-->
U3F1ZWV6ZTczODgxNjA1NzJfQWN0aXZhdGlvbjgzNjk3NjY4OTI5
recent
اخر المنشورات

ماهية نظرية انتقاص العقد

 

ماهية نظرية انتقاص العقد

                                          ماهية انتقاص العقد
                       ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

        ان للكلام عن نظرية انتقاص العقد لابد من تقسيم هذا المبحث الى مطلبين نتناول في اولهما تعريف انتقاص العقد , وفي ثانيهما تمييز انتقاص العقد عن غيره من النظريات المشابهه له , وذلك تباعا على النحو الاتي :

                                         المطلب الاول
                               تعريـــــــــــف الانــــــــــــــــتقاص
            ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

          كان من شأن دراسات فقهاء القانون المدني حول فكرة الانتقاص ان اختلفت التعاريف المقدمة لتحديد معنى الانتقاص , وذلك كله نابع من اهمية هذه الفكرة وضرورتها على صعيد القانون المدني والقوانين الخاصة الاخرى , لذلك لا نرى ضيرا في ان نوضح معنى الانتقاص على النحو الاتي :
اولا : الانتقاص لغة :
        هو الخسران في الحظ او نقضه  وانتقاصه , اخذ منه قليلا على حد ما يجيء عليه هذا الضرب من الابنية بالأغلب , انتقص الشيء أي انتقص حقه , والنقيصة العيب والوقيعة من الناس والفعل انتقص وكذلك انتقاص الحق .

ثانيا : الانتقاص الاصطلاحي :
       لقد تعرض فقهاء القانون المدني لتعريف الانتقاص , ومنهم من كان موفقا في الوصول الى معنى الانتقاص ومنهم من خلط بينه وبين تحول العقد , ومنهم من عرفه على انه اثر من الآثار الاصلية للعقد والبعض الأخر اعتبره من الآثار العرضية للعقد .

     ومن هذه التعاريف التي تعتبر الانتقاص أثرا من الآثار الأصلية للعقد الباطل جزئيا هي الاتي :
       فقد تم تعريف الانتقاص بأنه (تجزئة العقد في حالة ما إذا انصب على محل بعضه قابل لترتيب اثر العقد عليه وبعضه ليس كذلك

         كما وعرف البعض الانتقاص على انه ( بأنها تخفيف من التزامات احد الطرفين نتيجة مخالفة الحدود التي وضعها الشارع لهذه الالتزامات وكبديل للنتيجة الطبيعية المخالفة وهي سقوط الآثار جميعا نتيجة البطلان
        ويذكر البعض تعريفا للانتقاص بأنه ( الانتقاص هو الذي يضع القاعدة العامة لما يسمى بالبطلان الجزئي لجزء من العقود التي يبرمها الافراد إذا كان البطلان لا يمس ألا جزءا منها , وإبقاء باقيها صحيحا ألا إذا تبين انها ما كانت لتتم بأكملها بغير الجزء الذي وقع باطل , فعندئذ يمتد البطلان بأكمله , ويضرب الفقه مثلا لذلك أن ينصب البيع على عدة اشياء يكون واحد منها غير قابل للتعامل فيه فيعد البيع باطلا بالنسبة لباقي الأشياء ألا إذا تبين ان الصفقة واحدة لا يمكن تفريقها فيكون البيع بأكمله باطلاً )
       ويرى اخرون ان الانتقاص ما ألا اثر من الآثار الاصلية التي تترتب على العقد الباطل , حيث لا يكون العقد باطلا بأكمله , وإنما جزء منه مما يؤدي الى سقوطه والحيلولة دون سقوط الجزء الاخر الصحيح باعتباره عقدا مستقلاً .
         وكما قال البعض في تعريف الانتقاص بأنه ( قد تترتب على العقد الباطل أثار اصلية بالرغم من بطلانه وذلك بصفة استثنائية مراعاة لاعتبارات معينة نرى الان صورة خاطئة تترتب فيها على العقد الباطل بعض أثاره الاصلية دون البعض الاخر وهذه الصورة لا يكون العقد فيها باطل بأكمله وإنما يكون باطلا او قابلا للأبطال في جزء منه وصحيحا في الجزء الاخر وفي هذه الحالة يستبعد الجزء الباطل أما الباقي من العقد فيظل صحيحا باعتباره عقدا مستقلا وهذا ما يقال له انتقاص العقد )

