U3F1ZWV6ZTczODgxNjA1NzJfQWN0aXZhdGlvbjgzNjk3NjY4OTI5
recent
أخبار ساخنة

الجرائم التي تمس بأمن الدولة الداخلي والخارجي

لجرائم التي تمس بأمن الدولة الداخلي والخارجي

لجرائم التي تمس بأمن الدولة الداخلي والخارجي


تمهيد:
إن الرغبة الملحة في المحافظة على كيان الدولة خصوصا بعد أن تنامت الوظائف التي أصبحت تقوم بها في الوقت الحاضر، باعتبارها شخصا اعتباریا يمثل المجموع، أفرز إلى الوجود مجموعة من الجرائم سمیت بالجرائم الماسة بأمن الدولة - أو ضد أمن الدولة كما أطلق عليها المشرع المغربي - وهي جرائم تمس - أو تحاول المساس - بكيفية مباشرة بكيان الدولة القانوني وهذا تمييزا لها عن الجرائم التي تشكل إعتداءات على الأشخاص أو الأموال أو العرض... إلخ، التي وإن كانت تمس بكيان الدولة بدورها، إلا أن هذا المساس لا يكون إلا بكيفية غير مباشرة.
هذا و جرائم أمن الدولة لا يقصد بها الجرائم التي ترتكب ضد أشخاص الفئة التي تحكم الشعب كما كان سائدا في الماضي عندما كانت فكرة الدولة تختلط - على الخصوص - بشخص الحاكم الإمبراطور، حيث كان المساس بحياة هذا الأخير غالبا ما يؤدي إلى انهيار الدولة أو في الأقل إلى تعطيل سيرها، وإنما يقصد بها تلك الجرائم التي تنال من كيان الدولة كشخص اعتباري بحيث يؤدي الأمر إلى أن تصبح سلامته السياسية أو الإجتماعية أو الاقتصادية أو الخارجية مهددة ومعرضة للخطر.
وطبيعي أن هذا المفهوم الأخير لجرائم أمن الدولة لم يظهر، ويتميز، إلا بعد تقدم في الفكرين السياسي والدستوري وهو ما سمح بظهور الدولة كشخص معنوي يمثل الكيان القانوني للمجتمع ككل، منفصلا عن أشخاص الحاكمين فيه الذين أصبحوا مجرد أجهزة طبيعية لتنفيذ وظائف الدولة شخص اعتباري).

 جرائم أمن الدولة في القانون المغربي :

التشريع الجنائي المغربي كغيره من التشريعات الجنائية المعاصرة أفرد جملة من النصوص الجنائية بغاية المحافظة على أمن الدولة المغربية في الباب الأول من الكتاب الثالث من المجموعة الجنائية تحت عنوان «في الجنايات والجنح ضد أمن الدولة» إبتداء من الفصل 163 إلى 218، وبإلقاء نظرة على هذه النصوص نستفيد ما يلي :
أولا :
قسم المشرع المغربي جرائم أمن الدولة إلى الجرائم التي تمس بأمن الدولة الداخلي وهي التي يكون الغرض منها إحداث تغيير في النظام السياسي للدولة، ومن أهمها جرائم المؤامرة والإعتداء على حياة الملك أو شخصه (الفصلان 163 - 164 ق.ج) أو الإعتداء على حياة ولي العهد أو شخصه (الفصلان 165 - 166) والاعتداء الذي يكون الهدف منه تغيير أو قلب نظام الحكم (ف 169 ق. ج) أو إثارة حرب أهلية (الفتنة) (الفصل 201 ق. ج)... إلخ وهذه كلها جرائم لا تستهدف المساس بكيان الدولة الخارجي بقدر ما هي محاولة للوصول إلى الحكم بوسائل لم يقرها الدستور للتنافس على الحكم (أي بوسائل غير مشروعة)، وفي المقابل نجد جرائم أخرى يشكل إقترافها خطرا على المغرب كدولة ذات سيادة بحيث تهدده في سلامته ووحدة أراضيه واستقلاله، وتسمى بجرائم أمن الدولة الخارجي، وأهم هذه الجرائم التجسس والخيانة التي تتحقق بحمل المواطن للسلاح ضد المغرب (الفقرة 1 من الفصل 181 ق.ج) أو بمباشرته لاتصالات مع سلطة أجنبية بقصد حملها على القيام بعدوان ضد المغرب، أو تزويدها بالوسائل اللازمة لذلك إما بتسهيل دخول القوات الأجنبية إلى المغرب، وإما بزعزعة إخلاص القوات البرية أو البحرية أو الجوية، وإما بأية وسيلة أخرى (الفقرة 2 من الفصل 181 ق.ج).
ثانيا :


