مؤسسة ائتمان - أو يدعي بإن المبالغ المطالب بها غير مرتكزة على أساس أو أن الفوائد مبالغ فيها أو أنها قبضت مرتين.

ونظرا لما تعرفه العمليات البنكية من تعقيدات تتطلب كفاءة فنية وتقنية خاصة فإن المحكمة غالبا ما تعين خبيرا مختصا في هذا المجال يساعدها على الكشف عن حقيقة الدين المتنازع عليه. خصوصا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن معظم الأداءات في كثير من عمليات الائتمان تتم بواسطة اقتطاعات بنكية من وإلى حساب المدين.

ومعلوم أن المنازعة في المديونية أو في مقدار الدين يترتب عنه الأثر الموقف لإجراءات التنفيذ (1) وذلك إلى حين البث في موضوع النزاع وهو الأمر الذي يؤدي إلى عرقلة إجراءات التنفيذ وتعطيل مسطرة الرهن الرسمي، بحيث أن الخبرة قد تمتد لفترة طويلة تتعدى السنة والسنتين وخلالها يصادف الدائن المرتهن كل أوجه ووسائل المماطلة.

وفي هذا السياق نورد مثالا (2) عن حكم لابتدائية بركان بتاريخ 18/06/1993 علقت المحكمة خلاله إجراءات التنفيذ إلى حين البث في دعوى الموضوع بالمنازعة في الدين، والتي بدورها عرفت منحى معقدا من تعدد الخبرات المحاسبية تناقضت فيما بينها تناقضا شديدا.

(1) أيد المجلس الأعلى في قرار له بتاريخ 30/11/91 عدد 2773 الاتجاه القاضي بترتيب الأثر الموقف للدعوى حيث جاء فيه :

     يكون مقبولا ومنتجا طلب إيقاف إجراءات البيع العقاري للعقار المرهون، والمحجوز متى استند إلى وجود منازعة قضائية في المبالغ المطلوب تحصيلها عن طريق البيع.

     إن المنازعة في الصفة وفي مقدار الدين تشكل الأسباب الخطيرة والمبررة المنصوص عليها في الفصل 478 ق م م ).

    قرار وارد بمرجع محمد سلام. مرجع سابق، ص 70.

(2) مثال وارد بمقال سعيد بربال : إشكالات تحقيق الضمانات البنكية، مرجع سابق، ص 307 و 308.

 

حيث وفي معرض متابعة مسطرة تحقيق الرهن ابتداء من سنة 1993 من طرف البنك الدائن المرتهن جاء قرار السيد رئيس المحكمة الابتدائية بإيقاف مسطرة تحقيق الرهن وذلك في انتظار مآل دعوى المدين بالمنازعة في الدين. والتي من خلالها سبق أن أمر القاضي بإجراء خبرة محاسبية بتاريخ 28/03/1994 قضت بمديونية البنك اتجاه العميل بمبلغ قدره 15.000 درهم وذلك بسبب غياب وثائق البنك المحاسبية التي تثبت قيمة الدين. وبعد إجراء خبرة ثانية بطلب من الطرفين بتاريخ 30/06/1997 جاء تقرير الخبير ليؤكد مديونية البنك للعميل وبمبلغ قدره 950.000 درهم.

غير أنه وفي المرحلة الاستئنافية أمرت المحكمة من جديد بإجراء خبرة ثالثة بتاريخ 04/01/2000 جاء تقريرها مخالفا لتقارير الخبرات السابقة حيث أكدت مديونية العميل للبنك بمبلغ 1.123.866 درهم، مما دفع بالمحكمة وبطلب من الطرف المدين بإجراء خبرة مضادة إلى الأمر بخبرة حسابية جديدة أسندت لثلاث خبراء من مدينة الدار البيضاء فتراجعوا عن المهمة الموكولة إليهم لتسندها من جديد لثلاث خبراء جدد بدلهم من مدينة مكناس دون أن تحدد المدة المشمولة بالخبرة.

فهذا المثال يعد نموذجا خالصا يجسد حجم الصعوبات والعراقيل التي قد تعترض مسطرة تحقيق الرهن الرسمي بسبب الخبرة وتضارب تقارير الخبراء. مما قد يجعل من هذا الإجراء الذي وجد أساسا لمساعدة المحكمة على فهم واستيعاب بعض المسائل الفنية ذات الطبيعة التقنية سببا من الأسباب التي تنضاف إلى جملة المعوقات التي تؤخر تنفيذ الأحكام القضائية.

وعلى العموم فإذا كانت الخبرة الحسابية تعرقل مسطرة الرهن الرسمي فإن الخبير العقاري لا يشد عن هذه القاعدة، فالمحاكم عندما تلجأ لهذا الأخير من أجل تقويم الأملاك والعقارات التي تعين بيعها عن طريق المزاد العلني فإنه غالبا ما يحدد أثمانا افتتاحية جد عالية لا تتناسب والقيمة الحقيقية للعقار المراد بيعه، الأمر الذي يؤدي إلى عرقلة البيع وتعطيل المسطرة.

 

ب – الخبرة العقارية :

من الثابت في العرف البنكي أن البنك لا يقدم على منح أي قرض للعميل إلا بعد أن يتأكد من قيمة الضمانة وحجمها ومن أنها تفوق مبلغ القرض وتكفي لاسترداده مع فوائده ومصاريفه عند الاقتضاء.

          ولما كان العقار يعتبر من الناحية العملية من بين أحسن الضمانات المقبولة لدى البنوك نسبة لما يتمتع به من ثبات في الأسعار، فإن أغلب مؤسسات الائتمان أحدثت لجانا تقنية مختصة في دراسة وتقييم الضمانات المقدمة إليها من طرف عملائها.

وفي هذا السياق عمدت هذه اللجان على انتداب خبراء ومختصين في الشؤون العقارية لتحديد القيمة التجارية لأي عقار يقدم كضمان بنكي، ومن هنا يفترض أن جميع العقارات المرهونة إذا ما عرضت للبيع في إطار مسطرة تحقيق الرهن ستباع بأثمان تفوق مبلغ القرض مع تغطية فوائده ومصاريفه.

وتبقى الوسيلة المعتمدة لتقييم العقارات أثناء تحقيق مسطرة الرهن الرسمي هي اللجوء إلى خبرة يقوم بها خبير معتمد في هيئة الخبراء، يعمل على تحديد الثمن الافتتاحي لبيع العقار بالمزاد العلني، وذلك بعد قيامه بالانتقال إلى عين المكان ومعاينة  العقار المحجوز وتحديد موقعه ومساحته ومشمولاته.

وبعد أن تجتمع لدى الخبير كافة العناصر الكافية لتحديد الثمن الأساسي يقوم بإنجاز مهمته ويودع تقريرا مفصلا بكتابة الضبط يضم للملف التنفيذي يحدد فيه ثمن بيع العقار.

غير أن الإشكال الذي يطرح في هذا السياق يتمثل غالبا في كون الثمن المحدد من قبل الخبير للعقار المحجوز يكون مبالغا فيه بشكل كبير الأمر الذي يجعل من العقار موضوع السمسرة غير قابل للبيع إذ لا يتقدم أي متزايد للشراء مما يؤدي بدوره إلى المماطلة وتطويل المسطرة.

وفي هذه الحالة يلجأ الدائن إلى المطالبة بإجراء خبرة جديدة تكون ملائمة لسومة العقار مع الأخذ بعين الاعتبار ثمن السوق وهذا لا يزيد المسطرة إلا تعقيدا.

وفي الحالات التي انتدب فيها الخبراء لتخفيض الثمن الأساسي الأول يبدو واضحا بأن بعض الخبراء لا يعتمدون مقاييس موضوعية عند تحديدهم لثمن العقارات، فالعقار نفسه يحدد له الخبير ثمنا ويحدد له خبيرا آخر ثمنا يضاعفه عدة مرات، (ملف الحجز العقاري عدد 16 – 97 بابتدائية ابن امسيك سابقا) والذي حدد له خبير مبلغ مليوني درهم وحدد له خبير آخر مبلغ أربعة ملايين درهم في حين رفع خبير آخر الثمن إلى 15 مليون درهم (1).

وهو الأمر الذي يجعل من تقارير الخبرة تقارير نسبية لا ترتكز على أسس موضوعية ولا تتصف بالمصداقية والذي يؤكد هذا الطرح هو التناقض الذي تعرفه تقارير الخبرة في الملف الواحد، حيث أصبح من شبه المستحيل أن نجد توافقا وانسجاما لتقارير الخبرة حول ملف واحد. وهو الأمر الذي جعل من الخبراء هدفا لانتقادات عنيفة.

غير أننا بهذه الملاحظات على الخبرة والخبراء فإننا لا نريد بذلك استبعادها كوسيلة تستعين بها المحكمة عند الاقتضاء وإنما حاولنا فقط إبراز بعض النقاط السلبية التي تكتنف هذا الإجراء والتي تعرقل السير العادي والطبيعي لمسطرة الرهن الرسمي.

وبانتهاء إجراءات الخبرة وتحديد الثمن الأساسي يتم الانتقال إلى مرحلة  البيع بالمزاد العلني.

3) إيقاف إجراءات البيع بالمزاد العلني.

تعتبر مرحلة البيع بالمزاد العلني من أهم وأدق مراحل التنفيذ القضائي بصفة عامة، وذلك بالنظر إلى الآثار التي تنتج عن هذا البيع والتي تتمثل أساسا في تجريد المدين من ملكيته وتمكين الدائن من دينه.

ولا يمكن إيقاف إجراءات البيع بالمزاد العلني إلا إذا أقيمت دعوى موضوعية ترمي إما إلى  استحقاق العقار المحجوز (2) وهذه الدعوى يقيمها الأغيار أو ترمي إلى التصريح بإبطال إجراءات الحجز ويقيمها المدين أو من له مصلحة في ذلك.

ودعوى بطلان إجراءات الحجز العقاري إما أن تكون مبنية على وجود إخلالات شكلية في هذه الإجراءات وفي هذه الحالة يكون الهدف من الدعوى هو إعادة الإجراءات المعيبة، وإما أن تكون مبنية على أسباب جوهرية تنازع في أحقية الدائن في اللجوء إلى الحجز.

(1) محمد سلام : مرجع سابق، ص 30.

(2) وتسمى بدعوى الاستحقاق الفرعية لأنها متفرعة عن التنفيذ أولا وتمييزا لها عن دعوى الاستحقاق الأصلية، ثانيا وهذه الدعوى نادرة وذلك لأنه يصعب من الناحية القانونية تصور ادعاء شخص غير مسجل بالمحافظة العقارية في الرسم العقاري ويطالب باستحقاق ذلك العقار.

 

وفي جميع الأحوال تكمن الغاية من وراء إقامة هذه الدعوى في وقف إجراءات التنفيذ إلى حين البث في هذه الدعوى. وهي غاية مشروعة إذا كانت هذه الدعوى جدية ومبنية على أسباب وجيهة ولكنها قد لا تكون كذلك في حالات كثيرة عندما يتعلق الأمر بمجرد دعاوي كيدية يقيمها المدين سيء النية بهدف تأخير مسطرة تحقيق الرهن وبالتالي تأجيل البيع إلى وقت غير معلوم.

ولتحقيق التوازن بين حقوق الطرفين كان المشرع حكيما في الفصل 483 من  ق م م حيث رتب على مجرد إقامة دعوى البطلان أثرا موقفا لإجراءات التنفيذ ولكنه في نفس الوقت أعطى الصلاحية للمحكمة لتأمر بمواصلة التنفيذ عندما لا تكون الدعوى معززة بالوثائق التي يبدو منها أن الدعوى جدية.

غير أن الفصل المذكور شكل محل خلاف فقهي كبير على اعتبار أن هناك من ارتأى أن مجرد إقامة دعوى البطلان ترتب الأثر الموقف للتنفيذ وبصفة تلقائية وذلك إلى حين البث بحكم نهائي في موضوعها (1).

وفي مقابل هذا الاتجاه، ارتأى البعض الآخر بأن ترتيب الأثر الموقف لدعوى البطلان سيفتح الباب على مصراعيه لذوي النيات السيئة من المدينين، الذين سيقدمون على رفع هذه الدعاوى الكيدية في كل وقت وحين، الأمر الذي سيؤدي إلى عرقلة إجراءات التنفيذ وبالتالي إفراغ مسطرة الرهن الرسمي من محتواها، لذلك ينبغي عدم ترتيب أثر وقف مسطرة التنفيذ على مجرد إقامة دعوى البطلان (2).

وتجدر الإشارة إلى أنه إذا كان لدعوى البطلان أثر موقف لإجراءات التنفيذ، فإن هذا الأثر منحصر فقط في دعوى البطلان الأولى التي ترفع قبل المزاد العلني، أما بقية دعاوى البطلان الموالية لها. أو تلك التي لا تقام إلا بعد إرساء المزاد فلا يتصور أن يكون لها مثل هذا الأثر كالدعوى الرامية إلى إبطال السمسرة ولو كانت مبنية على أسباب سابقة تعود لما قبل إجراء المزاد (3).

(1) محمد فركت : مرجع سابق، ص 180.

(2) عبد الإله  أبو عباد الله : تعليق حول إيقاف إجراءات التنفيذ العقاري، مقال منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 53، ص 75.

(3) راجع بهذا الخصوص محمد سلام : مرجع سابق، ص 71.

 

 

المطلب الثاني :

المخاطر ذات الطبيعة التشغيلية.

<><> 

 

إذا كانت مخاطر القروض البنكية ذات طبيعة مركبة تختلف باختلاف مصدر الخطر ذاته فهذا يدل على أنها ليست من صنف أو طبيعة واحدة. بل لها صور وأصناف متعددة. وفي هذا الإطار تعتبر المخاطر ذات الطبيعة التشغيلية الحلقة الثانية من المخاطر التي ترافق عمليات الإقراض البنكي وتتمثل بالأساس في مخاطر سعر الفائدة البنكية ( الفقرة الثانية ) والمخاطر القانونية ( الفقرة الأولى).

الفقرة الأولى : المخاطر القانونية للقروض البنكية.

يشكل الخطر القانوني أحد أهم المخاطر التي تتعرض لها مؤسسات الائتمان وهي بصدد مزاولة أنشطتها الائتمانية بمختلف صورها، والتي يندرج ضمنها بطبيعة الحال عقد القرض البنكي باعتباره من أبسط صور الائتمان.

ومهما يكن نوع القرض فإنه قبل كل شيء عقد يربط بين البنك والعميل، وكسائر العقود الأخرى فإن عدم تنفيذ الالتزام أو التنفيذ المعيب له يرتب المسؤولية المدنية للمخل بالالتزام.

هذا وإذا كان نطاق الخطر القانوني محصور بالأساس في المسؤولية بصفة عامة بجميع أوجهها، فإن موضوع البحث يحتم علينا التركيز على المسؤولية المدنية للبنك وهو بصدد منح وإيقاف القروض، لذا فإننا قبل الخوض في نطاق الخطر القانوني (ثانيا) فإننا سنحاول بداية إعطاء صورة أولية عن ماهية هذا الخطر (أولا).

أولا : ماهية الخطر القانوني :

إذا كان مصطلح المخاطر القانونية من بين المصطلحات الحديثة التي بدأت تستعمل مؤخرا بكثرة إن على المستوى القانوني أو الاقتصادي، فإنه مقابل هذا الاستعمال لا نجد أي

 

 

 تعريف محدد ودقيق لمثل هذا النوع من الخطر (1) وهذا إن دل على شيء فإنما يدل في حقيقة الأمر على مدى غموض هذا المصطلح في حد ذاته.

خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار كون المنشور رقم 40/G/2007 لم يقم هو الآخر بوضع تعريف محدد لهذا النوع من الخطر، بل اكتفى فقط بالتنصيص عليه ضمن المادة 77 من المنشور كأحد المخاطر التي تندرج ضمن فئة مخاطر التشغيل، حيث نصت هذه المادة على ما يلي :

" يقصد بمخاطر التشغيل مخاطر الخسارة الناجمة عن وجود قصور أو عيوب تعزى إلى المساطر أو المستخدمين أو الأنظمة الداخلية أو أحداث خارجية ويتضمن هذا التعريف الخطر القانوني ... ".

