U3F1ZWV6ZTczODgxNjA1NzJfQWN0aXZhdGlvbjgzNjk3NjY4OTI5
recent
أخبار ساخنة

الإكراه البدني في القانون المغربي.pdf



الإكراه البدني 

الإكراه البدني في القانون المغربي.pdf


مقدمة

منذ بزوغ فجر الإنسانية، والكائن البشري يسعى قدر الإمكان إلى ضمان جميع السبل الكفيلة بصيانة وحماية حرياته الفردية المقررة بمقتضى الفطرة، والتي تم التنصيص عليها صراحة ضمن مختلف الشرائع السماوية والوضعية.
وتتبوأ حرية الشخص البدنية منذ الأزل صدارة هذه الحريات العامة، بيد أن طبيعة
المعاملات المدنية بين الأفراد، وفي سبيل الحفاظ على مبدأ إقرار ضوابط صارمة تضمن مصداقيتها وتحافظ على ناجعتها، فرضت تجاوز وسائل التنفيذ الكلاسيكية ذات الطبيعة الحبية، والبحث في المقابل عن آليات جديدة أكثر علمية وأقوى فاعلية بمقدورها جعل يتحلل رغما عنه من الالتزام المترتب بذمته ودفعه لتبرئة ذمته المالية لفائدة من لهم الحق في ذلك، ذلك ألن طرق التنفيذ العادية، كالوفاء أو الإجراء ... تظل أحيانا قاصرة عن تحقيق مقصودها والوصول إلى مبتغاها ألسباب متعددة وإن كانت راجعة في مجموعها للمدين، فهي تتباين من حيث طبيعة جوهرها. إذ قد تكون قسرية بعد تعذر تبرئة المدين لذمته المالية نتيجة الالتزام التعاقدي الذي يربطه بالدائن، وذلك لعسره وعدم قدرته على الوفاء بدينه، كما قد تكون إرادية ناجمة عن الامتناع غير المبرر للمدين في تنفيذ التزامه وتعنته عن تسديد الدين المترتب في حقه...
ويبدو الحديث عن نشأة نظام الإكراه البدني ،أمرا متعذرا، ما دام أن استقراء جذور ذات النظام تجعلنا نقف على حقيقة حتمية مفادها أن هذا الأخير قديم قدم المجتمعات الإنسانية نفسها. فقد عرفت الحقبة الرومانية مثال أشد الصور التطبيقية ضراوة لنظام الإكراه البدني إذ جعل المدين الممتنع أو العاجز عن الأداء وضمانة الدين في كفة موحدة، فكان شخص المدين ضامنا للوفاء بدينه أو التحلل من التزامه، فمنح الدائن أحقية حبس المدين لإجباره على تسديد مديونيته، فإن لم يفلح في ذلك، حق له التصرف بكل حرية في شخصه بجميع الطرق الكفيلة باسترداد دينه كاسترقاقه وبيعه، وقد أعطى قانون الألواح الاثني عشر أمثلة شاهدة على قساوة وشراسة اقتضاء الحقوق على عهد الرومان كدعوى إلقاء اليد ووضعها على المدين لعدم وفائه بالدين
غير أنه سرعان ما تم التخفيف من حدة التطبيق الصارم لنظام الإكراه البدني، حيث تم حظر استرقاق المدين إذ ما تعذر عليه تسديد دينه وتم الاكتفاء بالحد من حريته الشخصية عن طريق الحبس، قبل أن تتطور فيما بعد في منحى إيجابي. جعل تطبيق الإكراه البدني في حق المدين متوقف على صدور حكم قضائي عوض إطلاق يد الدائن مباشرة للتصرف في شخص المدين.
وقد اختلف في تحديد الطبيعة القانونية لنظام الإكراه البدني، بين الصفة العقابية حيث يصبح الإكراه أداة وفاء مبرئة للدين بصفة نهائية، وهذا توجه المشرع المصري في إطار المادة 511 من قانون الإجراءات الجنائية، فيما يخص الإكراه البدني في المسائل الجنائية حيث نص على انه: » يجوز الإكراه البدني لتحصيل المبالغ الناشئة عن الجريمة المقضي بها للحكومة ضد مرتكب الجريمة، ويكون هذا الإكراه بالحبس البسيط، وتقدر مدته باعتبار يوم واحد عن كل مائة قرش أو اقل ..."، وبين الصفة التهديدية حيث يبرز الإكراه كوسيلة لحمل المدين على الوفاء، بحيث لا يترتب على قضاء مدة الإكراه انقضاء الدين الذي كان موضوعا لمسطرة الإكراه البدني، فيمكن التنفيذ على أمواله متى تيسر ذلك، فال يسقط الدين في هذه الحالة الا بالأداء او الإبراء، مع مراعاة ان الإكراه البدني لا يجوز بخصوص الدين
والتوجه الثاني هو ما سايره المشرع المغربي في هذا الإطار، حيث ركز على الصفة التهديدية للإكراه البدني، وبالتالي فلم يرتب عليه المشرع أي اثر فيما يخص الإبراء من الدين، سواء تعلق الأمر بدين عمومي او خصوصي  وهو ما نص عليه المشرع صراحة في الفقرة الثانية من المادة 635 من ق م ج التي جاء فيها بأنه:"...يتم الإكراه البدني بإيداع المدين في السجن، وفي جميع الأحوال فانه لا يسقط الالتزام الذي يمكن أن يكون محال إجراءات الحقة بطرق التنفيذ العادية".، و أعاد التنصيص عليه كذلك بخصوص الديون العمومية، في المادة 83 من م ت د ع التي ورد فيها على انه:"....لا يسقط الدين بحبس المدين، الا انه لا يمكن اعتقاله من جديد من اجل نفس الدين ، باستثناء الحالة المنصوص علبها في المادة السابقة")المتعلقة بالأداء الجزئي(. ولصعوبة إقرار تصور تعريفي شامل وموحد لمفهوم الإكراه البدني فإن المشرع المغربي تجنب إعطاء تعريف قانوني قائم بذاته وواضح في معالمه، لماهية الإكراهي البدني...، ولسد ثغرات هذا الواقع التشريعي تدخل التنظير الفقهي والعمل القضائي المغربي بكل ثقله لمحاولة الإحاطة، ولو بشكل تقريبي بمفهوم الإكراه البدني
 فعرفه الأستاذ إدريس بلمحجوب بأنه: "... إجبار المدين بدين عمومي أو خاص والمحكوم عليه في أغلب الأحوال بمقتضى حكم نهائي غير قابل ألي طعن )عادي أو غير عادي( بالوفاء بدين كآمال والا زج بالغريم في السجن لمدة يحددها القانون بناء على طلب الدائن بعد إنذار..."
كما عرفه الأستاذ عبد العالي العبودي بانه : "التهديد الجسماني للمدين بحبسه لفائدة الدائن مدة حددت بمقتضيات قانونية لتنفيذ ما حكم به...".
وعليه فان هذا الموضوع سيطرح عدة إشكاليات ، منها ما هو مرتبط بالجانب النظري ، ومنها ما هو مرتبط بالجانب العملي، من قبيل:
- كيف يتم التعامل مع مسالة الأداء الجزئي لمبلغ الدين، في إطار مسطرة الإكراه
البدني في الديون الخصوصية ، من خلال تحديد مدة الإكراه في المبالغ المتبقية
في ذمة المدين في ظل إغفال المشرع المغربي لذلك؟ وكذا في حالة كان المدين
معتقلا؟
- هل يمكن الطعن في قرارات ق ت ع ؟ وهل يمكن تجريحه؟ وهل حدد المشرع
أجال للبت في ملفات الإكراه البدني المحالة عليه من طرف وكيل الملك؟
- ما هي الإشكالية التي يثيرها السند التنفيذي في المخالفات ، بخصوص تطبيق
مسطرة الإكراه البدني بشلنه؟
- كيف يتم تطبيق الإكراه البدني على مستوى المراكز الحدودية؟

 - المبحث الأول: الإكراه البدني في الديون الخصوصية والعمومية


- المبحث الثاني: الإشكالات المرتبطة بتطبيق مسطرة الإكراه البدني



الاسمبريد إلكترونيرسالة