<><>
 أخذ المشرع الجنائي بالنسبة لجرائم أمن الدولة بأسلوب التجريم الوقائي أو الإحتياطي مع ما يستتبعه ذلك من تشدد في العقاب، وبذلك جرمت بعض النشاطات التي لا يمكن التسليم بتجريمها عملا بالقواعد العامة المعروفة في القانون الجنائي، وكل ذلك مخافة أن يؤدي عدم تجريمها إلى ارتكاب الجرائم التي يراد تجنبها، وأشرح الأمر قليلا فأقول بأن المشرع المغربي بالنسبة لجرائم أمن الدولة الداخلي إذا كان قد عاقب بشدة   جريمة الإعتداء على حياة الملك أو شخصه (الفصل 163 ق. ج)، فإنه جرم كذلك المؤامرة ضد حياة الملك أو شخصه الفصل 172 ق.ج)، والمؤامرة كما يفهم من الفصل 175 ق.ج ما هي إلا مجرد اتفاق ۔ جنائي - مصمم عليه بين شخصين أو أكثر على ارتكاب الجرائم المنصوص عليها في الفصول 172 و173 و174 ق. ج، حتى ولو لم يعقبه أي عمل من أعمال البدء في التنفيذ (الفقرات الأخيرة من
الفصول السابقة)، وكان مقتضى القواعد العامة في القانون الجنائي أن الاتفاق وحده على ارتكاب الجريمة - أيا كانت ۔ غیر معاقب، لكن المشرع المغربي جرم المؤامرة وعاقب إتيانها خروجا على تلك القواعد من باب التحوط والتحرز المسبقين على اعتبار أن اتفاق الجناة وحده على الإعتداء على حياة الملك أو شخصه مثلا، قد يغري بعضهم بالبدء في تنفيذ ذلك الاتفاق، وهذا بحد ذاته يشكل خطرا كبيرا على سلامة حياة الملك، وبالتالي على كيان الدولة وأمن واستقرار المجتمع.
وخارج نطاق الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي نلمس إتباع أسلوب التجريم التحوطي أو الوقائي كذلك في جرائم أمن الدولة الخارجي كما في الفصل 1 / 192 ق. ج الذي جرم فيه المشرع واقعة الحصول بأية وسيلة من الوسائل على حيازة سر من أسرار الدفاع الوطني، فهنا المشرع الجنائي أراد التحرز مسبقا من تمكن الأعداء من الحصول على هذه الأسرار من طرف الحائز لها، لما في ذلك من خطر على سلامة الدولة الخارجية و استقلالها

ثالثا : 

<><>
طغيان المرونة أحيانا على صياغة النصوص التي تعاقب جرائم أمن الدولة، وعلى الخصوص تلك التي تمس سلامتها الخارجية، وهذه الخصوصية - أي المرونة . 
لا ينفرد بها القانون الجنائي المغربي وحده في تجريم هذا النوع من الجرائم وإنما هو سلوك إنتهجته جملة من التشريعات الجنائية الأجنبية  . كما زکته توصية المؤتمر الدولي الرابع للقانون الجنائي - ) والسبب الذي جعلها تتبع هذا الأسلوب المرن بحيث تصاغ فيها النصوص العائدة للتجريم في نطاق جرائم أمن الدولة في عبارات عامة فيرجع إلى جعل - أو محاولة جعل - هذه النصوص في هذا الميدان بالذات ملائمة، وقادرة على ملاحقة التطور الكبير في الأساليب التي يتبعها محترفو هذا النوع من الإجرام  ، بحيث تسمح للقاضي الجنائي بتكييف وقائع مختلفة تكييفا يدخلها تحت حكم النصوص الجنائية القائمة فيفوت بالتالي على المجرمين الماکرین فرصة النجاة من العقاب عن أي نشاط يأتونه ويكون من شأنه الإضرار بسلامة وأمن المجتمع، وهذا ما تعجز - وكما هو واضح . عن تحقيقه النصوص الجنائية إذا هي صيغت بأسلوب محدد للنشاط المجرم بكيفية حصرية والذي يكون المشرع قد تصوره في وقت من الأوقات، وأصبح متجاوزا في زمان أو وقت آخر نتيجة اتباع المجرمين - من جواسيس وعملاء . في جرائمهم لوسائل علمية يصعب تصورها مسبقا من طرف أي مشرع مهما كان حرصه وتوقعه  .
رابعا : 
الملاحظ خروج غالبية جرائم أمن الدولة من نطاق الجرائم السياسية ومما يؤكد ذلك :
أ. النصوص الجنائية التي تعاقب بشدة على جرائم أمن الدولة، حيث أن عقوبة الإعدام لم يقع التخلي عنها من طرف المشرع في هذا النوع من الجرائم
ب- المشرع المغربي لم يمنع المحكوم عليه في الجنايات أو الجنح الماسة بأمن الدولة بأي إمتیاز عند تنفيذ العقوبة عليه وهذا ما يؤكده صراحة الفصل 218 ق. ج. الذي يقول : «الجنايات والجنح المعاقب عليها في هذا الباب تعد مماثلة  اللجنايات والجنح العادية فيما يخص تنفيذ العقوبات »