فما يلاحظ بخصوص هذه المادة أنها قامت بتعريف مخاطر التشغيل، وجاءت في نهاية هذا التعريف لتنص على كون الخطر القانوني يندرج ضمن هذا التعريف وذلك دون تحديد دقيق لماهيته ومضمونه، وبالتالي فإن هذه المادة اعتبرت الخطر القانوني جزء من مخاطر التشغيل، وهو نفس التوجه الذي اعتمدته لجنة بال الثانية بشأن الرقابة البنكية وذلك حينما اعتبرت المخاطر القانونية جزء من مخاطر التشغيل، وهو أيضا نفس التوجه الذي سار عليه مجموعة من الباحثين (2) الذين اعتبروا أن مخاطر التشغيل ليست بالأساس مخاطر تخص النشاط المالي فحسب لمؤسسات الائتمان، وإنما تتجاوزه إلى أمور أخرى وذلك على عكس باقي أنواع المخاطر.

فنشأة مخاطر التشغيل قد تعزى إلى قصور في المساطر أو الأنظمة أو المستخدمين، الأمر الذي يجعل من هذا الخطر ذا طبيعة معقدة وذلك نظرا لتعدد مصادره.

وطالما أن هنالك عددا من المصادر التي تنشأ منها مخاطر التشغيل فإنه يتعين التعامل مع هذه المخاطر بطرق مختلفة، وعلى وجه التحديد فالمخاطر التي مصدرها العاملون تحتاج

 (1) Frank Verdun : La Gestion des risques juridiques. Edition d’organisation groupe Eyrolles . 2006,     P 4.

(2) Christian Servais : Gestion des risques dans les banques. RAROC. 2007, www.Busnessdecision.fr   / 66 gestion – des – risques – dans – les – banques – raroc. HTM.

 

 

إلى إدارة فاعلة ورصد وتحكم، وهذه بدورها تحتاج إلى قيام إجراءات عمل كافية، على أن العنصر المهم للتحكم في مخاطر التشغيل يكمن في الفصل الواضح في المسؤوليات (1).

وإذا كان الخطر القانوني من بين مخاطر التشغيل فإن بعض الفقه (2) قد ربط بين نشأة هذا الخطر وبين عدم وضع العقود المالية موضع التنفيذ، أي أنه يرتبط بالنظام الأساسي للمؤسسة والتشريعات والأوامر الرقابية التي تحكم الإلتزام بالعقود والصفقات.

في حين ربط بعض الفقه (3) بين تعريف الخطر القانوني وبين الآثار السلبية التي يمكن أن تنتج عنه، حيث اعتبروا الخطر القانوني حالة أو حدث تترتب عنه الآثار التالية :

1) إثارة المسؤولية المدنية أو الجنائية.

2) تحمل خسائر ناتجة عن عدم تنفيذ العقود.

3) التعرض لخسائر نتيجة تغيير في القوانين والتشريعات المطبقة.

فما يلاحظ بخصوص هذا التعريف أنه ركز على الآثار المترتبة عن الخطر القانوني أكثر من تعريف هذا الخطر في حد ذاته، لتبقى الدورية السابقة لوالي بنك المغرب رقم 6 – السابق الإشارة إليها – والمتعلقة بالمراقبة الداخلية لمؤسسات الائتمان الوحيدة من نوعها التي قامت بتعريف هذا الخطر، حيث جاء في المادة 66 من هذه الدورية ما يلي :

Le risque juridique s’entend comme le risque de survenance de litiges susceptibles d’engager le responsabilité de l’établissement de crédit du fait d’imprécision. Le lacunes ou d’insuffisances dans les contrats et autres actes de nature juridique le liant à des tiers.

فهذه المادة عرفت الخطر القانوني بكونه خطر حدوث نزاع قابل لإثارة مسؤولية مؤسسة الائتمان بسبب عدم الدقة أو الغموض الذي قد يشوب تحرير العقود، أو باقي التصرفات ذات الطبيعة القانونية في مواجهة الأغيار.

(1) طارق الله خان : حبيب أحمد، إدارة المخاطر، مرجع سابق، ص 45 – 46.

(2) طارق الله خان : حبيب أحمد، نفس المرجع السابق، ص 32.

(3) رمضان الشراح – تركي الشمري – محمد العسكر : البنوك التجارية، مرجع سابق، ص 270.

 

فباستثناء هذا التعريف الذي حاول حصر نطاق الخطر القانوني في المسؤولية بصفة عامة، فإننا نجد أنفسنا أمام خطر غامض قابل للتفسير والتأويل إلى عدة آراء وتعاريف مختلفة.

وبناء على ما سبق يمكن لنا تعريف الخطر القانوني بكونه ذلك الخطر الذي يرتب مسؤولية مؤسسة الائتمان نتيجة تقصيرها في تنفيذ العقود أو إخلالها بواجب قانوني عام يفرضه عليها القانون.

لنخلص في الأخير إلى أن الخطر القانوني هو خطر يرتب المسؤولية المدنية للأبناك نتيجة عدم قيامها بتنفيذ التزاماتها أو التنفيذ المعيب لها كالإنهاء التعسفي لبعض العقود المبرمة في هذا الإطار بينها وبين عملائها وذلك دون سبب وجيه أو قانوني يبرر هذا التصرف من جانبها.

وعليه فإن نطاق الخطر القانوني ينحصر في إثارة المسؤولية المدنية للمؤسسة البنكية عن القطع التعسفي لعقد القرض البنكي أو عن قيامها بإقراض مقاولات أو مؤسسات تجارية لا تتوفر فيها الشروط المطلوبة للحصول على الائتمان، وهذا ما سنعمل على تحديده في الفقرة الموالية.

ثانيا : نطاق الخطر القانوني في القروض البنكية :

بعد تحديد ماهية الخطر القانوني وحصر نطاقه في المسؤولية المدنية بصفة عامة، فإننا سنعمل خلال هذه الفقرة على التركيز على المسؤولية المدنية للأبناك وهي بصدد منح وإيقاف القروض لعملائها باعتبارها المسؤولية الأكثر إثارة للعديد من التساؤلات.

بداية نشير إلى أن لجوء بعض المقاولات إلى الأبناك من أجل الاقتراض أو الاستدانة  يكون إما بسبب حاجتها إلى التمويل من أجل إنشاء مشاريع جديدة أو توسيع أخرى قائمة، وإما كخيار أخير تلجأ إليه هذه المقاولات من أجل تغطية جزء من ديونها وتكاليفها وذلك حتى تستطيع الاستمرار في نشاطها ولو لفترة من الزمن.

والغريب في الأمر أن مثل هذه المقاولات التي تعاني من صعوبات تستطيع إقناع الأبناك بمدها بما تحتاج إليه من قروض رغم حالتها المستعصية، الأمر الذي قد يرتب مسؤولية البنك التقصيرية في مواجهة الأغيار.

وذلك على اعتبار أن طبيعة المسؤولية المدنية للبنك تختلف وذلك باختلاف المتضرر وكذا باختلاف نوع الخطأ الذي ارتكبه البنك، حيث نكون أمام مسؤولية عقدية متى كان المتضرر طرفا في العقد ووقع الإخلال بالتزام عقدي، في حين نكون أمام مسؤولية تقصيرية متى كان المتضرر غيرا عن العقد ووقع الإخلال بالتزام قانوني عام (1).

وعمليا يلاحظ أنه إذا كانت الحاجة إلى البنك تعوز المقاولة وهي في حالة السلامة والظروف مواتية فإن هذه الحاجة يصبح إشباعها مسألة أساسية إذا ما ظهرت الأزمات التي يتزعزع معها التوازن المالي، والذي قد يصل إلى حد عدم قدرتها على سداد الديون المستحقة عليها عند الحلول (2).

وهو الأمر الذي يجعل تعامل البنك مع هذه المقاولة يعرضه لخطر المساءلة المدنية بشقيها التقصيرية والعقدية، على اعتبار أنه مسؤول عن كل نشاط يمارسه بل عن كل موقف يتخذه اتجاهها وذلك عندما تلجأ إليه لمساعدتها على اجتياز الصعوبات التي تعترضها، حيث يكون البنك أمام خيارين.

* الخيار الأول : لا يمكنه أن يضع حدا للائتمان الممنوح أو أن يخفض من قيمته عندما تصبح وضعية المقاولة غير صحيحة (مسؤولية عقدية).

* الخيار الثاني : هو عكس الخيار الأول حيث تكون الوضعية المالية للمقاولة غير جديرة بالائتمان، وبالتالي لا يمكن أن يقدم لها أي دعم مالي وذلك تفاديا للإطالة المصطنعة لحياتها التجارية وتجنبا لتعطيل فتح مسطرة التسوية أو التصفية القضائية في مواجهتها، ومع ذلك فإنه يقوم بإقراضها وتمويلها الأمر الذي يؤدي إلى الإضرار بحقوق الدائنين وذلك عن طريق الزيادة في الخصوم وتقليص الأصول (مسؤولية تقصيرية).

(1) A L’égard de ses clients la responsabilité serait contractuelle. En effet tout opération effectué par le banquier pour son client suppose naturellement à la base une relation contractuelle.

      Et a l’égard des tiers, la responsabilité du banquier deviendrait quasi délictuelle.

      Voir . Abdelhak. NACIRI. Bennani : La responsabilité du banquier dans l’octroi du crédit aux entreprises en difficulté en droit marocaine, thèse pour doctorat en droit (mention droit privé), université de perpignan. 7 juillet 2001. P 13 et 14.

(2) مينة حربى : موقف البنك من تمويل المقاولة التي تعترضها صعوبات مالية، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص. وحدة قانون التجارة والأعمال. جامعة محمد الخامس، السويسي، الرباط، السنة الجامعية 2003 – 2004. ص 4 وما بعدها.

 

أمام هذا الطرح يبرز الإشكال الذي يقع فيه البنك، فهو من جهة يعمل على تلبية حاجيات عملائه ومساعدتهم عندما تعترضهم صعوبات وفي نفس الوقت يكون ملزما بتوخي قواعد الحيطة والحذر أثناء توزيعه للائتمان.

وهكذا فإننا سنتناول أولا مسؤولية البنك العقدية وهو بصدد إيقاف أقساط القرض المستحقة للعميل المستفيد منها، ثم ننتقل بعد ذلك للحديث عن المسؤولية التقصيرية للبنك في مواجهة الأغيار وهو بصدد إقراض مقاولة في وضعية صعبة.

1) مسؤولية البنك العقدية عن الإنهاء التعسفي لعقد القرض البنكي.

إذا كانت علاقة المقاولة بالبنك علاقة وطيدة ومستمرة (1) حيث لا يمكن لأحدهما الاستغناء عن الآخر، نظرا للدور المتبادل الذي تلعبه كل منهما في تنشيط الاقتصاد وخلق مشاريع جديدة تساهم في التنمية الاقتصادية، فإن هذه العلاقة غالبا ما يشوبها بعض التوتر نتيجة تعرض المقاولة لبعض الصعوبات المالية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل البنك يقدم على قطع علاقته بالمقاولة وبالتالي رفض تزويدها بباقي أقساط القرض.

وفي هذا الصدد يتبادر إلى ذهننا سؤال حول أحقية البنك في إيقاف تنفيذ عقد القرض الذي يربطه بالمقاولة وذلك حينما تعاني هذه الأخيرة من صعوبات مالية، أو بعبارة أخرى متى يكون البنك محقا في قطع علاقته بالمقاولة وذلك دون ترتيب لمسؤوليته العقدية .

مما لاشك فيه أن إقدام البنك على فسخ عقد القرض الذي يربطه بعميله من جانب واحد وبصورة تعسفية يرتب مسؤوليته العقدية وذلك باعتباره الطرف المدين بالالتزام، خاصة إذا ما تسبب للمقاولة بأضرار نتيجة لهذا الفسخ التعسفي (2).

 

(1) تبدأ هذه العلاقة منذ طور التأسيس، حيث ألزم المشرع المغربي المقاولة بأن تودع المبالغ المستخلصة نقديا للاكتتاب في رأسمالها في حساب بنكي خاص يفتح لهذا الغرض، انظر المادة 22 من القانون 17.95 المتعلق بشركات المساهمة. والفقرة الأخيرة من المادة 51 من القانون 5.96 وذلك فيما يخص الشركة ذات المسؤولية المحدودة.

(2) نقصد بالفسخ التعسفي هنا الفسخ الذي يقدم عليه البنك، وذلك دون وجود أسباب مشروعة تلزمه بذلك، على اعتبار أن عقد القرض من العقود التي تقوم على الاعتبار الشخصي، ومن مثل هذه الأسباب، وفاة المستفيد، انعدام أهليته، صدور حكم جنائي ضده أو ارتكابه خطأ جسيم في حق البنك.

 

وهو ما يستفاد من نازلة في الموضوع تتلخص وقائعها في أن أحد المستثمرين الأجانب أبرم عقد قرض بقيمة خمسة ملايين درهم مع مؤسسة بنكية من أجل إنجاز مشروع سياحي بمدينة مراكش مقابل رهنه لها عقاراته بهذه المدينة، إلا أن البنك نفذ جزئيا فقط العقد المبرم بينه وبين هذا المستثمر وذلك بذريعة أنه بعد دراسة المشروع تبين له أن المبلغ المطلوب مبالغ فيه، وأن تمويلا في حدود مليوني درهم كاف لإنجاز المشروع، فقضت المحكمة بمسؤولية البنك المدنية . وقد جاء في حيثيات هذا القرار الصادر بتاريخ 1998/05/28 ما يلي.

" وحيث إن البنك لم ينفذ ما التزم به إلا في حدود مليوني درهم بعلة أنه تبين له بعد دراسة المشروع أن ما يطلبه – المستأنف عليه – مبالغ فيه وأنه قد وافق على مبلغ مليوني درهم حين توقيعه على أداء الأقساط .

وحيث إن ما يدعيه البنك لا يستقيم مع طبيعة عمله كبنك له دراية واسعة في ميدان الأعمال التجارية، فلا يعقل أن يوافق على مبلغ القرض ويقوم المقترض برهن عقاراته لفائدة البنك ثم بعد ذلك يشرع في دراسة المشروع وهل يستحق مبلغ القرض أم لا ؟

وحيث يتجلى مما ذكر أن البنك قد أخل بالتزاماته اتجاه المستأنف عليه، وأن ما قضى به الحكم المستأنف بخصوص تنفيذ عقد القرض كان في محله.

وحيث أنه نظرا للأضرار التي لحقت بالمستأنف عليه والتي تتجلى في عدم استفادته من مبلغ القرض كله، الشيء الذي نتج عنه عدم إنجازه لمشروعه في وقته، وتحمله لفوائد مرتفعة كل ذلك يستحق عنه تعويضا " (1).

ولقد سارت محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء على نفس المنوال وذلك حينما اعتبرت في قرار صادر لها بتاريخ 4/7/2006 بين شركة القرض الفلاحي للمغرب وبين شركة مطاحن عين السبع.

أن هذه الأخيرة تستحق تعويضا وقدره خمسة ملايين درهم، وذلك من جراء إخلال الطاعن (شركة القرض الفلاحي للمغرب) بالتزاماته التعاقدية. حيث جاء في إحدى حيثيات المحكمة ما يلي :

(1) قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بالبيضاء بتاريخ 28.5.98 بشان ثلاث ملفات مضمومة عدد 365.6 - 97 و 97 – 4024 و 1005.98 (غير منشور).

" فالثابت قانونا أن التعويض يكون بقدر الأضرار المباشرة المترتبة عن الإخلال وأن اعتماد الخبير على رقم المعاملات وتقديرات الربح الإجمالي لمدة ست سنوات على نسبة 8% جاء مبالغا فيه وأن الخسائر الحقيقية التي لحقت شركة مطاحن عين السبع هي المبالغ التي صرفتها وكانت مخصصة لتسيير الشركة وإعادة هيكلتها الشيء الذي جعلها غير قادرة على سداد ديونها بالخارج والتي التزمت بها انطلاقا من عقد القرض التوطيدي. والذي تقدره المحكمة اعتبارا من كل ما ذكر في مبلغ 5.000.000 درهم.