  

                                                    المطلب الثاني :
               تمييز انتقاص العقد عن غيره من النظريات المشابهه له
<><>

        لا ريب في ان كل شيء على وجهة الارض له من النظائر الكثير والكثير ,وانتقاص العقد هو جزء من النظريات الموجودة على الارض ,لذلك له من النظائر وله من الشبه , وما يشتبه به عدة نظريات سنأخذ منها الاتي :
اولا : الانتقاص والتحول :
    للتميز بين الانتقاص والتحول لابد من ان نعالج نقطتين هما اوجه الشبه و اوجه الخلاف بينهما :
1: اوجه الشبه بينهما :
    من اوجه الشبه بين كل من نظام الانتقاص والتحول ان كلا منهما أثرا يترتب على بطلان التصرف ,فالأصل ان العقد الباطل عديم الأثر ولكن لا تعتبر هذه القاعدة مطلقة ,حيث ان القانون رتب في بعض الاحيان آثارا تستدعيها مصلحة كل طرف من الطرفين المتعاقدين , وكذلك حفاظا على مبدأ استقرار المعاملات , ويتضح من ذلك ان بطلان العقد يعد شرطا رئيسيا لترتيب الآثار الاستثنائية والمتمثلة في انتقاص العقد وتحوله , ولكن يجب في الاول ان يكون العقد باطلا في جزء منه فقط أي باطلا بطلانا جزئيا , ومما تجدر الاشارة اليه ان هناك من يذهب الى القول بعدم وجود ما يسمى بالبطلان الجزئي للعقد وانه في حالة بطلان العقد الجزئي (لا نكون ألا امام بطلان عادي يتفق مع المبادئ المسلمة في نظرية البطلان من ان مخالفة العقد لأحكام القانون ولو في جزء منه يؤدي الى بطلانه بأكمله , ويجب ان لا نخدع بوجود عدة تصرفات في ظاهر تصرف واحد , فنحسبها تصرف واحد , بل يجب ان نتحرى في قصد المتعاقدين انفصالها فيبطل التصرف المخالف للقانون وحده ).

     كما يجب ملاحظة ان النظريتين تقومان على فكرة أساسية مؤداها استبقاء العقد الذي أصيب بالبطلان الى اكبر قدر ممكن طالما ان لا يزال متفقا مع اهداف القانون او مع اغراض المتعاقدين في حالة عدم تعارضهما مع احكام القانون , ويحصل التداخل بين الفكرتين أيضا من حيث ان كلا منهما يعتمد المعيار الذاتي الذي يطلق للإرادة الفردية حريتها في أبرام التصرفات القانونية ,وذلك في التشريعات التي تسودها النزعة الفردية والتشريعات الاخرى التي سارت على هذا النهج .

2 : أوجه الاختلاف بينهما :
       ان أوجه التشابه بين الفكرتين لا ينفي ما يوجد بينهما من اختلافات تفرضها طبيعة كل منهما , فبينما التحول يعتبر أثرا من الآثار العرضية التي تترتب على العقد الباطل كواقعة مادية بحسب أقوال الفقهاء , ألا ان الانتقاص على حد قول الأقلية من فقهاء القانون المدني الذين يعتبرون الانتقاص أثرا اصليا يترتب على العقد الباطل باعتباره تصرفا قانونيا .

        وتحول العقد عبارة عن استبدال عقد جديد صحيح بعقد قديم باطل , اما الانتقاص فيفترض بقاء نفس العقد مع اهمال الجزء الباطل منه , كذلك يجب ان يكون هناك عقد باطل في احد اجزائه دون الاجزاء الاخرى لأنه لو كان باطلا في جميع اجزاءه لما كان هناك محل لانتقاصه , وانه قد يتحول الى تصرف اخر ويعتبر هذا التصرف الاخر صحيح عند توافر شروط التحول , وقد يكون هناك مجال في حالة الانتقاص لتحول الجزء الباطل لوحده الى عقد اخر صحيح , والى جانب ذلك فأنه يشترط ان يكون العقد قابلا للانقسام في حالة الانتقاص لأنه إذا لم يكن كذلك , فان العقد يبطل وفي هذه الحالة لا يكن هناك محل للانتقاص بل للتحول إذا توافرت شروطه .