ج- إعتمادا على بعض الاتفاقيات الدولية التي أبرمها المغرب نجد أنه :


<><>
1- بمقتضى المادة 4 من الاتفاقية التي أقرتها جامعة الدول العربية في خصوص تسليم المجرمين فإنه يمتنع تسليم المجرم في الجرائم السياسية ، ما لم تكن الجريمة إعتداءا على الملوك أو رؤساء الدول، أو زوجاتهم أو أصولهم أو فروعهم أو على أولياء العهد، فيكون والحالة هذه كل اعتداء على أي ملك أو ولي عهده - أو غير ذلك ممن عددهم النص - يبيح التسليم، لأنه لا يشكل جريمة سياسية حتى ولو كان الباعث عليه . أي على الإعتداء - سياسيا، بل إن نص المادة 4 إعتبر صراحة أن جرائم القتل العمد تبيح تسليم المجرم مهما كان الباعث عليه.
2- بمقتضى الإتفاقية المغربية البلجيكية المبرمة في 27 فبراير 1959 والمصادق عليها بظهير 19 ماي 1960، فإن جرائم الاعتداء على حياة رئيس دولة أو على أحد أفراد أسرته لا يعتبر جريمة سياسية. (الفقرة الأخيرة من المادة 8 من الاتفاقية)
3 - بمقتضى الإتفاقية المغربية السينغالية لا تعتبر جرائم القتل العمد والتسميم جرائم سياسية (المادة 43 من الإتفاقية المذكورة والمؤرخة في 3 يوليوز 1967).
د. لا تعتبر جرائم التخريب والإرهاب جرائم سياسية ولو ارتكبت بدافع سیاسی، وهذا ما يستفاد من المادة 5 (9 مکرر) من ظهير 8 نونبر 1958 المتعلق بتسليم المجرمين الأجانب التي جاء فيها: «فيما يرجع للأعمال التي يقوم بها خلال تمردأو حرب مدنية أحد الفريقين المتحاربين لغايته المنشودة، فإنه لا يمكن أن يترتب عنها تسليم الشخص المطلوب إلا إذا كانت تلك الأعمال تعد أعمالا وحشية بغيضة أو أعمال تخریب تمنعها قوانين الحروب».


ه. تخرج منطقيا - ودون استلزام ورود نص صريح على ذلك . كل جرائم أمن الدولة من جهة الخارج عن أن تكون جرائم سياسية، فالذي يخون وطنه مثلا، أو يفشی سرا من أسرار الدفاع لبلده لا يمكن أن يعتبر فعله هذا منطويا على هدف نبيل يريد به نفع مجتمعه وتخليص أفراده من النظام الذي يراه فاسدا بقدر ما ينم عن خساسة ودناءة الدافع الذي دفع به إلى ارتكاب الجريمة كحصوله على أموال، أو أي مقابل آخر يشكل ثمنا لخيانته. تصميم:
قسم المشرع الجنائي المغربي الباب الأول من الكتاب الثالث من القانون الجنائي المتعلق بجرائم أمن الدولة إلى أربعة فروع، في الأول، تناول الإعتداءات والمؤامرات ضد الملك أو الأسرة المالكة أو شكل الحكومة (الفصول من 163 إلى 180 ق.ج) وفي الثاني تناول الجنايات والجنح ضد أمن الدولة الخارجي (الفصول من 181 إلى 200 قي. ج) وفي الثالث تناول الجنايات والجنح ضد سلامة الدولة الداخلية (الفصول من 201 إلى 207 ق.ج)، وفي الرابع تناول الأحكام العامة التي تنطبق على جميع جرائم أمن الدولة الواردة في هذا الباب، وبما أن جرائم الفرع الأول تدخل وباتفاق الفقه (10) ضمن جرائم أمن الدولة الداخلية فإننا ستادرس جرائم أمن الدولة في ثلاثة فصول تخصص الأول لأهم الجرائم الماسة يأمن الدولة من جهة الداخل، والثاني نخصصه لأهم الجرائم الماسة بأمن الدولة من جهة الخارج

المرجع : عبد الواحد العالمي


تعديل المشاركة
author-img

droitpressse

تعليقات
    ليست هناك تعليقات
    إرسال تعليق
      الاسمبريد إلكترونيرسالة