لذلك فإن الطاعن أخل بالتزاماته بخصوص تنفيذ بنود عقد الاستثمار وأن إخلاله ألحق ضررا بالمستأنف عليها يتمثل في اعتمادها على تمويلها الذاتي في إنجاز المشروع على حساب مصاريف الاستغلال " (1).

بل إن الاجتهاد القضائي المغربي قد ذهب إلى أبعد من ذلك حينما اعتبر أن عدم تنفيذ البنك المقرض لالتزامه كاملا في مواجهة المقترض لا يخوله التنفيذ على الضمانات العينية التي وضعها هذا الأخير كضمانة لفائدة البنك.

حيث جاء في إحدى تعليلات هذه المحكمة :

" وحيث إن موضوع الطلب هو الحكم بصحة تعرض المستأنف عليه على الإنذار الذي توصل به بصفته كفيلا عينيا لشركة سيفوم المقترضة.

وحيث إن الثابت من أوراق الملف والخبرة المنجزة أن المستأنف تعهد والتزم وفق عقد القرض المدلى به بتمويل المشروع في حدود دين يبلغ 2.300.000 درهم.

وحيث إن المقرض لم يؤد منه في أجله إلا 1.656.000 درهم.

وحيث إن عدم أداء جميع الدين وفق المتفق عليه لا يعطي الحق للدائن المطالبة بغير المستحق والحال أنه لم يصرف منه إلا ما ذكر.

وحيث إن الشركة لما لم تستفد من كامل الدين لم تستطع مسايرة المصاريف، ثم تحللها من التزاماتها اتجاه المقرضين، وعدم تنفيذ البنك التزاماته لا يمكن إلا وصفه عنصرا تسبب في خلل ميزانية الشركة لا تتحمل وزره.

(1) قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 4/7/2006 تحت رقم 3695 / 2006. رقمه بمحكمة الاستئناف التجارية 4317/2002/6 (غير منشور).

 

وحيث والحالة هذه لا يمكن فعلا لمن يعتبر نفسه دائنا مطالبة مدينه بتنفيذ التزامه دون أن يكون هو أدى أو عرض ما عليه في أجله " (1).

فمن خلال هذه القرارات وغيرها يتضح لنا أن القضاء المغربي يسير في اتجاه إقرار مسؤولية البنك العقدية وذلك حين إخلاله ببنود وشروط العقد الذي يربطه مع عملائه، خاصة وأن عدم تنفيذ العقد من جهة البنك يتسبب للمستفيد من القرض بعدة أضرار مادية ومعنوية.

وهو نفس الاتجاه الذي سار عليه حكم صادر عن محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتاريخ 95/4/27 حيث جاء في إحدى تعليلات المحكمة بهذا الخصوص.

" حيث إنه إضافة لذلك فإن المستأنفة التي تدعي عدم موافقة المجلس الإداري على منح القرض للمستأنف ضدها لم تدل بما يفيد إشعار المستأنف ضدها بذلك الرفض.

وحيث يبقى بذلك الخطأ ثابتا والمتمثل في عدم وضع مبلغ القرض بحساب المستأنف ضدها رغم تعهدها بذلك بمقتضى العقد، ورجوع الشيكات المدفوعة من طرف المستأنف ضدها بدون أداء، وأن ذلك من شأنه أن يؤدي لحرمان هذه الأخيرة من السيولة المالية التي تمكنها من تنفيذ التزاماتها في حدود المبلغ المقترض وبالتالي يبقى البنك مسؤولا عن الأضرارالتي لحقت بالمستأنف ضدها نتيجة عدم احترام البنك لالتزاماته " (2).

لنخلص في الأخير إلى كون عدم قيام البنك بتنفيذ التزامه في مواجهة عميله يعرضه لخطر قانوني يرتب مسؤوليته العقدية والتي يترتب عنها في حالة ثبوت خطأ البنك تعويض العميل المقترض عن الأضرار التي لحقت به من جراء إخلال البنك بالتزامه، ولا يمكن للبنك في مثل هذه الحالات، التستر وراء تبريرات واهية وذلك باعتباره مهني وحرفي على إطلاع دائم  بكل صغيرة وكبيرة، ومثل ذلك الدفع مثلا بكون المشروع على حافة الإفلاس أو الانهيار بدعوى أن باقي مصادر التمويل الأخرى قد ثم الإخلال بها في تمويل المشروع، أو كون قيمة مساهمته بالنسبة للمبلغ الإجمالي للمشروع ككل لا تصل بأي حال من الأحوال إلى مستوى يكون فيه مبلغ القرض الممنوح من طرفها يشكل خطرا جسيما على سير المشروع بالنظر إلى نسبته بالمقارنة مع القيمة الإجمالية للمشروع.

(1) قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 03/06/2004 رقم 953/1/2002 منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 101 – مارس أبريل 2006، مطبعة فضالة المحمدية، ص 132.

(2) قرار صادر عن محكمة الاستئناف عدد 95.329 بتاريخ 1995/4/27، أشارت إليه الباحثة مينى حربي في المرجع السابق،      ص 36.

 

وهو الاتجاه الذي سار عليه قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 20/12/2005 تحت رقم 794/2002 بين شركة سيفوم وبين البنك الوطني للإنماء الاقتصادي والبنك المغربي للتجارة الخارجية والصندوق المركزي للضمان (1).

هذا القرار من الأهمية بما كان باعتباره رد جميع دفوعات الأبناك والتي توقفت عن تمويل المشروع بدعوى توقف الشركة عن أداء أقساط القرض المستحقة عليها، حيث جاء في إحدى تعليلات المحكمة ما يلي :

" وحيث إن من الثابت من وثائق الملف أن إنذارات متعددة بعثت بها الشركة للبنكين مطالبة إياهما بأداء باقي المستحقات من القرضين اللذين سبق للبنكين أن وافقا عليهما وبدأ في تنفيذهما.

وحيث إن الالتزام بتمويل المشروع المتجسد بعقدي القرض يسبق الالتزام بأداء الأقساط المتبقية عن القرض وحيث إن الثابت من النسخة المستخرجة من السجل التجاري للشركة أن القائمين عليها نفذوا الالتزام المتعلق بالزيادة في الرأسمال كما أدلوا بشهادات مفادها أن شراكة تمت بينهم وبين فعاليات اقتصادية أجنبية، وحيث إنه بذلك يكون الالتزام الملقى على عاتق الشركة من تمويل وشروط ذاتية قد ثم احترامه.

وحيث إن مطالبة الأبناك بأداء الأقساط دون إثبات الإفراج عن القرض وبشكل وفق المتفق عليه وداخل الآجال المحددة يجعل البنك مرتكبا لخطئ مهني.

وحيث إن تمسك البنك بأن المشروع ولد ميتا لا يمكن الاعتداد به مادام البنكان قد منحا قروضا وبغض النظر عن الوثائق المدلى بها بالملف.

وحيث يتعين لذلك وبعد إلغاء الحكم فيما قضى به من رفض الطلب المضاد. الحكم من جديد بأداء البنكين تضامنا في غياب ما يفيد مسؤولية كل طرف بشكل مستقل عن الآخر، بالتعويض لفائدة الشركة مبلغا محددا في 25.522.000,000 درهم ".

هذا الحكم الذي كرس مسؤولية البنكين العقدية في مواجهة الشركة وحكم ضدهما بتعويض  تضامني  فيما  بينهما  يرسخ الدور الذي يلعبه القضاء في مساءلة الأبناك كمهنيين

 

(1) قرار صادر عن محكمة الاستئناف التجارية بتاريخ 20/12/2005 تحت عدد 794/2002، منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 101. مارس أبريل 2006، مطبعة فضالة المحمدية، ص 141.

عن الأخطاء التي يرتكبونها في حق عملائهم، وذلك على الرغم من غياب أية مقتضيات خاصة تؤطر علاقة الأبناك بعملائها فيما يخص المسؤولية، وهو ما يدل على قصور تشريعي في مجال النشاط البنكي نتمنى أن يتدخل المشرع لسده خاصة في مجال منح الائتمان الذي يعد الأداة الفعالة في كل معاملة تجارية.

ونود الإشارة في هذا السياق إلى كون إيقاف البنك تعامله مع المقاولة قد لا يكون لأسباب واهية وذلك على اعتبار أن عقد القرض من العقود التي تقوم على الاعتبار الشخصي، وبالتالي فإن وقوع أية مستجدات على الوضعية المالية والاقتصادية للمقترض قد تجعل البنك مسؤولا اتجاه الأغيار عن استمراره في تمويل هذه المقاولة، وبالتالي إعطائها صورة وهمية عن وضعها الاقتصادي والمالي. فهل توقف البنك عن تزويد المقاولة بالأقساط المالية نتيجة تدهور الوضع المالي للمقاولة هو أمر مبرر قانونا مع العلم أنها لم تتخلف عن السداد ؟ (1) خاصة إذا علمنا أن المقاولة قد تعاقدت مع البنك وهي في وضعية جيدة وأن ما تمر به من صعوبات لا يعدوا أن يكون مجرد أمر عابر.

بالرجوع إلى الفصول المنظمة لعقد القرض في إطار قانون الالتزامات والعقود نجد أن المشرع المغربي قد خول للمقرض حق حبس الشيء المقترض وذلك في الحالة التي تسوء فيها أحوال المقترض، وذلك بموجب المادة 863 من ق ل ع والتي جاء فيها :

" غير أن للمقرض الحق في أن يحبس بين يديه الشيء المقترض إذا كانت أحوال المقترض قد ساءت منذ العقد بحيث يتوقع ضياع مال القرض كله أو بعضه. ويثبت له هذا الحق في الحبس ولو كان سوء حالة المقترض يرجع إلى وقت سابق على العقد، إذا لم يطلع عليه المقرض إلا بعده ".

فحسب مقتضيات هذا الفصل فإن البنك يكون له حق حبس أموال القرض التي بين يديه وذلك عندما تسوء أحوال المقترض، بشكل يجعل المقرض يتوقع ضياع مال القرض كله  أو  بعضه  وهو  الأمر  الذي  يطرح أكثر من تساؤل، وذلك على اعتبار أن سوء أحوال

 

(1) حيث تلجأ الأبناك في كثير من الأحيان إلى إدراج شرط فاسخ في عقد القرض، يخولها إنهاء هذا العقد بإرادة منفردة ودون إشعار، وذلك في الحالة التي يتخلف فيها العميل عن سداد قسط من أقساط الدين، وهو الأمر الذي يخولها التوقف عن تقديم الدفعات المستحقة عليها، واسترجاع المبالغ التي سبق وأن دفعتها وكذا مبلغ الفوائد التي نتجت عنها والعمولة عن الخدمات المقدمة.

المقترض هي من المفردات العامة التي لا يمكن من خلالها الاستدلال على كون أموال البنك معرضة للضياع وأن اعتماد البنك على هذه المادة من أجل إيقاف أقساط القرض قد تكون فيه محاباة للمقترض الذي هو في غالب الأحيان مقاولة تجارية تتأثر بتغيرات السوق وتتعرض بين الفينة والأخرى لمجموعة من الصعوبات.

وبالتالي هل يمكن اعتبار هذه العبارة والتي جاءت في سياق تاريخي معين لم تعد تفي بالمطلوب خاصة في ظل تعديل معظم تشريعات بداية القرن العشرين.

بداية نشير إلى أن التعديل الذي عرفه قانون التجارة المغربي (ظهير 12 غشت 1913) بمدونة التجارة لسنة 1996 كان من بين أسبابه هو عدم ملائمة قانون الإفلاس المعمول به آنذاك لوضعية المقاولة كخلية اقتصادية واجتماعية، حيث سعى القانون الجديد إلى تكريس حماية فعالة للمقاولة التي تعاني من صعوبات وذلك عبر عدة آليات قانونية تبتدئ بمساطر المعالجة وتنتهي بمسطرة التصفية القضائية، وهذا ما جعل المشرع المغربي يعيد النظر في السبب الموجب لفتح مسطرة التصفية القضائية في وجه المقاولة  ولا يأذن بها إلا إذا تبين أن وضعية هذه الأخيرة مختلة بشكل لا رجعة فيه.

وبالتالي فإن اعتماد الأبناك على سوء أحوال المقترض كأساس قانوني يبرر إيقاف تنفيذ عقد القرض لا يتماشى والأهداف المسطرة من قبل المشرع المغربي في ظل جل القوانين الصادرة حديثا. والتي غالبا ما تسير في اتجاه دعم نشاط المقاولة وذلك باعتبارها خلية اقتصادية واجتماعية، وعليه فإننا نرى ضرورة تعويض العبارة الواردة بالفصل 863 من ق ل ع بعبارة أدق منها تعمل على الحفاظ على حقوق البنك كمؤسسة ائتمان وتخول في نفس الوقت للمقترض فرصة الاستمرار في نشاطه رغم الصعوبات الوقتية التي قد تواجهه.

ومن مثل هذه العبارات نذكر العبارة الواردة في الفصل 525 من مدونة التجارة والتي جاء فيها ما يلي : " ...

سواء كان الاعتماد مفتوحا لمدة معينة أو غير معينة فإنه يمكن للمؤسسة البنكية قفل الاعتماد بدون أجل، في حالة توقف بين للمستفيد عن الدفع ".

بل ولم لا السير في الاتجاه الذي أقرته محكمة النقض الفرنسية في بعض قراراتها حينما اعتبرت أن شرط عدم قابلية الوضع المالي للمستفيد من الإصلاح بالمرة [ والذي تعلق المادة 60 من القانون البنكي الفرنسي لـ 24 يناير 1984 على وجوده تخويل الحق للبنك في إنهاء عقد فتح الاعتماد دون مهلة إشعار ولو كان محدد المدة] لا يعتبر متوافرا في حالة افتتاح مسطرة التقويم القضائي وإخضاع المقاولة المعنية بالأمر لفترة الملاحظة، حيث عللت المحكمة موقفها كما يلي :

" حيث إن المقاولة لا يمكن اعتبارها والحالة هذه في وضعية مالية غير قابلة للتقويم بالمرة مادام أن فترة الملاحظة تفتح بالأساس لتشخيصها ولمعرفة ما إذا كانت هناك إمكانية لاستمرارها أم لا. وأن مجرد التوقف عن الدفع لا يكفي وحده لاعتبار وضعية المقاولة التي يعنيها الأمر غير قابلة للإصلاح بالمرة ".

هذا الاتجاه القضائي يرى بعض الفقه المغربي (1) وجوب الأخذ به. وذلك في ظل غياب اجتهاد قضائي مغربي بهذا الخصوص.

وتجدر الإشارة في نهاية هذه الفقرة أن القضاء المغربي رد في عدة قضايا عرضت عليه في هذا الموضوع مسؤولية البنك لعدم ثبوت عناصرها بكاملها أو لعدم تمكن المدعي من إثبات الضرر وعلاقته السببية بخطأ البنك.

2) مسؤولية البنك التقصيرية عن إقراض مقاولة في وضعية صعبة.

إلى وقت قريب كان الأثر الوحيد لمسؤولية البنك ينحصر في إمكانية خسارة جزء من مبلغ الائتمان أو كله في حالة خطئه في تقدير مدى يسر المدين وملاءة ذمته. وفي حالة إفلاسه فإن الجزاء الذي يهدد البنك كان يتمثل في ضياع الضمانة التي تغطي دينه إذا ما ثم التعاقد بشأنها داخل فترة الريبة ولم يكن أحد يقول بأن الخطأ في منح الائتمان من طرف البنك قد يعرضه للمسؤولية في مواجهة الغير (2).

فمسؤولية البنك اتجاه الأغيار تخضع لأحكام المسؤولية التقصيرية التي ينظمها الفصل 77 وما يليه من قانون الالتزامات والعقود. وذلك طبعا في ظل غياب قواعد خاصة تنظم المسؤولية البنكية بصفة عامة. وتنتج هذه المسؤولية بالأساس نتيجة للأخطاء التي يرتكبها البنك عند تعامله مع مؤسسة على وشك التوقف عن الدفع.

(1) امحمد لفروجي : القانون البنكي المغربي وحماية حقوق الزبناء، أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في القانون الخاص، جامعة الحسن الثاني الدار البيضاء، السنة الجامعية 1996 – 1997، ص 256 – 257.

(2) محمد بوطالب : منح وإيقاف القروض، مقال منشور في العمل القضائي وتطورات القطاع البنكي بالمغرب، الندوة الثالثة للعمل القضائي والبنكي ، مطبعة الأمنية، الرباط، 1993، ص 313.

فإذا كانت عملية الائتمان تنطوي في حد ذاتها على مخاطر، فقد تزداد هذه المخاطر لما يتعامل البنك مع مقاولة تمر من وضعية صعبة أو هي على وشك التوقف عن الدفع (1) فيكون في هذه الحالة قد ركب مخاطر غير عادية ويمكن أن يعاب عليه أنه بمنحه قرضا لهذا النوع من الشركات يكون قد أسهم في تمديد حياتها بشكل يضر بمصالح الدائنين ويؤدي أيضا إلى تأخير اللجوء إلى مساطر الإفلاس أو التسوية أو التصفية القضائية، بحيث يكون من شأن تصرف البنك هذا إعطاء المقاولة حالة صورية أو ظاهرية خادعة تؤدي إلى تكاثر عدد الدائنين ضحايا هذه الوضعية (2).

على أن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو : أليس من المثير أن نجد البنك مكبلا بواجبين متنافرين أحدهما يقضي بوجوب مساعدة عملائه على تجاوز الصعوبات المؤقتة التي تواجههم. والثاني يقضي بمساءلته من قبل الأغيار عن مده يد المساعدة لعميله. وذلك بمنحه تمويلا ساهم في خلق صورة وهمية للوضعية الاقتصادية والمالية لهذه    المقاولة ؟

أمام هذين الخيارين يطرح الإشكال حول مدى إمكانية وضع قواعد تساعد البنك على تبني موقف معين يكون هو السليم يقيه سيف المسؤولية من جهة ويجنبه في نفس الوقت مخاطر التمويل والائتمان. وبالتالي تسطر للمؤسسات البنكية كيفية التعامل مع مقاولة تعرف صعوبات مالية بمختلف درجاتها (3).

بداية يجب أن نميز بين إقراض البنك لمقاولة تمر من صعوبات مالية ومقاولة متوقفة تماما عن الدفع، على اعتبار أن الصعوبات التي تعترض المقاولة وتؤثر على وضعيتها الاقتصادية والمالية تختلف درجتها وحدتها وبالتالي تأثيرها على استمرارية الاستغلال.

 

(1) محمد صبري : الائتمان البنكي مسؤولية البنك المدنية عند تجاوز أذون الاعتمادات، المطبعة والوراقة الوطنية، الطبعة الأولى، 2001، ص 113.

(2) السعدية بلمير : الصعوبات التي تطرأ على الشركات ودور البنوك، العمل القضائي وتطورات القطاع البنكي بالمغرب، الندوة الثالثة للعمل القضائي والبنكي ، مطبعة الأمنية، الرباط، 1993، ص 346.

(3) مينة حربى : موقف البنك من تمويل المقاولة التي تعترضها صعوبات مالية، مرجع سابق، ص 5

 

فيمكن أن تكون الوضعية المالية والاقتصادية للمقاولة سيئة دون أن تكون ميئوس منها. فهناك مقاولات تشبه الإنسان. يمكن أن تعاني من مرض دائم دون أن يظهر. وللتمييز فيما بينهم يمكن الاعتماد على معيار بسيط وهو معيار التوقف عن الدفع. وهذا ما عبر عنه بعض الفقه الفرنسي (1) كما يلي :

« Mais la situation peut être mauvaise sans être désespérée, Il en est des entreprises comme des êtres humains, on peut souffrir d’un maladie chronique sans être mari ban, le tri se fais en fonction d’un critère simple, celui de la cessation des paiements ».

فهذه الصعوبات التي تعاني منها المقاولة دون أن تؤدي إلى توقفها عن الدفع نص عليها المشرع المغربي في المادة 546 من مدونة التجارة حيث عبر عنها بمفهوم الوقائع التي من شأنها الإخلال باستمرارية الاستغلال. وعلى الرغم من غموض هذه العبارة وعدم دقتها فقد مثل بعض الفقه (2) المغربي لمثل هذه الوقائع والصعوبات التي من شأنها الإخلال باستمرارية الاستغلال في سوء التسيير وضعف مستوى تكوين الأطر أو عند طلب تجديد أو تأخير تواريخ الاستحقاق. أو في حالة عدم أداء الواجبات الضريبية واشتراكات الضمان الاجتماعي.

ويبقى للبنك باعتباره مؤسسة تجارية لها من الوسائل والتقنيات ما تساعده على اتخاذ القرار السليم حول الوضعية الحقيقية للمقاولة. وما إذا كان بالإمكان تمويل هذه المقاولة وإنعاشها وذلك دون تعريض نفسه لخطر المساءلة المدنية.

فإذا كانت المقاولة في وضعية صعبة لكن غير ميؤوس منها لأسباب عديدة، فإن تدارك هذه الصعوبات ممكن عن طريق مدها بدعم مالي على شكل ائتمان شريطة أن يساهم في إخراجها من هذه الأزمة العابرة. وبالتالي فإن ذلك لا يعتبر من قبيل إطالة حياتها الاقتصادية التي يسأل عنها البنك قبل الأغيار (3) ولكن حينما يكون مبلغ القرض أو الائتمان

 

 (1) GOZIAN (Maurice) & VIANDER (Alain) : « droit des société », 7ème édition Litek 1994. P 159.

(2) أحمد شكري السباعي : الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات التي تعترض المقاولة ومساطر معالجتها، دراسة معمقة في قانون التجارة المغربي الجديد والقانون المقارن، الجزء الثاني، الرباط، دار النشر المعرفة 1998 – 2000، ص 186.

(3) محمد صبري : الائتمان البنكي، مسؤولية البنك المدنية عند تجاوز أذون الاعتمادات، مرجع سابق، ص 110.

 

سواء بالنظر إلى مبلغه أو بالنظر إلى نوعه ومدته أو بالنظر إلى الشروط التي أبرم بها لا يستطيع إنقاذ المقاولة، حيث لا يكون والحالة هذه إلا تمديدا لفترة احتضارها (1) فإن البنك يكون مسؤولا اتجاه الأغيار عن الأضرار التي تسبب لهم فيها على اعتبار أن الخطأ هنا مرتبط بالغير المخدوع بمظهر مالي ومرتبط بوضعية ساهم البنكي في خلقها بدعم لم يكن الهدف منه مساعدة المقاولة المدينة على الإقلاع وتحسين مكانتها ضمن دائرة نشاطها الاقتصادي أو دعمها ماديا من أجل الخروج من وضعية مالية غير مريحة، بقدر ما كانت الغاية منه هو إعطاؤها الوسائل الناجعة للاحتيال على الغير (2).

ويبقى خطأ البنكي في هذه الحالة قائما باعتباره ساهم في تمديد الحياة التجارية للمقاولة بشكل مصطنع وذلك عبر تصرفه الغير الحذر، على اعتبار أن القانون ألزمه بواجب الاستعلام حول وضعية عميله قبل الإقدام على التعامل معه (3).

وهذا ما نصت عليه المادة الأولى من منشور والي بنك المغرب رقم  41/G/2007 والمتعلق بواجب اليقظة المفروض على مؤسسات الائتمان حيث جاء في هذه المادة ما يلي : " يجب على مؤسسات الائتمان وضع الإجراءات الضرورية التي تمكنها من :

* تحديد هوية عملائها ومعرفتهم بشكل معمق.

* القيام بتتبع ومراقبة العمليات التي ينجزها العملاء ولاسيما تلك التي تشكل درجة كبيرة من المخاطر.

* حفظ وتحيين الوثائق المتعلقة بالعملاء وبالعمليات التي يقومون بها ويجب على مؤسسات الائتمان أيضا تحسيس مستخدميها وتكوينهم في ما يخص تقنيات رصد العمليات ذات الطابع غير الاعتيادي أو المشبوه والوقاية منها ".

 

(1) هشام العماري : مريم اضريبين : مسؤولية البنك عن عملية الائتمان، مجلة الإشعاع، عدد 30 – 31 2006، ص 96.

(2) محمد صبري : الأخطاء البنكية، مرجع سابق، ص 290.

(3) BECHIR BENHADJ YAHIA : La responsabilité du banquier dispensateur de crédit. Publication du centre d’Etudes juridiques et judiciaires 2000, P 21.

 

لذلك فإن القضاء الفرنسي ذهب إلى التشدد في إقرار واجب الاستعلام، حيث افترض في البنك قرينة العلم. فلم يكتف بالمعلومات المتوفرة لديه فعلا فحسب، بل حاسبه بما كان يتعين عليه أن يعلمه، وهنا تجدر الإشارة إلى الموقف الذي اتخذته محكمة النقض الفرنسية في إحدى قراراتها، حيث قضت بقيام مسؤولية البنك المعني بالأمر، للخطأ الذي وقع فيه المسيرون الذين طلبوا باسمها ائتمانا بنكيا بالرغم من أنها توجد في وضعية مالية صعبة لا رجعة    فيها (1).

ويبقى دور القضاء جد حاسم في مثل هذه المنازعات حيث يجب على القاضي المعروض عليه نزاعا من مثل هذا النوع تقدير مدى سلامة قرار البنك من تمويل هذه المقاولة وذلك ليس بالنظر إلى نتيجة تدخل البنك ولكن بالنظر إلى الاحتمال الذي كان سائدا قبيل تنفيذ عملية الائتمان، وهذا ما سار عليه اجتهاد لمحكمة النقض الفرنسية حينما حملت البنك المسؤولية المدنية رغم قدرة المدين المقترض على السداد. وذلك بسبب تراجع البنك عن الأخذ بنتائج دراسة كان قد  قام بها حول عميله المدين. حيث إن البنك لم يلتزم بنتائج تلك الدراسة (2) .

وعلى الرغم من كل ما سبق يجب الاعتراف بصعوبة موقف القضاء من تحديد مدى سلامة قرار مؤسسة الائتمان من مسألة تمويل مقاولة تمر بصعوبات مؤقتة. وتبقى المنهجية الأكثر استعمالا من طرف القاضي في مثل هذه المواقف تكمن في المقارنة بين موقف هذا البنك من مسألة التمويل والموقف الذي سيتخذه أي بنك آخر في نفس الوضعية (3).

وعلى العموم فإنه في مجال النشاط البنكي، فإن الخطأ يتحدد على ضوء نقصان في واجب أو إخلال بالتزام سابق، طالما أنه ليس هناك تحديد مسبق لأنواع الخطأ الذي قد يرتكبه البنك عند ممارسته لنشاطه بصفة عامة وفيما يخص أنشطته الائتمانية             بصفة   خاصة (4) وهو  نفس  الاتجاه  الذي  أكدته  محكمة  النقض الفرنسية في قرار صادر

(1) cour de cassation Française : Arrêt commercial 20 – 7 – 1980. bulletin 1998, P 317.

(2) Cass. Com2. Mai 1983 – Dalloz. 1984, informations rapides, 1989. Observation vasseur.

قرار وارد بمؤلف راضية بن صالح : مسؤولية الصيرفي، منشورات مركز الدراسات القانونية والقضائية بوزارة العدل، 2000،   ص 28.

(3) Bechir Ben HADJ YAHIA : La responsabilité du banquier, op cit, P 22.

(4) Rives Lange (Jean – Louis) : « Droit bancaire » 6ème édition, 1995, Dalloz, Delta, P 601.

 

بتاريخ 28 – 11 – 1960 جاء في بعض حيثياته : " وإن كان ليس من الضروري وضع قائمة بمختلف أنواع الخطأ الذي قد يرتكبه البنكي، فإنه وبالمقابل من الضروري معرفة الواجبات التي تطوق البنكي، وهكذا فإن الخطأ يتحدد على ضوء نقصان في واجب أو إخلال بالتزام سابق " (1).

وعلى العموم فإنه إذا كان الأمر كذلك حينما يقوم البنك بإقراض مقاولة تمر بصعوبات مالية واقتصادية فإن الوضع يختلف عن ذلك حينما يتعامل البنك مع مقاولة متوقفة عن الدفع. وذلك على اعتبار أن إثارة مسؤولية البنك عن دعمه لمقاولة في حالة صعبة تطرح بحدة قبل فتح مسطرة الوقاية أو المعالجة في وجهها لأن تصرف البنك في هذه الحالة يكون بناء على تقديره وحده دون غيره، وبذلك عليه أن يزيد في الاحتياط والاستعلام حول وضعية المقاولة وما إذا كان وضعها قابلا للإصلاح أو مختلا بشكل لا رجعة فيه. أما بعد فتح المساطر الجماعية وحيث يكون تدخل المحكمة جلي بشكل كبير مما يسمح للبنك بدفع المسؤولية عنه. خاصة في الحالة التي يمنح فيها الائتمان بناء على طلب من المصالح (2).

وهو نفس الطرح الذي تبناه بعض الفقه المغربي (3) حينما اعتبر أن تدخل البنك لتمويل مقاولة تخضع لمخطط الإصلاح أو التقويم لا يمكن اعتباره بمثابة خطأ يرتب مسؤولية البنك التقصيرية وذلك على الرغم من كون هذا التمويل لم يحقق الهدف المنشود منه . وذلك نظرا لكون البنك في هذه الحالة يستطيع دفع المسؤولية عنه أمام الأغيار بعلة أن توقف المقاولة عن الدفع يعبر صراحة عن وضعيتها المالية وأن تدخل البنك في هذه الحالة لم يكن سوى بهدف مساعدتها على تجاوز الصعوبات التي تعاني منها وأنه بذلك لا يساهم بأي شكل من الأشكال في خلق صورة وهمية عن وضعية هذه المقاولة تدفع الغير للتعامل معها إضافة  إلى  أن  تدخل  البنك  عادة  ما يكون  بعد تدخل المحكمة التي غالبا ما تعين مصالحا

(1) قرار لمحكمة النقض الفرنسية بتاريخ 28 – 11 – 1960 وارد بمقال صقلي حسيني محمد : المسؤولية المدنية للبنك (في مراجعة المتعاقد أو الغير) في الندوة الثالثة للعمل القضائي والبنكي ، مطبعة الأمنية الرباط، 1993، ص 404.

(2) مينة حربى : موقف البنك من تمويل المقاولة التي تعترضها صعوبات مالية، مرجع سابق، ص 70.

(3) NACIRI – BENANNI – ABDELHAK : La responsabilité du banquier dans l’octroi du crédit aux entreprise en difficulté en droit marocaine, op cit, P 220.

 

(عندما تكون وضعية المقاولة قابلة للتصحيح) يعمل على التوفيق بين مصالح الدائنين ومصالح المقاولة قصد إنجاز وإبرام اتفاق التسوية الودية (1). وبالتالي فإنه في هذه الحالة يصعب إثارة مسؤولية البنك باعتباره ساهم في خلق صورة وهمية عن وضعية المقاولة دفعت بالغير للتعامل معها على هذا الأساس.

وتأسيسا على ما سبق فإنه إذا رفض رئيس المحكمة تعيين المصالح، فالبنك ملزم بالتأكد من أسباب هذا الرفض، لأنه يدل على أن وضعية المقاولة في حالة مستعصية تمثل واقعة التوقف عن الدفع وبالتالي على البنك أن يمتنع عن منح الائتمان الجديد، وإلا فإن مسؤوليته تكون مؤكدة في حالة المخالفة.

وفي الأخير نود الإشارة إلى عنصر أساسي لتحقق مسؤولية البنك اتجاه الأغيار ألا وهو عنصر الضرر. باعتباره يشكل الركن الثاني من أركان المسؤولية، فلا يكفي لإثارة مسؤولية البنك وقوع خطأ من جانب هذا الأخير بل يتعين أن يترتب عنه ضرر للغير، وإلا ما استطاع هؤلاء المطالبة بالتعويض نظرا لغياب مصلحتهم في الإدعاء.