     من كل ما تقدم يتضح ان كلا من فكرة الانتقاص والتحول تمثل نظاما خاصا ومستقلا عن الأخر , وذلك نابع من طبيعة كل من النظريتين التي تتطلب شروطا معينة بتحققها تترتب أثار تختلف عن غيرها على الرغم من اوجه التشابه ونقاط الالتقاء بينهما .

ثانيا : الانتقاص والبطلان الجزئي :
     ان العقد وسيلة قانونية وضعت لتكون أداة تعامل بين الأفراد , وقد استلزم القانون لانعقاده شروطا واركانا معينة بتحققها يصبح العقد صحيحا ,أما إذا تخلف شرط من هذه الشروط او ركن من هذه الاركان , كان العقد باطلا , فالبطلان هو الجزاء الذي يلحق التصرف القانوني نتيجة تخلف شرط من شروطه او ركن من الاركان انعقاد صحته .

     ألا ان البطلان قد يكون كليا فيبطل التصرف القانوني بأكمله , وقد يكون جزئيا يصيب جزءا او شقا من العقد دون اجزاءه الاخرى ,وهذا ما يطلق عليه بالبطلان الجزئي , ويرى جانب كبير من الفقهاء , ان الانتقاص هو البطلان الجزئي , فاعتبروا الاول مجرد وسيلة للخلاف الجزئي .

 

        ألا ان البعض الاخر يرى خلاف ذلك , ويعلل رأيه بأن الانتقاص والبطلان الجزئي يؤدي كل منهما يؤدي الى استئصال الجزء الباطل من العقد واستبعاده كليا مع الاحتفاظ بصحة الجزء الاخر , وعلى حد قولهم ان الانتقاص يفترض بطلان العقد جزئيا أي تعيينه في شق منه مع صحته في الشق الاخر كيما يمكن اعماله لتحقيق هدفه وهو المحافظة قدر الامكان على استمرار وديمومة الشق الصحيح , فيفترض ان يكون البطلان الجزئي متحققا اصلاً , ثم يأتي الانتقاص ليؤدي دوره في بقاء العقد بشقه الصحيح .

      وخلاصة القول ان البطلان الجزئي ما هو ألا وسيلة من وسائل الانتقاص , فالانتقاص لا يمكن ان يؤدي عمله ألا بعد تقرير بطلانه جزئيا , وبعدها يأتي لقصر نطاق البطلان على ما تعيب من العقد بهدف انقاذه من السقوط من دائرة البطلان .

ثالثا : الانتقاص وترتيب التصرف الباطل لبعض الآثار :
       ان البطلان وان كان يعدم العقد كليا ويلغي اثاره ألا انه في بعض الحالات والتي استثناها المشرع حفاظا على استقرار التعامل تترتب عليه أثار اصلية وأثار عرضية كالزواج غير الصحيح , وقد فسر ترتيب العقد الباطل لبعض الآثار بأنها لا تترتب على التصرف الباطل نفسه , وإنما سببها وجود العناصر السلمية المتبقية في العقد , وهذا يكمل ما توصل اليه بعض الفقهاء من انه لا يترتب على البطلان الغاء كل أثار العقد في جميع الحالات وان ترتب على هذه الآثار ما هي ألا مجرد تطبيق لفكرة انتقاص العقد .

     ويذهب جانب اخر من الفقه الى دحض هذا الرأي ويذهب الى انكار وجود تشابه وتماثل بين فكرة ترتيب التصرف الباطل لبعض الاثار وبين فكرة انتقاص العقد , وذلك ان البطلان عندما ينصب على التصرف المعيب يعدمه ويلغي كل اثاره , ألا انه في بعض الحالات قد يرتب القانون عليه أثار مختلفة تستدعيها الحاجة لاستقرار التعامل , ألا انه في بعض الحالات يرتب القانون عليه أثارا مختلفة تستدعيها الحاجة لاستقرار التعامل , ألا ان هذه الاثار هي قانونية وليست أثرا يرتبها التصرف الباطل , اما الانتقاص فهو يسقط الشق المعيب فقط ويلفي أثاره ألا انه يبقي الشق الصحيح وأن الآثار المترتبة عليه ما هي ألا أثار صحيحة وسليمة ينتجها تصرف صحيح وسليم .