والضرر هنا يتمثل في إنقاص الضمان العام لهؤلاء الدائنين بسبب تخفيض أصول المدين والرفع من خصومه، ولتحديد الضرر الذي لحق بالغير وعلاقته بخطأ البنكي فإن الأمر يقتضي منا التمييز بين الضرر الجماعي الذي لحق الدائنين بصفة عامة والضرر الفردي الذي أصاب كل دائن على حدة.

فالضرر الفردي هو ذلك الضرر الشخصي اللاحق بكل دائن والذي يرمي إلى إصلاحه وجنيه لثمار الدعوى لوحده باعتبار هذا الضرر متميز عن الضرر الجماعي (2).

أما الضرر الجماعي فهو ذلك الضرر الذي يتسم بالعمومية والذي لا يمكن أن يلحق بدائن دون آخر وإن اختلف حجمه بالنسبة لكل واحد من الدائنين باعتباره أدى في نهاية المطاف إلى نقص في أصول مدينهم والزيادة في خصومه.

 

(1) أنظر بهذا الخصوص : أحمد شكري السباعي : الوسيط في مساطر الوقاية من الصعوبات ومعالجتها، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 263.

(2) صقلي حسيني : المسؤولية المدنية للبنك، مرجع سابق، ص 406.

 

وعليه فإن الضرر الفردي ضرر شخصي ينفرد به دائن دون غيره، أما الضرر الجماعي فهو عام يصيب كتلة الدائنين مجتمعة. ويترتب عن هذا التمييز بين الضرر الفردي والضرر الجماعي عدة آثار تطرح أكثر من إشكال يبقى أهمها هو تحديد من له الحق في ممارسة دعوى التعويض ضد البنك عند خضوع المقاولة للمساطر الجماعية ؟

بداية نشير إلى أنه إذا كان الضرر الفردي لا يثير أي إشكال فيما يخص صفة المدعي طالب التعويض. فإن الأمر يختلف حينما يتعلق الأمر بالضرر الجماعي الذي يصيب الدائنين عند خضوع المقاولة لمسطرة التصفية القضائية. حيث يثار التساؤل حول من يكون له الحق في تمثيل الدائنين في هذه الحالة ؟

يجيبنا على هذا التساؤل نص المادة 619 من مدونة التجارة والتي جاء فيها :

" يؤدي الحكم القاضي بالتصفية القضائية إلى تخلي المدين بقوة القانون عن تسيير أمواله والتصرف فيها وحتى تلك التي امتلكها بأي وجه من الوجوه مادامت التصفية القضائية لم تقفل بعد. يقوم السنديك بممارسة حقوق المدين وإقامة دعاوى بشأن ذمته المالية طيلة فترة التصفية القضائية ".

فهذا النص صريح في منح السنديك وحده صلاحية الإدعاء لحساب المقاولة طيلة فترة التصفية القضائية للمطالبة بتعويض الأضرار التي لحقتها نتيجة السلوك الخاطئ للبنك. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو هل يحق للسنديك التقاضي باسم الدائنين في دعاويهم ضد البنك ؟

بالرجوع إلى نص المادة 642 من مدونة التجارة نجدها تنص على   أنه :  " للسنديك وحده الصفة للتصرف باسم الدائنين ولفائدتهم " فهذا النص صريح في تكريس أحقية السنديك في تمثيل الدائنين والتصرف لفائدتهم، غير أن مجال تطبيقه ينحصر في علاقة هؤلاء الدائنين بمدينهم. أما فيما يخص علاقتهم بالبنك فإن الأمر يختلف عن ذلك، على اعتبار أن هذا الأخير هو غير بالنسبة لهم. وبالتالي هل يمكن القول بأن لكل دائن الحق في رفع دعوى فردية ضد البنك. مع ما يترتب عن ذلك من تعدد للدعاوى المرفوعة ضد هذا الأخير، الأمر الذي قد يترتب عنه صدور أحكام متعارضة .

لذا فإننا نرى وبهدف اختصار الوقت وتوفير النفقات واقتصاد في الإجراءات تخويل السنديك حق تمثيل الدائنين في دعواهم ضد البنك. وذلك كلما كان الضرر الذي أصابهم يصطبغ بصبغة جماعية باعتباره نتاج للضرر الذي لحق بمدينهم.

وذلك مراعاة لمبدأ المساواة بين الدائنين في حقوقهم اتجاه المدين الخاضع لمسطرة المعالجة (1) لكن هذا لا يعني أن الأموال التي ستعود لذمة هذه المقاولة ستقسم على الدائنين بالتساوي لأن الضرر ولو كان جماعيا فإن وقعه يختلف، فلا يمكن مقارنة الدائن الذي نشأت دائنيته قبل منح الائتمان للمقاولة المدينة مع الدائن الذي نشأ دينه بعد منح الائتمان وربما بسببه لأنه اعتقد بملاءتها نتيجة للثقة التي وضعها البنك فيها (2).

على أن الأمر يدق أكثر حينما يكون البنك المطالب بالتعويض دائنا من بين دائني المقاولة، حيث يتصف البنك في هذه الحالة بصفتين تجعل منه مدعي باعتباره من دائني هذه المقاولة ومدعى عليه باعتباره المسؤول عن الضرر الذي لحق بالدائنين.

اتجهت محكمة النقض الفرنسية في قرار صادر لها بتاريخ 6 يناير 1976 (وهو القرار المعرف بقرار لاروش) نحو الاعتراف بصفة السنديك في تمثيل الدائنين لإثارة مسؤولية البنك. ولو كان هذا الأخير عضوا في جماعة الدائنين، إذ يمكن رجوع السنديك على مديري المقاولة المفتوح في وجهها مسطرة المعالجة لتحميلهم بكل أو بعض خصومها رغم أن هؤلاء المديرين يدخلون في جماعة الدائنين عندما يتقدمون بما لهم قبل الشركة من ديون وأجور (3).

لكن في ظل إلغاء قواعد الإفلاس وتعديلها بقواعد التقويم والتصفية القضائية ابتداء من  تاريخ 25 يناير 1985 طرح  التساؤل  من  جديد حول إمكانية السنديك الإدعاء لحساب

 

(1) نميز هنا بين نوعين من الدائنين :

    الدائنون السابقون للقرض : ويتمثل الضرر اللاحق بهم في تقلص أكثر للضمان العائد لهم والذي هو أصول الزبون المقترض، ذلك أن القرض الذي منحه البنك لهذا الأخير من غير تبصر ولا حسن تدبير سيجعله يستفيد من قروض جديدة من شركات أخرى تموله بالسلع أو الخدمات لأنها في هذه الحالة ستعتمد على مظهره الخارجي وعلى اليسر الذي يبديه في الاستجابة لبعض المصاريف لتزوده بالمزيد من سلعها أو خدماتها. فالضرر اللاحق بالأغيار الدائنين يعادل الفرق الذي كان سيحصل عليه هؤلاء الدائنون في التفليسة لو أن تصفية المال حصلت بتاريخ سابق لمنح القرض.

    * الدائنون اللاحقون للقرض : وهؤلاء يمكنهم التظلم بسبب تعاقدهم مع مقترض مظهره الخارجي يوحي باليسر نتيجة قروض حصل عليها، أما ضررهم فيوازي الفرق بين مبلغ ديونهم وما حصلوا عليه في التفليسة في إطار تصفية أموال المقترض عامة.

    أنظر : محمد صبري : الائتمان البنكي، مسؤولية البنك المدنية عند تجاوز أذون الاعتمادات، مرجع سابق، ص 178.

(2) مينة حربى : مرجع سابق، ص 96.

(3) مينة حربى : مرجع سابق، ص 95.

 

الدائنين كما هو الشأن في ظل القانون القديم وذلك رغم إلغاء فكرة كتلة الدائنين (1) التي ارتكز عليها الحكم السابق في تخويل السنديك صفة تمثيل الدائنين.

بالرجوع إلى نص المادة 46 من قانون 25 يناير 1985 الفرنسي والذي هو صورة طبق الأصل للمادة 642 من مدونة التجارة نجده يخول السنديك وحده الصفة للتصرف باسم الدائنين ولفائدتهم، وبالتالي فإنه يمكن أن نجد في هذا النص السند القانوني لتبرير حق السنديك في تمثيل الدائنين والإدعاء لفائدتهم ضد البنك. متى كان هذا الأخير دائنا من بين الدائنين، وذلك تفاديا لكثرة الإجراءات والمساطر التي ستؤدي لا محالة إلى تعقيد مهام القضاء عند الحكم بالتعويض.

وأمام غياب تطبيق قضائي مغربي في هذا الباب كنا نأمل أن يأتي قانون 34.03 بالجديد فيما يخص هذا الموضوع. إلا أن الأمر كان على عكس ذلك حيث لم يتناول القانون البنكي الجديد أية مقتضيات تتناول علاقة مؤسسات الائتمان بالمقاولة التي تمر بأزمات مالية واقتصادية، حيث كان على المشرع المغربي تخصيص أو إفراد مقتضيات قانونية خاصة بهذا النوع من المقاولات فيما يخص علاقتها بمؤسسات الائتمان. وذلك دعما منه للمقاولة كخلية اقتصادية واجتماعية تساهم في التنمية الاقتصادية وتكريسا لحق  البنك في التعامل مع هذا النوع من المقاولات دون الخوف من تعرضه لمخاطر قانونية هو في غنى عنها، الأمر الذي سيؤدي لا محالة إلى خلق نوع من التوازن بين طرفي هذه العلاقة.

الفقرة الثانية : مخاطر سعر الفائدة البنكية.

<><> 

 

من بين التقنينات المتعارف عليها والمعمول بها في القطاع البنكي أن البنك لا يعتمد في منح الائتمان لعملائه على مجرد أمواله الذاتية، وإنما يعمل في قيامه بهذا الشق من نشاطه الرئيسي على استخدام الأموال المودعة لديه من قبل المودعين. بل الأكثر من ذلك أن البنك غالبا ما يلجأ إلى المؤسسات المالية الأجنبية أو الوطنية ليقترض منها ما يحتاجه من أموال للاستجابة إلى طلبات الاقتراض التي يتقدم بها إليه عملاؤه من أجل تمويل مشاريعهم ومختلف عملياتهم.

(1) مينة  حربى : نفس المرجع السابق، ص 95.

 

وكما هو معلوم فإن لجوء البنك إلى استعمال ودائع العملاء في عملياته الائتمانية وكذا لجوئه بهذا الخصوص إلى الاقتراض من بنك المغرب أو المؤسسات الوطنية أو الأجنبية لا يكون بالمجان، إذ أن البنك المعني بالأمر يؤدي في مقابل ذلك فوائد عن أموال العملاء المودعة في حسابات لأجل وعن الأموال المقترضة من المؤسسات المالية   المذكورة (1).

لذا فإن البنكي – مثله مثل أي تاجر – يهدف من عملية منح الائتمان إلى تحقيق بعض الربح، والذي يتمثل في الفرق بين قيمة ومعدل الفائدة على القروض التي يمنحها لعملائه وبين قيمة ومعدل الفائدة على الودائع، هذا الفرق بين الفوائد الدائنة والمدينة يتيح لمؤسسات الائتمان هامشا كبيرا من الربح يسمح بتغطية المصروفات الإدارية للبنك، بالإضافة إلى هامش ربح يوزع على حملة الأسهم (2).

وفي هذا الصدد نرى أنه من المفيد فيما يخص تناول مخاطر سعر الفائدة البنكية أن نتعرض في بداية الأمر لأساسها القانوني، وذلك على اعتبار أن اشتراط التعامل بالفائدة في المغرب قد تدرج عبر عدة نصوص تشريعية حتى غدت شيئا مألوفا في مختلف العمليات البنكية (أولا) وذلك قبل التطرق للمخاطر التي تترتب عن تغير سعر الفائدة البنكية (ثانيا).

أولا : التطور التشريعي للتعامل بالفائدة .

تتوزع النصوص القانونية المؤطرة للفائدة في القانون المغربي بين عدة فصول ومواد منها ماهو منظم في إطار القواعد العامة، ومنها ماهو منصوص عليه في إطار نصوص خاصة. إضافة إلى بعض القرارات والدوريات الصادرة عن وزير المالية أو والي بنك المغرب.

وتأسيسا على ما سبق فإننا سنعمل على تناول هذه النصوص وفق التدرج التاريخي لصدورها وذلك حتى نتمكن من رصد تطور موقف المشرع المغربي من مسألة التعامل بالفائدة.

 

(1) امحمد لفروجي : القانون البنكي المغربي وحماية حقوق الزبناء،  مرجع سابق، ص 279.

(2) محمد صبري : الأخطاء البنكية، مرجع سابق، ص 20.

 

1) الفائدة في إطار القواعد العامة :

تناول المشرع المغربي موضوع الفائدة في إطار قانون الالتزامات والعقود ضمن ثمانية فصول أوردها بالباب الثالث تحت عنوان " القرض بفائدة " وذلك ابتداء من الفصل 870.

هذا الفصل الذي أقر مبدأ بطلان اشتراط التعامل بالفائدة بين المسلمين وبالتبعية بطلان العقد ككل وذلك بغض  النظر عن الشكل الذي يمكن أن تتخذه تلك الفائدة (1) جاءت مقتضياته منطقية مع معطيات وواقع المجتمع المغربي الإسلامي الذي يربط مفهوم الفائدة بالربا من منطلق أنها كل زيادة على أصل الدين (2).

وعلى خلاف ذلك جاء الفصل 871 ق ل ع لينص على جواز التعامل بالفائدة في الحالات الأخرى إذا كان اشتراطها كتابة بل وافترض هذا الاشتراط إذا كان أحد الأطراف تاجرا (3) ليفتح الباب على مصراعيه للشك والجدل فيما سبق أن جاء به الفصل 870.

فالمشرع المغربي حسب منطق وتسلسل الفصول أقر مبدأ بطلان اشتراط التعامل بالفائدة بين المسلمين ثم عاد مباشرة في الفصل الموالي ليجيز اشتراطها كتابة وذلك في الحالات الأخرى – أي الحالات التي يكون فيها أحد طرفي العقد غير مسلم – بل وافترض هذا الاشتراط إذا كان أحد الأطراف تاجرا، فهل يعني ذلك أن المشرع المغربي قد وضع مبدأ عاما في الفصل 870 وجعل له استثناء في الفصل 871، أم أن إراداته قد انصرفت إلى شيء آخر لم يتبين من خلال سطور الفصل المذكور، وبالتالي فإلى أي حد يمكن التوفيق بين الفصلين المذكورين، وماهو نطاق تطبيق كل منهما ؟

إن موقف المشرع المغربي هذا فتح الباب على مصراعيه لنوع جديد من المناقشات حول مسألة التعامل بالفائدة، حيث ثم تجاوز حدود الفقه الإسلامي ليمتد إلى مستوى الخلاف القانوني، الأمر الذي ترتبت عنه عدة مواقف فقهية وقضائية متباينة.

(1) نص الفصل 870 من ق ل ع على ما يلي :

   " اشتراط الفائدة بين المسلمين باطل  ومبطل للعقد الذي يتضمنه سواء جاء صريحا أو اتخذ شكل هدية أو أي نفع آخر للمقرض أو لأي  شخص غيره يتخذ وسيطاله.

(2) ذهب بعض المفكرين الغربيين إلى القول بأن المسلمين خلطوا ويخلطون بين الفائدة والربا، بعكس الفكر الغربي الذي يميز بينهما، حيث تعتبر الربا تلك الفائدة ذات السعر المرتفع الموصوف بالفاحش.

    للمزيد من المعلومات حول هذه النقطة راجع : عائشة الشرقاوي المالقي، البنوك الإسلامية، مرجع سابق، ص 548.

(3) نص الفصل 871 ق ل ع على ما يلي :

  " وفي الحالات الأخرى، لا تستحق الفوائد إلا إذا كانت قد اشترطت كتابة، ويفترض هذا الاشتراط إذا كان أحد الطرفين تاجرا ".

 

وبذلك انقسم الفقه بين مؤيد ومعارض للتعامل بالفائدة، حيث ذهب أنصار الإتجاه الأول إلى القول بأن الفصل 870 المقرر لمبدأ منع التعامل بالفائدة بين المسلمين يخضع لاستثناء يقلص من مداه ما جاء به الفصل 871 الذي أجاز اشتراط الفائدة بين التجار ولو كانوا مسلمين (1).

وفي نفس الاتجاه ارتأى البعض (2) بأن القانون قد انتقص من القاعدة الواردة بالفصل 870 لأسباب اقتصادية وتمويلية معتبرا بأن اشتراط الفائدة بين المسلمين غير باطل، وهو الطرح الذي تبناه البعض الآخر من الفقه (3) حيث ركزوا على الصفة التجارية للمتعامل بالفائدة وطبيعة الأنشطة التي يقوم بها باعتبارها الأساس الذي يسمح له بالتعامل بالفائدة مع الغير.

وبالتالي فإن هذا الاتجاه قد رسخ مبدأ التعامل بالفائدة بين التجار ولو كانوا مسلمين وذلك اعتمادا على نص الفصل 871، ومن ثم فإن تعامل مؤسسات الائتمان بالفائدة حسب هذا الطرح ينبثق من صفتها التجارية وطبيعة الأنشطة والخدمات التي تقدمها.

وفي مقابل هذا الاتجاه اتجه مجموعة من الفقه إلى تفسير مقتضيات كل من الفصل 870 و 871 ق ل ع تفسيرا مخالفا لما استقرت عليه اجتهادات الاتجاه الأول ويأتي على رأس هذا الفقه (4) أستاذنا الدكتور عبد اللطيف هداية الله، الذي اعتبر أن الفصل 870 ماهو إلا تكريس لمبدأ إسلامي راسخ لمسألة التعامل بالفائدة في إطار دولة مسلمة، حيث يرى في هذا الفصل التزاما من قانون الالتزامات والعقود بقواعد التشريع الإسلامي، وتكريسا منه للحكم الإسلامي في القرض بالفائدة بدليل أن الفصل 870 لم يكتف بإقرار بطلان اشتراط الفائدة التي ترد في عقد القرض بل إنه أبطل العقد ككل.

بل ذهب إلى أكثر من ذلك حينما اعتبر أن الفصل 870 قد حسم كل نقاش يدور حول جواز التعامل بالفائدة بين المسلمين، وأنه لا يمكن الجمع بين مقتضيات الفصل 870 و 871

 (1) انظر : عبد الكريم شهبون : الشافي في شرح قانون الالتزامات والعقود المغربي. الكتاب الثاني، العقود المسماة وما شبهها، الجزء الثاني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2002،ص 501.

(2) أنظر : أحمد شكري السباعي : نظرية بطلان العقود في القانون المدني المغربي والفقه الإسلامي والقانون المقارن، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الثانية 1987، ص 115.

(3) انظر : آسية ولعلو : الفائدة البنكية من خلال العمل القضائي، الندوة الثالثة للعمل القضائي وتطورات القطاع البنكي بالمغرب، مطبعة الأمنية، الرباط 1993، ص 263.

(4) أنظر : عبد اللطيف هداية الله : مقابلة بين الفصل 871 من قانون الالتزامات والعقود، والفصل 130 من القانون التجاري. منشور في المجلة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، العدد 134 – 1994، الصفحات 19 – 23 – 27 – 30.

 

معا على اعتبار أن الأول صريح في تحريم اشتراط الفائدة بين المسلمين سواء أكانوا تجارا، أم غير تجار أما الفصل الثاني فإنما يتعلق بحالات غير المسلمين وأن القول بخلاف ذلك يعني أن ما حرمه الفصل 870 أباحه الفصل 871 وهذا لغو ينعدم معه المنطق القانوني السليم.

وعلى نفس المنوال ذهب بعض من الفقه (1) إلى القول بأن الفصل 870 من ق ل ع إنما وضع لجعل اشتراط الفائدة بين المسلمين باطلا ومبطلا للعقد الذي يتضمنه سواء تعلق الأمر بالتجار منهم أو غير التجار، أما الفصل 871 فهو قد وضع ليستثني من الخضوع لأحكام الفصل السابق الأشخاص غير المسلمين بصرف النظر عن الديانات الأخرى التي يدينون بها.

أضف إلى ذلك أن الفصل 871 يتضمن بدوره قاعدة واستثناء. أما عن القاعدة الواردة فيه فهي أن الفائدة لا تستحق في الحالات التي لا يتعلق فيها الأمر بالمسلمين إلا إذا كانت قد اشترطت كتابة، أما الاستثناء من هذه القاعدة فهو ذلك الذي ورد في الفقرة الثانية من ذات الفصل، ويتعلق بالاشتراط المفترض للفائدة إذا كان أحد الطرفين تاجرا (2).

ليخلص صاحب هذا الرأي في الأخير إلى أنه من غير المقبول منطقيا وقانونيا اعتماد مقتضيات الفصل 871 من ق  ل ع كأساس لتقاضي البنوك بالمغرب للفوائد عن القروض التي تمنحها لعملائها من المسلمين.

ولعل ما يثير الملاحظة في هذا الإطار هو مدى جدوى بقاء العمل بالقاعدة المنصوص عليها  بالفصل  870 (3) من ق ل ع  وخاصة  بعد  مرور خمسة وتسعين سنة، أي ما يقارب القرن على وضع الفصل المذكور وذلك بالنظر للمعطيات الاقتصادية الحديثة والتطور الذي عرفه القطاع البنكي وتزايد عدد المتعاملين مع هذا الأخير.

(1) أنظر : امحمد لفروجي : القانون البنكي المغربي وحماية حقوق الزبناء، مرجع سابق، ص 282.

(2) راجع بهذا الخصوص : امحمد لفروجي : الفوائد البنكية بين السعر القانوني والسعر الاتفاقي، وجهة نظر في موضوع الفوائد البنكية، المجلة المغربية لقانون الأعمال والمقاولات عدد 1/2003، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ص 139.

(3) موازاة مع نصوص ق ل ع المغربي ذهب المشرع التونسي في مجلة الالتزامات والعقود في الفصل 1095 إلى أن : " اشترط الفائض باطل ومبطل للعقد بين المسلمين سواء كان صريحا أو اتخذ صورة هدية أو فائدة بوسيط " وقد نسخ هذا الفصل بالقانون رقم 148 سنة 1959 المؤرخ في 7 نونبر 1959 والذي أصبح ينص على ما يلي : " الفائض لا يكون لازما بالنسبة للعقود الواقعة بين غير التجار إلا إذا اشترط كتابة ويحمل الأمر على اشتراطه إذا كان المتعاقدين من التجار ".

    - كما نص المشرع الكويتي في الفصل 547 من القانون المدني : على أن الاقتراض يكون بغير فائدة وأنه يقع باطلا كل شرط يقضي بخلاف ذلك دون مساس بعقد القرض ذاته وأنه يعتبر في حكم الفائدة كل منفعة يشترطها المقترض.

 

لنخلص في الأخير إلى أن نصوص ق ل ع لم تحسم في أمر التعامل بالفائدة خاصة أمام وجود نصين يحمل المعنى الظاهر لإحداهما نقيضا للآخر الأمر الذي ترتب عنه وجود اتجاهين مختلفين حول شرعية وأساس التعامل بالفائدة في المغرب، وأن لكل اتجاه تفسيراته وتبريراته الخاصة به الشيء الذي أدى إلى ترك باب النقاش والجدال مفتوحا حول التعامل بالفائدة، مما انعكس بدوره على أحكام وقرارات المحاكم المغربية، حيث كان لموقف الفقه السابق الأثر الكبير على توجهات المحاكم التي لم تستطع بدورها حسم النزاع بشأن التعامل بالفائدة.

2) الفائدة في إطار النصوص الخاصة :

عديدة هي النصوص الخاصة التي تناولت موضوع الفائدة (1) غير أنه وبالنظر لسياق البحث والذي نتناول فيه موضوع الفائدة البنكية بالأساس فإننا سنقتصر فقط على المقتضيات الواردة بكل من مدون  التجارة (أولا) وقانون مؤسسات الائتمان (ثانيا).

أ - السند القانوني للفائدة من خلال مدونة التجارة.

خصت مدونة التجارة لسنة 1996 موضوع الفائدة بمجموعة من النصوص حاولت من خلالها ملامسة بعض الجوانب القانونية المتعلقة بالفائدة البنكية على وجه الخصوص، وهكذا نصت المادة 162 من مدونة التجارة على جواز اشتراط الفائدة على مبلغ الكمبيالة المستحقة عند الاطلاع أو بعد مدة من الإطلاع. خاصة إذا علمنا أن القرض البنكي قد يتم في شكل كمبيالة محررة من طرف المقترض لفائدة البنك المقرض وهكذا نصت هذه المادة :    " يجوز لساحب كمبيالة عند الإطلاع أو بعد مدة من الإطلاع أن يشترط فائدة على مبلغ الكمبيالة ويعتبر هذا الشرط غير موجود في أنواع الكمبيالات الأخرى.

يجب تعيين سعر الفائدة في الكمبيالة وإلا اعتبر هذا الشرط كأن لم يكن.

 يحسب سريان الفوائد ابتداء من تاريخ إنشاء الكمبيالة ما لم يعين تاريخ آخر ".

وفضلا عن هذه المادة جاءت المادة 495 لتقر مبدأ آخر جعلت من خلاله سريان الفوائد  لفائدة  البنك  يكون  بقوة القانون وهو ما يعتبر في رأيي الخاص أساسا قانونيا لتعامل

(1) ظهير شريف صادر في أكتوبر 1913 يتعلق بتعيين كمية الفائض القانوني ونهاية الفائض الاختياري في الأمور المدنية والتجارية كما وقع تعديله وتتميمه.

    - ظهير شريف صادر في 16 يونيو 1950 في تغيير الظهير الشريف المؤرخ في 9 أكتوبر 1913 المحدد بموجبه في الأمور المدنية والتجارية مقدار الفوائد القانونية وأقصى مقدار الفوائد الاتفاقية.

    - ظهير شريف صادر في 31 غشت 1926 يتعلق بزجر من يسلف مالا بفائدة مفرطة في المنطقة الفرنسوية بإيالتنا الشريفة.

 

مؤسسات الائتمان بالفائدة، حيث نصت هذه المادة على ما يلي : " تسري الفوائد بقوة القانون لفائدة البنك " وهو امتياز أقرته مدونة التجارة لفائدة الأبناك جعلت من خلاله الفوائد التي تستخلصها هذه الأخيرة لا تحتاج إلى اشتراط تعاقدي بينها وبين عملائها، وذلك على خلاف العملاء الذين لا تسري الفوائد لصالحهم إلا إذا كانت مشترطة (1).

وتأسيسا على ما سبق يمكن القول بأن نصوص مواد مدونة التجارة جاءت صريحة وغير غامضة مقارنة بغيرها في معالجة مسألة الفائدة، وهكذا اعتبر بعض الباحثين (2) أن مقتضيات المواد الواردة بمدونة التجارة هي تطبيق للفصل 871 من ق ل ع . طالما أن مواد هذه المدونة لم تخرج عن الاستثناء الذي قرره الفصل 871 والذي جعل أساس تعامل الأطراف بالفائدة هو اشتراطها، وخاصة أن البنك شخص معنوي تاجر وأن اشتراط الفائدة يكون مفترضا إذا كان أحد الأطراف تاجرا.

وبالتالي فإن تأسيس التعامل بالفائدة يمكن أن يجد سنده ضمن مواد مدونة التجارة طالما أن الفائدة  البنكية من العمليات التي يتعامل بها البنك كتاجر. ومادام قانون التجارة هو قانون خاص بفئة التجار ينظم مسائل تنتمي أيضا إلى إطار خاص هو مجال التجارة وأن كل المسائل التجارية يجب أن يرجع الفصل فيها للقوانين والأعراف والعادات الخاصة     بالتجارة (3).

وعلى هذا الأساس اعتبر بعض الفقه (4) أن الأولوية في التطبيق هي للنص الخاص الذي هو مدونة التجارة باعتبارها لاحقة في الصدور على قانون الالتزامات والعقود. وأنها جاءت  بما يخالف بعض المبادئ العامة الواردة بهذا القانون على اعتبار أن مدونة التجارية

(1) حيث نصت المادة 507 من مدونة التجارة على هذه القاعدة :

   " لا تدفع الفوائد المشترطة لفائدة الزبون إلا في ميعاد الاستحقاق ".

(2) انظر : هشام البلاوي : الفوائد البنكية في القانون المغربي، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، وحدة قانون المقاولات، جامعة محمد الخامس، اكدال، الرباط، السنة الجامعية 2003 – 2004، ص 30.

(3) وهي القاعدة التي نصت عليها المادة الثانية من مدونة التجارة التي جاء نصها كما يلي :

   " يفصل في المسائل التجارية بمقتضى قوانين وأعراف وعادات التجارة أو

     بمقتضى القانون المدني مالم تتعارض قواعده مع المبادئ الأساسية للقانون التجاري ".

(4) انظر : عبد الكبير طبيح : المحاكم التجارية، الأسباب والغايات، سلسلة حقوق الناس، مطبعة دار القرويين، الطبعة الأولى يناير 2000، منشورات الرهان الآخر، الدار البيضاء، ص 96.

 

لاحقة في الصدور على ظهير ق ل ع وبالتالي فهي تنشئ قاعدة فاسخة للقواعد السابقة تطبيقا للفصل 474 من ق ل ع (1).

ب - السند القانوني للفائدة في إطار ظهير 14 فبراير 2006.

يعتبر ظهير 14 فبراير 2006 نتاجا لما أفرزته المعاملات البنكية لما يقارب عقد ونصف من الزمن إن على المستوى الوطني أو على المستوى الدولي، وذلك على اعتبار أن الإشكالية البنكية ماهي إلا إشكالية دولية تعالج بالتوصيات وأن هذا النص ماهو إلا انعكاس لهذه التوصيات.

ولقد كان منتظرا من هذا الظهير أن يحسم أيضا في مسألة الفائدة البنكية، على غرار مدونة التجارة. غير أنه انطلق في معالجة الفائدة من منطلق التسليم الفعلي بها، وذلك دون تخصيصه لأي مقتضى قانوني يؤسس لتعامل الأبناك بالفائدة، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار المستجد الذي جاء به هذا الظهير والمتمثل في الحذف الذي طال المقتضيات التي كانت تخول لوزير المالية سلطة تحديد أسعار الفائدة الدائنة والمدينة (2) وهو ما يعتبر تراجعا ضمنيا من طرف المشرع المغربي عن وزير المالية كسلطة مكلفة بتحديد سعر الفائدة، وذلك دون تحديد الجهة المكلفة بذلك، لتبقى هذه النقطة غامضة ومعلقة وذلك إلى حين صدور مناشير ودوريات عن والي بنك المغرب تتناول الموضوع (3).

وبالتالي فإن ما كان يعتبر في إطار القانون السابق أساسا قانونيا لتعامل الأبناك بالفائدة لم يعد يجد له أي صدى ضمن مقتضيات القانون البنكي الجديد، على اعتبار أن هناك من أسس لتعامل الأبناك بالفائدة على مقتضيات المادتان 13 و 105 من الظهير الملغى واللتان كانتا تمنحا لوزير المالية سلطة تحديد أسعار الفائدة.

(1) تنص المادة 474 ق ل ع على ما يلي :

   "  لا تلغى القوانين إلا بقوانين لاحقة، وذلك إذا نصت هذه القوانين اللاحقة صراحة على الإلغاء أو كان القانون الجديد متعارضا مع قانون سابق أو منظما لكل الموضوع الذي ينظمه ".

(2) تجدر  الإشارة إلى أن تحديد سعر الفائدة كان من اختصاص السلطة المكلفة بالمالية ممثلة في وزير المالية، وهذا ما كانت تنص    عليه كل من المادة 13 والفقرة الثانية من المادة 105 من ظهير 6 يوليوز 1993 الملغى، وأن المواد اللتان عوضتهما في إطار ظهير 14 فبراير 2006 هما على التوالي : المادة 42 والمادة 115 لا يوجد ضمن مقتضياتهما أية إشارة للسلطة المكلفة بتحديد سعر الفائدة.

(3) بالرجوع إلى تقرير لجنة المالية والتنمية الاقتصادية حول قانون 34.03 نلاحظ أنه قد تم أثناء مناقشة مواد هذا القانون وجواب الحكومة عليها التساؤل في هذا السياق عن الجهة المكلفة بتحديد السعر القانوني للفوائد الواردة ضمن المادة 115، وكذا عن السعر المرجعي لتحديد نسبة الفائدة التي تعتمدها الأبناك.

    وعند الإجابة عن هذا التساؤل من طرف السيد وزير المالية والخوصصة أكد – كما جاء في التقرير بان الأبناك تبقى ملزمة بتحديد معدل الفائدة في نسبة تقل عن الحد الأعلى للفوائد والمحددة في 13,41% وذلك دون الجواب عن الشق الأول من السؤال والمتعلق بالجهة المكلفة بتحديد سعر الفائدة. - راجع ص 7 من التقرير، مرجع سابق

 

ونظرا لكون هذا الاتجاه تعرض حينها للانتقاد من بعض الفقه (1) الذي اعتبر بان القول بكون البنوك المغربية تستمد جواز تعاملها بالفوائد مع عملائها من القوانين الخاصة بتنظيم ومراقبة المهنة البنكية هو قول لا يمكن تصوره، ذلك أن هذه القوانين لا تتعلق في باب تعرضها للفائدة البنكية، بتحريم أو إباحة اشتغال البنوك بها، وإنما تتعلق فقط بأسعار هذه الفائدة وكيفيات تحديدها والجهات الرسمية التي لها الصلاحية في هذا الشأن وذلك استثناء من أحكام المادة 875 ق  ل ع.

وتأسيسا على كل ما سبق نخلص إلى أن المقتضيات الحالية للقانون البنكي لا تتضمن أي أساس قانوني يبرر تعامل الأبناك بالفائدة، وذلك على الرغم من المقتضى الذي أتت به المادة 115 من ظهير 14 فبراير 2006 والتي استثنت من خلاله عمليات الإيداع والائتمان التي تقوم بهما مؤسسات الائتمان من الخضوع لظهير 9 أكتوبر 1913 كما وقع تغييره وتعديله.

في حين يمكن القول بأن ما يبرر تعامل الأبناك بالفائدة لا يرجع إلى نصوص ظهير 14 فبراير 2006 أكثر مما يرجع إلى الواقع الاقتصادي الذي يتمثل في كون الأموال المستعملة من طرف الأبناك في عمليات الائتمان ليست في ملكها وإنما تحصل عليها من مصادر مختلفة مقابل فوائد معينة، كالفوائد الدائنة المدفوعة لأصحاب الودائع أو معدل إعادة الخصم لدى البنك المركزي.

ثانيا : مخاطر تغير سعر الفائدة البنكية.

<><> 

 

إذا كان للمواد والخدمات المتداولة ثمن يحدد مستواه في غالب الأحيان قانون العرض والطلب في السوق، فللأموال كذلك ثمن يحدد بنفس الطريقة، وهذا الثمن هو ما نسميه سعر الفائدة، وهو عبارة عن نسبة مئوية يؤديها المستفيد من القرض عن المبالغ التي منحت له في شكل قروض أو تؤدى إلى صاحب الادخار مقابل الودائع التي يسلمها لمؤسسات الائتمان (2).

(1) رجع امحمد لفروجي : القانون البنكي المغربي وحماية حقوق الزبناء، مرجع سابق، ص 283.

(2) حميد وهيب : سياسة معدلات الفائدة، مقال منشور في الدورة التخصصية في المادة التجارية، سلسلة الندوات واللقاءات والأيام الدراسية، مكتبة دار السلام الرباط،  يونيو 2004،  ص 51.

 

ويعرف سعر الفائدة أيضا بأنه أجر كراء النقود يلتزم المقترض بدفعه إلى البنك مقابل التنازل المؤقت له على السيولة (1).

كما عرفه البعض (2) بأنه تلك النسبة المئوية التي تحتسب استنادا إلى اتفاقيات معدة سلفا، فهو يقيس بصورة تركيبية خلال فترة معينة المردودية بالنسبة للمقرض والتكلفة المترتبة عن مخطط الأداء وما يتولد عنه من مد مالي بالنسبة للمقترض.

وتدخل اعتبارات كثيرة في تحديد سعر الفائدة منها ما يرتبط بنوع القرض ذاته ومنها ما يرتبط بوضعية السوق النقدية وطبيعة نشاط العميل ودرجة المخاطرة المرتبطة بالقرض، فمثلا سعر الفائدة المطبقة على القروض العادية تفوق بكثير سعر الفائدة المطبقة على القروض العقارية.

وأسعار الفائدة على القروض قصيرة الأجل تكون عادة أدنى من أسعار الفائدة على القروض الطويلة الأجل لأن درجات المخاطرة المرتبطة بالتسليف القصير الأجل أقل من درجات المخاطرة المرتبطة بالتسليف الطويل الأجل.

وفي هذا السياق نود الإشارة إلى أن سعر الفائدة ليس على نوع واحد فهو إما ثابت أو متحرك أو معرض للمراجعة أو حسابي.

فالثابت هو الذي لا يعرف أي تغيير خلال مدة القرض، والمتحرك هو الذي يقاس إما بالرجوع إلى معدل التضخم حيث يرتفع بارتفاعه وينخفض بانخفاضه أو يقاس بمعدل مرجع السوق النقدي.

في حين أن السعر المعرض للمراجعة هو الذي يكون فيه لأطراف العقد جواز المطالبة بمراجعته ضمن شروط معينة، وأخيرا قد يكون معدل الفائدة حسابيا ومعناه أن المردودية الحقيقية للالتزام تكون تبعا لثمن الشراء ومدة القرض (3).

وينشأ خطر سعر الفائدة البنكية نتيجة التغير الذي تعرفه هذه الأسعار في السوق ارتفاعا  وانخفاضا  فاحتمال  تغير  أسعار  الفائدة  البنكية في المستقبل يشكل إحدى المخاطر

(1) الطاهر لطرش : تقنيات البنوك، مرجع سابق، ص 70.

(2) محمد صبري : الأخطاء البنكية، مرجع سابق، ص 202.

(3) راجع بهذا الخصوص محمد صبري : نفس المرجع السابق، ص 203.

 

التي تهدد المحفظة المالية للبنك وذلك حينما يكون هذا التغير في الأسعار لا يتلاءم ونوعية القروض التي قام البنك بمنحها.

وفي هذا السياق عرف بعض الباحثين (1) خطر سعر الفائدة بأنه تلك الخسارة المحتملة للبنك في حال حدوث تغير سلبي لأسعار الفائدة، وأضاف أنه يختلف عن باقي أصناف المخاطر البنكية الأخرى بكونه يحمل في طياته في نفس الوقت احتمال الخسارة والربح.

في حين ارتأى البعض (2) أن هذا النوع من الخطر ينتج عن التغير المحتمل في صافي الدخل من أسعار الفائدة أي الفرق بين عائد الفائدة من الأصول وتكلفة الفائدة على الخصوم وذلك نتيجة للتغير في أسعار الفائدة في السوق.

ولقد عرف منشور والي بنك المغرب رقم 40/G/2007 خطر سعر الفائدة ضمن الباب الخامس من القسم الثالث من المنشور وبالضبط المادة 66 والتي جاء فيها :

" يعرف خطر سعر الفائدة في المحفظة البنكية بكونه التأثير السلبي الذي قد ينتج عن تطور غير ملائم لأسعار الفائدة على الوضعية المالية للمؤسسة، نتيجة لمجموع عمليات الحصيلة وخارج الحصيلة ...

وما يلاحظ  بخصوص هذا التعريف انه لم يختلف كثيرا عن التعريف الذي سبق وأن ورد ضمن الدورية رقم 6 لوالي بنك المغرب (السابق الإشارة إليها) (3).

وعلى العموم يمكن تعريف خطر سعر الفائدة بأنه احتمال تقلب أسعار الفائدة مستقبلا بشكل لا يتلاءم ونوعية القروض الممنوحة من طرف البنك.

وجدير بالذكر هنا إلى أن تغير أسعار الفائدة البنكية في السوق قد لا يشكل دائما خطرا على الأبناك بل يمكن أن يكون سببا للربح، وذلك حينما تتغير هذه الأسعار بشكل يتلاءم مع مصلحة مؤسسات الائتمان.

 (1) Said Nouhi : L’évaluation du risque de crédit et le positionnement du client, Bâlle II. Nouveaux enjeux pour les établissements bancaire, mémoire pour l’obtention du diplôme d’Etudes supérieures approfondies. Université. MOHAMED V – Souissi – Rabat. Décembre 2005, P 24.

(2) رمضان الشراح : تركي الشمري : محمد العسكر : البنوك التجارية، مرجع سابق، ص 247.

(3) L’article 49 de circulaire N° 6 de Bank AL MAGHRIB à définie le risque de taux comme suit :

    Le risque global de taux d’intérêt se définit comme limpact négatif que pourrait avoir une évolution défavorable des taux d’intérêt sur la situation financière de l’établissement de crédit.

 

وبالتالي فإن تأثير خطر سعر الفائدة على المحفظة المالية للبنك يختلف تبعا لنوعية القروض التي يقوم البنك بمنحها لعملائه وتبعا للتوقعات المحتملة لسعر الفائدة في السوق.

فبالنسبة مثلا لخطر ارتفاع أسعار الفائدة في السوق قد يكون له تأثير سلبي على البنك متى قام هذا الأخير بمنح قروض طويلة الأجل بسعر فائدة ثابت، ففي هذه الحالة تكون تكلفة الأموال التي يحصل عليها البنك من مصادره المختلفة (الفوائد الدائنة) من أجل تمويل هذه القروض تفوق المردودية التي يجنيها من الفوائد المطبقة عليها (الفوائد المدينة).

على اعتبار أن البنك سيؤدي فوائد مرتفعة للمودعين في مقابل حصوله على فوائد منخفضة وثابتة عند توظيف هذه الأموال في قروض طويلة الأجل (1).

فمثلا سعر الفائدة المعمول به في قروض طويلة الأجل خاصة منها قرض المقاولين الشباب وفقا لتعليمات وزارة المالية هو 5% على الجزء الممول من طرف الدولة، أما سعر الفائدة المطبق على الجزء الممول من طرف البنك فتحديده يكون باتفاق بين الطرفين على ألا يتعدى في غالب الأحيان 9% (2).

لهذا غالبا ما يعمل البنك في مثل هذه الحالات على الاتفاق مع العميل على استبدال القرض طويل الأجل بقرض قصير الأجل يتجدد لعدة مرات وذلك بهدف محاولة زيادة مبلغ الفوائد المقبوضة من طرف العميل، كما يعمل البنك على التركيز خلال هذه الفترة على القروض قصيرة الأجل مثل القروض الاستهلاكية وبأسعار فائدة متحركة.

أما فيما يخص خطر انخفاض أسعار الفائدة فإنه غالبا ما يرتبط بالقروض قصيرة الأجل، على اعتبار أن البنك حينما يقوم  بتوظيف  الأموال المحصل عليها بفوائد مرتفعة في

 

(1) تختلف طريقة سداد القروض طويلة الأجل عن القروض الصغيرة والمتوسطة الأجل، حيث إن سداد القروض طويلة الأجل يرتبط عادة في وقت توفر عائد للاستثمار على أمد طويل لدى المقترض، وبالتالي فإن القروض التي تستثمر في المشروعات الكبيرة تسدد على فترات أطول.

    ومن أهم طرق سداد القروض طويلة الأجل نجد :

    - سداد أصل القرض وفوائده على أقساط متساوية : حيث يتم بموجب هذه الطريقة سداد القرض وفوائده على أقساط متساوية تدفع في نهاية كل فترة دورية غالبا ما تكون سنة. وتتميز هذه الطريقة عن غيرها بأن الفوائد المستحقة في نهاية كل فترة دورية تتناقص قيمتها بصفة دائمة عن الفوائد المستحقة في نهاية الفترة التي قبلها.

    - سداد أصل القرض بمبالغ متساوية مع سداد الفوائد على الرصيد : فحسب هذه الطريقة يتم سداد أصل القرض بمبالغ متساوية من حيث القيمة والفترة الزمنية التي تفصل بين كل أداء وآخر. أما فيما يتعلق بالفوائد فإنه تحسب على رصيد أصل القرض الموجود في بداية كل فترة زمنية.

    - وأخيرا يمكن سداد أصل القرض وفوائده على فترات زمنية غير منتظمة وبمبالغ مختلفة.

      للمزيد من التوسع حول هذه النقطة :  أنظر :

    عبد المعطي رضا ارشيد، محفوظ أحمد جودة، إدارة الائتمان ، مرجع سابق، ص 304 وما بعدها.

(2) محمد صبري : الأخطاء البنكية، مرجع سابق، ص 42.

 

قروض قصيرة الأجل بسعر فائدة منخفض، فإن ذلك ينعكس سلبا على مداخيله، لكون تكلفة الأموال لا تتلاءم والمردودية المتوقعة منها (1).

لذا فإن البنك يعمل خلال هذه المرحلة وخوفا من تدني جديد لأسعار الفائدة على منح قروض طويلة الأجل بسعر فائدة ثابت، ذلك أنه حتى ولو انخفضت أسعار الفائدة في المستقبل فإن البنك سيستمر في تحصيل فوائد أكبر (2).

ونشير إلى أن سعر الفائدة المعمول به حاليا في قروض الاستثمار متوسطة الأمد محدد في نسبة 7,25% مع قدر من التمويل الذاتي لا تقل عن نسبة 30%، إلا أن هذه النسبة قد تتدنى إلى 15% فقط إذا ما اشترك بنك آخر في التمويل (3).

لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام، هو هل يتوفر المغرب على سوق بنكية تنافسية قادرة على التأثير على أسعار الفائدة ارتفاعا ونزولا ؟ وبالتالي مدى تأثير هذا الخطر على الأبناك المغربية.

بداية نشير إلى أن تبني المغرب لنظام اقتصادي ليبرالي كان هدفه بالأساس جعل قاعدة العرض والطلب القاعدة الأساسية في تحديد الأثمان، وهو ما ينطبق بدوره على  أسعار الفوائد، لذا فقد سعى المغرب إلى تحرير أسعار الفائدة (4) في القطاع البنكي بهدف جعل السوق المالية بالمغرب أكثر تنافسية.

(1) وفي هذا السياق نشير إلى أن هناك عدة طرق لسداد القروض قصيرة الأجل والتي تختلف باختلاف طبيعة الاتفاق بين البنك والعميل.

     فمثلا يمكن سداد القرض وفوائده دفعة واحدة في نهاية المدة المتفق عليها أو سداد أصل القرض وفوائده على أقساط دورية متساوية وثابتة حيث يدفع العميل في نهاية كل فترة زمنية محددة قسط دوري ثابت، أو سداد الفوائد مقدما مع سداد الأصل على أقساط دورية للمزيد من الإطلاع حول هذه النقطة راجع :

    عبد المعطي رضا ارشيد محفوظ أحمد جودة : إدارة الائتمان ، مرجع سابق، ص 298 وما بعدها.

 (2) عندما تنخفض معدلات الفائدة، تتزايد القروض بكل أشكالها، وتزايد القروض ينمي طلبات المقاولات والأفراد، مما تترتب عليه الزيادة في الطلب الإجمالي وهو ما يسميه الاقتصاديون بـ La demande globale  ، وبطبيعة الحال فهذه الزيادة في الطلب الإجمالي تؤدي بدورها إلى ارتفاع الأثمان أي إلى التضخم المالي، وعندما يكون هناك تضخم مالي، تعمل السلطات النقدية على الرفع من مستويات نسب الفائدة لتقلل من حجم الطلب وتحد من ارتفاع الأثمان، هكذا إذن توظف معدلات الفائدة لمكافحة ارتفاع الأثمان.

    للمزيد من التوسع حول هذه النقطة راجع حميد وهيب، سياسة معدلات الفائدة، مرجع سابق، ص 57.

(3) محمد صبري : الأخطاء البنكية، مرجع سابق، ص 41.

(4) عمدت السلطات النقدية أولا على تحرير أسعار الفائدة الدائنة قصد خلق جو من المنافسة بين الأبناك منذ بداية سنة 1990 وذلك باستثناء المعدلات الممنوحة للحسابات على الدفتر والحسابات لمدة 3 أشهر، ثم بعد ذلك قامت في نفس السنة بتحرير أسعار الفائدة المدينة وذلك بالنسبة للقروض التي تفوق مدتها سنتين، في حين أن القروض لأجل قصير لم يتم تحريرها إلا ابتداء من يناير 1991.

     وقد تم الإبقاء على حد أقصى للمعدلات المدينة إلى غاية سنة 1996، حيث ظلت مرتبطة بالمعدلات المرجعية لكل صنف من   القروض وذلك لضمان تطورها بشكل تدريجي.

    للمزيد من الإطلاع حول هذه النقطة، أنظر عمر العسري، تحريك أسواق الرساميل واستراتيجية تنشيط الاستثمار بالمغرب، مرجع سابق، ص 235 – 236.

 

فهل استطاع المغرب فعلا تحقيق الهدف المنشود من سياسة التحرير بفتح باب المنافسة وتخفيض سعر الفائدة (1).

اتجه جانب من الفقه (2) إلى اعتبار أن الهدف الذي كان من المفروض أن يتحقق لم تستطع الأبناك الالتزام به على مستوى الواقع العملي، حيث أن الغالبية العظمى من الأبناك تلجأ إلى فرض سعر اتفاقي بينها وبين بعضها وهو ما يؤدي إلى تغييب عنصر المنافسة.

وهو ما لوحظ عمليا ابتداء من فبراير 1996 السنة التي عمد فيها المغرب إلى إلغاء الحدود القصوى لمعدلات الفائدة المدينة بشكل رسمي (وذلك بواسطة دورية بنك المغرب رقم 8/G/96) حيث فوجئ الجميع بإعلان الأبناك لأسعار موحدة وكأن الأمر يتعلق باتفاق مسبق فيما بينها.

حيث ثم خلال هذه السنة تبني الأبناك لسعر موحد حدد في 9,75% بالنسبة للقروض القصيرة الأجل و 10,50% فيما يخص القروض المتوسطة الأجل و 12,25% على القروض طويلة الأمد، علما أن المعدل المرجعي المحدد من طرف بنك المغرب آنذاك كان هو 8,5% (3).

الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل حول الآلية القانونية التي يمكن اعتمادها في حالة تكرار مثل هذه الممارسات.

وذلك على اعتبار أن مثل هذه الاتفاقات السرية فيما بين الأبناك حول حصر سعر الفائدة البنكية في معدلات معينة تشكل ممارسات مخلة بالمنافسة تتنافى والهدف المتوخى من سياسة تحرير أسعار الفائدة البنكية، الأمر الذي يقود إلى عرقلة حرية المنافسة في السوق وبالتالي مخالفة مقتضيات قانون حرية الأسعار والمنافسة.

إلا أن الإشكال الذي يطرح نفسه في هذا السياق يتمحور حول الجهة المسوؤلة عن ردع الأبناك عند القيام بتصرفات مماثلة؟

 (1) فما يجب التذكير به هو أن نسب الفوائد حتى بعد تحريرها لازالت تعتبر أهم أداة في السياسة النقدية وبالتالي فإنه يتم استعمال هذه الأداة من أجل تحديد معالم السياسة النقدية وذلك بواسطة طرق غير مباشرة تتمثل بالأساس في تدخل البنك المركزي في السوق النقدية عبر الحجم الإجمالي لإعادة التمويل أي المبالغ التي يقرضها بنك المغرب لمختلف مؤسسات الائتمان وأيضا عبر تقنية تكلفة إعادة التمويل.

(2) AZZEDINE himit : «  La libéralisation des taux d’intérêt » AL Wassit Magazine, N° 15, Avril – Mai 1997, P 19.

(3) عمر العسري : نفس المرجع السابق، ص 238.

 

وبالتالي التساؤل حول من تكون له الصفة للتدخل للحد من مثل هذه الممارسات كمجلس المنافسة أو بنك المغرب أو حتى المقترض المتضرر ؟

وفي نفس السياق هناك من اعتبر أنه رغم تحرير أسعار الفائدة في المغرب فإن الأسعار المفروضة على عمليات الائتمان تبقى جد عالية مقارنة بدول لها نفس مستوى الاقتصاد المغربي (1).

في حين اعتبر جانب من الفقه (2) أنه على الرغم من كون سياسة تحرير أسعار الفائدة لم تحقق الهدف المتوخى منها في ضبط آلية العرض والطلب على القروض كما يحدث في دول مختلفة، فإن السبب في ذلك يعود بالأساس إلى ضعف البنية الهيكلية للمقاولات الوطنية.

وفي مقابل ذلك يرى أن سياسة التحرير استطاعت خلق جو جديد من المنافسة فيما بين الأبناك ترجم على الساحة العملية باللجوء إلى أسعار فائدة متغيرة في عقود القرض البنكي.

وقد برر ذلك من خلال التغير الملحوظ في أسعار الفائدة ما بين سنة 1996 وسنة 2006 حيث إذا كانت هذه الأسعار في ظل سنة 1996 محددة في سعر معين من قبل جميع الأبناك فإنه في سنة 2006 اختلف مستواها من مؤسسة إلى أخرى.

ففيما يخص قروض التصدير فإن نسبتها محددة في 8,75% ويمكن أن تخفض إلى نسبة تتراوح ما بين 7% و 7,50% حسب الأبناك.

أما القروض القصيرة الأجل فنسبتها محددة في 9,75% ويمكن أن تخفض إلى نسبة تتراوح ما بين 7,25% و 8% حسب الأبناك.

أما القروض متوسطة الأجل فهي محددة في 10,50% ويمكن تخفيضها إلى نسبة تتراوح ما بين 7,25% و 8,25%.

وأخيرا فإن القروض الطويلة الأجل محددة نسبتها في 11,25% وتخفض إلى نسبة تتراوح بين 8,25% و 9%.

(1) Karima Amara : « Taux d’intérêt – plus libre plus chers enjeux » Magazine de l’entreprise et de l’économie, N° 30 – 1991, P 14 – 16.

(2) BERRADA. Mohamed . AZZEDINE, Les Technique de banque de crédit , op cit, P 98.

 

وعلى الرغم من هذا التفاوت في أسعار الفائدة بين الأبناك المغربية الذي يعكس إلى حد ما وجود سوق شبه تنافسية، فإن تأثير خطر سعر الفائدة على المحفظة المالية للأبناك يبقى جد محدود، نظرا لكون مؤسسات الائتمان غالبا ما تتحكم في ارتفاع وانخفاض أسعار الفائدة بما يتماشى ومصالحها، وبالتالي تقليص هامش الخسارة إلى أقصى الحدود وهذا ما أكده لنا مجموعة من المسؤولين أثناء زيارتنا لبعض مؤسسات الائتمان.

فقد أجمع جل مسؤوليها على كون هذا النوع من الخطر لا يشكل تهديدا حقيقيا وكبيرا إذا ما قورن بغيره من المخاطر، وذلك إما بفعل ضعف التنافسية في السوق البنكية وإما بفعل الرقابة الصارمة للسلطات النقدية في هذا المجال (1).

(1) ذلك أنه في إطار تحرير أنشطة القطاع البنكي أو ما يسمى بالليبرالية في السياسة الاقتصادية بصفة عامة. وبعد أن تخلت السلطات النقدية عن سياسة التدخل المباشر في توجيه  نشاط المؤسسات البنكية مثلما تخلت الدولة عن التدخل المباشر في المجال الاقتصادي، بعد هذا إذن، أصبحت ميكانيزمات السياسة النقدية تتخذ أشكالا غير مباشرة، وأصبحت وسائل هذه السياسة تنحصر أساسا في التأثير بوسائل مختلفة على نسبة أسعار الفائدة كوسيلة بغية الحصول على أهداف نقدية معينة ومرسومة مسبقا.

    راجع بهذا الخصوص حميد وهيب : سياسة معدلات الفائدة، مرجع سابق، ص 52.

 

الفصــــل الثــــاني :

آليات ضبط مخاطر القروض البنكية

إذا كان تحرير القطاع المالي بفضل رفع التأطير عن القروض وتحرير الفوائد البنكية وإلغاء بعض الاستخدامات الإجبارية وتحرير الصرف وغيرها، قد أعطى صلاحيات أوسع لمؤسسات الائتمان من أجل التصرف في موجوداتها. فإنه ومن جهة أخرى قد زاد من احتمال المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها هذه المؤسسات وخاصة منها البنوك. علما بأن هذه المخاطر يمكن أن تتحول، إذا لم يتم علاجها في الوقت المناسب إلى أزمة قد تمس النظام البنكي بأكمله.

وتحقيقا لهذا الغرض سعت الدولة إلى خلق مجموعة من الآليات والأجهزة لضبط هذه المخاطر والتحكم فيها وذلك على اعتبار أن ترك الحرية المطلقة لهذه المؤسسات في مزاولة عملها وفق ما تمليه عليها مصالحها الذاتية المبنية على قاعدة الربح والخسارة من شأنه أن يفضي إلى نتيجة تعاكس تماما ما يهدف إليه المشرع المغربي من وراء إخضاع مزاولة النشاط البنكي لمجموعة من النصوص التشريعية والتنظيمية .

وفي نفس الإطار قامت الدولة بخلق وإحداث مجموعة من صناديق الضمان بهدف تشجيع المؤسسات البنكية على التعامل مع فئات جديدة من العملاء لا تتوفر فيهم شروط الائتمان.

وبالتالي توجيه القروض البنكية نحو قطاعات معينة ترغب الدولة في تنميتها وتطويرها وذلك عبر قيام هذه الصناديق بضمان وتغطية مختلف المخاطر التي يمكن أن تترتب عن مثل هذه المعاملات.

وتأسيسا على ما سبق فإننا سنعمل على توزيع دراستنا لهذا الفصل على مبحثين، نعالج في أولهما مختلف مظاهر الرقابة على أنشطة مؤسسات الائتمان، على أن نخصص المبحث الثاني لدور صناديق الضمان في تغطية وضمان مخاطر القروض البنكية.

 

 

 

المبحــــث الأول :

الرقابة البنكية كآلية لضبط المخاطر.

<><> 

 

إذا كانت الإصلاحات التي شرع فيها المشرع المغربي منذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي والتي همت القطاع البنكي بصفة خاصة قد أدت إلى صدور قانون 1993. الذي غير كليا من المفاهيم والأدوات التي كانت تؤطر الرقابة على البنوك ونشاطها وذلك تبعا للتوجه الليبرالي الذي انتهجته الدولة المغربية في مختلف المجالات ذات الطابع المالي والاقتصادي، فإن صدور ظهير 14 فبراير 2006 جاء ليؤكد على نفس النهج الذي تبناه ظهير 1993 مع توجه أكثر تشددا في تفعيل عملية الرقابة على البنوك لاسيما فيما يخص القواعد القانونية الجديدة المتعلقة بالأموال الذاتية وتدبير المخاطر كما حددتها وثيقة لجنة بال الثانية.

وهكذا تعددت أساليب مراقبة تسيير مؤسسات الائتمان بين رقابة داخلية تسند لمجموعة من الأجهزة الداخلية بالمؤسسة تتأكد من مدى احترام مجموعة من التدابير والقواعد الاحترازية لممارسة النشاط البنكي، وبين رقابة خارجية تكلف بها هيآت ومجموعات مهنية واستشارية تعمل على تقنين النشاط البنكي والتأكد من مدى احترام المؤسسات البنكية لمجموع القواعد القانونية والتنظيمية المعمول بها في هذا المجال.

ولكي نقف على هذه النقط سوف نتناول هذا المبحث من خلال :

المطلب الأول : نظام الرقابة الخارجية .

المطلب الثاني : نظام الرقابة الداخلية.

 

 

 

المطلـــــب الأول :

نظام الرقابة الخارجية .

في إطار الوضع الجديد الذي يتسم بحرية المبادرة وقواعد السوق في العمل البنكي، تتزايد المخاطر المرتبطة بالقروض البنكية نتيجة تهافت المؤسسات البنكية على جلب أكبر عدد ممكن من العملاء مما قد يجعل هذه الأخير تحيد عن الخط الذي رسمه لها المشرع في هذا الإطار.

ولضمان عدم حدوث ذلك سعت الدولة إلى تنظيم هذا القطاع وذلك عبر خلق مجموعة من الأجهزة المكلفة بمراقبة وتوجيه السياسة النقدية والائتمانية للبلاد (الفقرة الأولى) وأيضا عبر خلق هيآت مهنية واستشارية من أجل دعم وتنسيق التشاور على الصعيد المهني بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين في هذا القطاع (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى : الرقابة عبر السلطات النقدية .

إن السلطات النقدية اليوم مطالبة ببذل المزيد من الحذر والاحتراس من خلال ضبط الائتمان وتوجيه السوق البنكية وخلق نوع من المنافسة لتنشيط القطاعات المالية وذلك من أجل خدمة الاقتصاد الوطني.

ولعل سوء ضبط الائتمان وعدم الاحتراس وازدياد عمليات الإقراض غير المنظمة هو السبب لما شهدته العديد من الدول في جنوب شرق آسيا خلال السنوات الأخيرة من انزلاقات مالية عصفت بقطاعاتها المالية وانعكست سلبا على أداء اقتصادياتها الوطنية (1) .

وعموما فإذا كانت القوانين البنكية المغربية وعلى مر التاريخ قد جاءت لتكرس رقابة السلطات النقدية على القطاع البنكي والمالي بصفة عامة باعتبارها سلطات وصاية وإشراف، فإن ظهير 14 فبراير 2006 قد تبنى نفس الطرح السابق ولكن مع تغيير في موازين قوى هذه السلطات، بحيث تراجعت مكانة وزير المالية وتقهقرت سلطاته عما كان عليه الأمر في ظل ظهير 1993 الملغى (ثانيا) وذلك على اعتبار أن الاختصاصات التي كانت تجعل منه مركز القوة في هذا القطاع قد سحبت منه وأسندت لوالي بنك المغرب (أولا).

(1) عمر العسري : تحريك أسواق الرساميل، مرجع سابق، ص 172.

 

أولا :  بنك المغرب :

يعد بنك المغرب كبنك مركزي لدولة المغرب مؤسسة عمومية تتمتع بالاستقلال المالي وبالشخصية المعنوية، إذ تملك الدولة مجموع رأسماله (1) ويرأسه والي بنك المغرب الذي صار يعين بظهير شريف بمقتضى ظهير 6 أكتوبر 1993 (2).

وقد تم إحداث بنك المغرب بمقتضى الظهير الشريف الصادر بتاريخ 30 يونيو 1959 هذا الظهير المعتبر بمثابة القانون الأساسي لبنك المغرب – تم تعديله بموجب ظهير 6 أكتوبر 1993، وعدل أخيرا بمقتضى القانون رقم 76.03 المتعلق بالقانون الأساسي لبنك المغرب والصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.05.38 بتاريخ 23 نوفمبر 2005 (3).

وللإشارة فبنك المغرب يقوم إلى جانب مهامه التقليدية (4) بدور رقابي أساسي على البنوك في إطار كل من ظهير 23 نوفمير 2005 وظهير 14 فبراير 2006، ويمارس البنك المركزي رقابته عن طريق الوالي وهو رئيس هذا البنك أو من ينتدبه لذلك.

وإذا كان قانون 6 يوليوز 1993 قد وسع من اختصاصات والي بنك المغرب مقارنة مع قانون 1967، فإن قانون 2006 لبى طموحه في تحقيق استقلالية شبه مطلقة تجاه السلطة الوصية التقليدية على القطاع وهي وزارة المالية (5).

(1) وذلك على اعتبار أن أغلب البنوك المركزية ذات رأس مال عمومي أو على الأقل بنسبة 50% أو ما فوق وهي بذلك تكون في ملك الدولة، لأنها تعتبر مؤسسات تنظيمية هدفها الصالح العام.

     وتعتبر السويد السباقة إلى إحداث فكرة بنك مركزي في العالم سنة 1668، تلتها فيما بعد الدول الأوربية والأمريكية وباقي دول العالم. خاصة بعد إعلان مؤتمر بروكسيل المنعقد سنة 1920 الذي أكد على ضرورة إنشاء بنك مركزي