 

رابعا : الانتقاص ونظرية الظروف الطارئة :

<><>

       ان نظرية الظروف الطارئة هي استثناء على قاعدة العقد شريعة المتعاقدين وتتلخص هذه النظرية في ان العقد كان من العقود المستمرة التنفيذ او الفورية التنفيذ وكان تنفيذه مؤجلا , وطرأت ظروف اقتصادية لم توقعها المتعاقدان عند ابرام العقد ادت الى اختلال التوازن الاقتصادي الى كان موجودا عند ابرام العقد اختلالا خطيرا وجعلت تنفيذ المدين لالتزامه يهدده بخسارة فادحة تخرج عن الحد المألوف في المعاملات , فالمدين لا يجبر على تنفيذ التزامه كما ورد في العقد وإنما (ينقص) هذا الالتزام الى الحد الذي تقتضيه العدالة , وان هذه النظرية تشترط اربعة شروط حتى يتم تطبيقها وهذه الشروط هي الاتي :
1 : ان يكون العقد من العقود المستمرة التنفيذ او الفورية وكان تنفيذ العقد مؤجلا , كبيع الثمار على أشجارها بشرط بقائها حتى تنضج , ففي هذين النوعين من العقود من الممكن ان تطرأ ظروف او حوادث لم يكن في الوسع توقعها عند ابرام العقد .

2 : ان تجد في أثناء تنفيذ العقد ظروف او حوادث استثنائية عامة ويقصد بصفة خاصة ان تكون تلك الظروف او الحوادث خاصة بالمدين , كموته او افلاسه .

3 : ان لا يكون في الوسع توقع هذه الظروف والحوادث ألاستثنائية عند ابرام العقد ويترتب على ذلك ان الحادث لكي يعتبر خرقا يجب ان يكون مما لا يستطاع دفعه ,فإذا كان في الاستطاعة دفعه ان يكون متوقعا او غير متوقع .

4 : ان تجعل هذه الظروف والحوادث تنفيذ الالتزام مرهقا للمدين لا مستحيلا .

       وبعد توافر الشروط سالفة الذكر فالمحكمة ان ترفع الارهاق الى الحد المعقول عن المدين , وقد عبر القانون العراقي عن ذلك بقوله (تنقص الالتزام الى الحد المعقول ) وتعبير ترفع الارهاق خير من تعبير تنقص الالتزام ذلك ان القاضي قد يرى ان الارهاق يزول إذا منح المدين مهلة للتنفيذ .

ويجب عدم الخلط بين نظرية الانتقاص ونظرية الظروف الطارئة ,وذلك لأن الاولى تكون بإنقاص العقد الذي تم ابرامه بين الطرفين وأصبح في شق منه صحيح وشق منه باطل ,لذلك فأن الشق الصحيح هو الذي يصح , وان الشق الباطل هو الذي يبطل ويكون ذلك في العقد المبرم بين الطرفين ولا علاقة بالظرف الطارئ به .

      اما نظرية الظروف الطارئة فأن العقد يكون منذ البداية صحيح بأكمله ألا ان ظروف استثنائية استجدت أثناء تنفيذ الالتزامات جعلت تلك الالتزامات مرهقه للمدين ,لذلك يلجأ المدين الى القضاء لغرض اعادة التوازن مع التزامات الدائن بغية رفع الارهاق الى الحد المعقول بإنقاص التزاماته او زيادة التزامات الدائن ,وبالتالي يعاد التوازن بين الطرفين , ولا مجال لذلك في نظرية انتقاص العقد لأن العقد اساسا قد ابرم بين الطرفين وكان شق منه باطل ويشترط ان لا يكون هذا الشق هو الدافع او الباعث على التعاقد بين الطرفين ,لأنه لو كان كذلك لما صح العقد في الجزء الاخر منه وبذلك يمكن التمييز بين النظريتين .

تعديل المشاركة
author-img

droitpressse

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة