U3F1ZWV6ZTczODgxNjA1NzJfQWN0aXZhdGlvbjgzNjk3NjY4OTI5
recent
أخبار ساخنة

الفسخ الجزئي في العقود المدنية

الفسخ الجزئي في العقود المدنية



الفسخ الجزئي في العقود المدنية
ما شرعت العقود إلا لتلبية حاجات الأفراد وخقيق غاياتهم، غير أنه قد يخل أحد المتعاقدين بتنفيذ التزاماته التعاقدية، كأن يقتصر المدين على تنفيذ العقد في جزء منه فقط أو ينفذ العقد تنفيذا معيبا مخالفا للشروط والمواصفات المتفق عليها، فيكون من حق الدائن المطالبة بفسخ العقد. وإذا كان عدم تنفيذ العقد في شموليته، أو مخالفة التزامات جوهرية في العقد، يعد خطأ جسيما يبرر الحكم بالفسخ الكلي للعقد، فإن تنفيذ جزء منه يثير إشكالا حول مصير العلاقة التعاقدية. ومن أجل إعادة التوازن العقدي للالتزامات المتقابلة، فتح المجال للقاضي لبسط سلطته التقديرية في إيقاع الفسخ الجزئي للعقد كآلية الضمان ملائمة الجزاء مع عدم التنفيذ الجزئي أو التنفيذ المعيب للعقد، كلما تكونت لديه قناعة بعدم جدوى محو العلاقة التعاقدية كليا، وتوافرت شروط الحكم بفسخ العقد جزئيا. ولقد تضمن قانون الالتزامات والعقود مقتضيات لخص الفسخ الجزئي في الفصل 558 حيث أجاز للمشتري أن يطلب فسخ البيع بالنسبة للجزء المعيب وحده من الأشياء التي اشتراها صفقة واحدة وبثمن إجمالي. وكذا الفصل 336 من نفس القانون حيث نص على أن الفسخ لا يقع إلا في جزء من العقد الذي لم ينفذ 
ولمعالجة إشكالية الفسخ الجزئي كآلية لضمان استمرار العلاقة التعاقدية، وضمان استمرار المعاملات نقسمها إلى نقطتين، يتحدث في الأولى عن شرط إيقاع الفسخ الجزئي (الفقرة الأولى) وفي الثانية عن عدم التنفيذ كواقعة تبرر الحكم بالفسخ الجزئي (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: قابلية العقد للتجزئة كشرط لإيقاع الفسخ الجزئي
يشترط للحديث عن الفسخ الجزئي أن يكون العقد قابلا للتجزئة. ويطلق عليه تسميات أخرى من قبيل قابلية العقد للانقسام أو قابليته للانفصال أو ما يطلق عليه لدى فقهاء الفقه الإسلامي بقابلية الصفقة للتفريق أو التبعيض، وترد هذه التسميات في إطار معنى واحد ألا وهو " الفصل بين شقي العقد، إذا كان العقد في ذاته قابلا للانقسام، حيث يكون صحيحا في الشق المتبقي منه" . وينصب معيار القابلية للتجزئة أو عدمها على الالتزامات المكونة للعقد، وهو ما يفسر اقتصار الاجتهاد القضائي أساسا على العقود التي موضوعها الأموال. أما في عقد الشغل الذي ينصب على استثمار عمل الأجير، فإن قابلية الالتزام للتجزئة غير متاحة دائما. ة ويشترط ليكون العقد قابلا للتجزئة ما يلي:
أولا: استقرار الطبيعة القانونية للعقد بعد إنقاصه: ويراد بذلك أن يتضمن الجزء المتبقي من العقد الأركان اللازمة لوجوده، أي يجب ألا يؤدي إزالة بعض الأجزاء من العقد إلى تغيير وصفه القانوني. وبالمفهوم المخالف، إذا كان العقد بعد بتر جزء منه، قد أصبح نموذجا قانونيا آخر غير الأول، فعندها نكون أمام خول العقد. ذلك أن أحد المتعاقدين قد يرتكب مخالفة للعقد، كأن يمتنع عن تنفيذ جزء من العقد أو ينفذ جزءا من العقد لكن على جو معيب، فإذا حقق تنفيذ العقد المنفعة التي قصدها المتعاقد منه، رغم ما اعتراه من قصور، فإن المخالفة المرتكبة في هذه الحالة لا جيز الفسخ الكلى للعقد. ومع ذلك قد يسمح بفسخ العقد جزئيا بالنسبة للجزء الذي لحقه العيب أو الذي لم يتم تنفيذه وحده، بينما يظل الجزء الآخر منه قائما منتجا الأثاره بين طرفيه. 
ثانيا: بقاء الجزء الأخر من العقد صالحا لإعمال حكمة: لا يثير عدم تنفيذ العقد بصورة إجمالية أي إشكال، إذ يمكن للمتعاقد الأخر طلب الفسخ الكلي للعقد، فيما يجسد التنفيذ الجزئي للعقد الفرق بين الالتزامات التي تعهد بها المدين، وتلك التي قام بتنفيذها. 
ولقد أورد المشرع المغربي تطبيقات للفسخ الجزئي للعقد وقابلية العقد للتجزئة في إطار فصول قانون الالتزامات والعقود، كالفصل 558 الذي تحدث عن حالة ظهور عيب في المبيع، حيث يمكن للمشتري أن يفسخ البيع بالنسبة إلى الجزء المعيب وحده، ورد ما يقابله من الثمن، إذا كان بالإمكان جزئة العقد، أو الفسخ الكلي
للبيع. وفي نفس الإطار جاء الفصل 560 من نفس القانون ليبين طريقة إنقاص الثمن لعيب شاب الشيء المبيع، إذ يتم تقويم هذا الأخير عند البيع خاليا من العيب، ثم تقويمه على الحالة التي يوجد عليها. ويتحدد المقدار الذي ينبغي إنقاصه من خلال الفرق بين ثمن المبيع في الحالة الأولى، وثمنه في الحالة الثانية.
ثالثا: عدم تنفيذ جزء من العقد أو تعيبه مع امكانية الاستغناء عن ذلك الجزء: يشترط لتطبيق قابلية التجزئة أن يكون الجزء المتبقي من العقد مما يشكل بقاؤه عقدا مستقلا، إذ تتوافر فيه أركان وشروط أي عقد. لكن دون أن يتحول بهذه الأركان لنوع آخر من العقود مغايرا للعقد الأصلي. 
ويستند العقد القابل للتجزئة على العديد من الأسس، منها ما هو قانوني، ومنها ما هو موضوعي، ومنها ما شخصي. أما الأساس القانوني، فيراد به تلك النصوص القانونية التي يضعها المشرع ويجبر الأفراد على احترامها، والمتعلقة بحالات فصل جزء من العقد بصورة حتمية، كآلية لضمان التوازن العقدي وحماية لحقوق الدائن، ونذكر من هذه الحالات ما نص عليه المشرع المغربي في قانون الالتزامات والعقود في الفصل (542) بخصوص حالة الاستحقاق الجزئي الذي يبلغ من الأهمية حدا بحيث يعيب الشيء المبيع. حيث كفل المشرع للمشتري حقه في الخيار بين استرداد الجزء الذي حصل استحقاقه، والاحتفاظ بالعقد بالنسبة للباقي، وبين فسخ البيع فسخا كليا واسترداد مجموع الثمن. أما إذا كان الجزء المستحق لم يبلغ من الأهمية الحد الكافي لتبرير الفسخ الكلي لعقد البيع، فإنه ليس للمشتري إلا إنقاص الثمن بقدر ما استحق، وهو أحد تطبيقات الفسخ الجزئي للعقد. أما الأساس الشخصي، فيقصد بذلك أن يكون الجزء المتبقي من العقد بعد جزئته ما اتفق عليه الأطراف، أي أن هذا الجزء قابل للوجود الذاتي المستقل في نظر المتعاقدين، وهذا الأمر لا يتحقق إلا إذا كان الجزء المنفصل من العقد لا يشكل مسألة جوهرية في قصدهما، أو كما يطلق عليه بالشرط أو الشق الدافع إلى التعاقد. فلو تبين أن العقد كان يشكل وحدة متكاملة في نظر أحد المتعاقدين لما كان هناك إمكانية إعمال فكرة الانتقاص، وهذا ينطبق على العقود المركبة، حيث يتم التعاقد على أساس القبول بكافة الجوانب التي تشكل الصفقة. في حين أن الأساس الموضوعي يرتكز على طبيعة محل العقد، فإذا كانت الأشياء قابلة للانقسام والتجزئة فهو كذلك، وإلا فلا تتحقق هذه
القابلية، وهو ما جاء في الفقرة الأولى من الفصل 181 من ق.ل.ع حيث يتضح من خلال استقراءها أن عدم القابلية للانقسام أو التجزئة ترجع إلى طبيعة الأشياء دون تدخل القانون أو إرادة الطرفين. 
الفقرة الثانية: أثر واقعة عدم التنفيذ الجزئي في الحكم بالفسخ الجزئي للعقد
يشترط لكي يمارس الدائن المتعاقد حقه في طلب الفسخ. توفر واقعة عدم التنفيذ الجزئي. ومن أجل النظر في طلب الفسخ، ينبغي على القاضي تقدير جسامة عدم التنفيذ للعقد كأرضية يؤسس عليها حكمه بقبول أو رفض الفسخ. ولقد اختلف الفقه حول المعيار الذي يطبقه القاضي لتقدير جسامة الإخلال بالالتزام التعاقدي، فذهب اجاه إلى اعتماد المعيار الموضوعي في تقدير واقعة عدم التنفيذ، ذلك أن محور اهتمامهم ينصب على طبيعة الالتزام. فالإخلال بتنفيذ التزام أصلي يعد إخلالا جسيما المساسه جوهر العقد من ناحية، ولتأثيره في توازنه من جهة أخرى، الشيء الذي يبرر الاستجابة لطلب الفسخ الكلي. أما الالتزام التبعي، فلا يعد عدم تنفيذه جسيما. وهو ما جسد من خلال قرار المحكمة النقض الفرنسية صدر بتاريخ 1976، والذي بموجبه رفض الحكم بفسخ عقد بيع آلة بعلة أن العيب الذي شابها لا يعتبر جسيما ولا مؤثرا إذ يمكن تصحيحه. ويتضح أن القضاء الفرنسي قد تبنى معيارا موضوعيا، ذلك أن القاضي عند نظره في الدعوى، يبحث عما إذا كان موضوع العقد لازال قائما أم لا. 
بينما استند اجاه آخر على التقدير الذاتي لجسامة عدم التنفيذ، والذي يرتكز على الوقوف عند الإرادة الحقيقية للطرفين، إذ يمكن أن تتجه إرادة المتعاقدين عند إبرام العقد إلى وجوب التنفيذ الكامل للعقد. ولا يتوقف القاضي عند هذا الحد، وإنما يهتم بمرحلة تنفيذ العقد، إذ يتوجب عليه أن يقيم سلوكات ونية المخل بالالتزام، ذلك أن جسامة عدم التنفيذ تتمثل في الفرق بين الإرادة المعلنة في العقد وحدود ترجمتها إلى أفعال عند التنفيذ. فإذا كان الجزء غير المنفذ ما يمكن تجاوزه دون أن يؤثر على الهدف من العقد، فإنه يمكن إيقاع الفسخ الجزئي، فعلى القاضي إذن التحقق من قدرة الأطراف على تحقيق الأهداف المنتظرة من إبرام العقد والفسخ الجزئي لا يمكن إيقاعه إلا في حالة نقص في العقد لعيب في التنفيذ أو عدم تنفيذ جزئي، مع إمكانية جني الأطراف المتعاقدة للفائدة المنتظرة عند إبرام العقد.
ويعتد القاضي بسلوك الطرفين، فإذا طالب الدائن بفسخ العقد بسبب إخلال المدين بالتزامه، فإن القاضي يعتد بسلوك المدين كوسيلة لتقدير جسامة عدم التنفيذ. كما أنه ينظر في طلب الدائن بناء على ما توصل إليه من معطيات حول جسامة الإخلال بالالتزام، حيث يستجيب لطلب الفسخ كلما كان المدين مسؤولا عن التنفيذ مسؤولية كاملة من أجل إلحاق الضرر بمصلحة الدائن، أي أن المدين سيء النية في التنفيذ. أما إذا كان سلوك المدين خاليا من أي خطأ، فإن الأمر يستدعي إعادة التوازن بين الالتزامات العقدية من خلال تشطير المخاطر، دونما حاجة للجوء للفسخ. 
عندما ينظر القاضي في العقد، و يتبين له أن ما لم ينفذ من العقد قليل الأهمية بالمقارنة بما نفذ، أو أن الدين حسن النية بإمكانه التنفيذ إذا خوله مهلة فإنه يرفض طلب الفسخ ويقضي بالإمهال، وهو ما نص عليه المشرع في الفصل 234 من ق.ل.ع." ولا شك أن القاضي وهو ينظر في طلب الفسخ، فإنه يأخذ بعين الاعتبار كافة العناصر والظروف المتدخلة في الموضوع إلى غاية إصدار الحكم أو القرار، وذلك لتقدير مدى جسامة إخلال المدين بالتزاماته العقدية. وفي هذا الإطار صدر حكم للمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء بتاريخ 29 دجنبر 2009، رفضت بموجبه المحكمة الاستجابة لطلب الفسخ وذلك بعلة أنه:" لم يستند على أسباب قانونية واضحة، خاصة وأن عقد البيع تام بقبض الثمن بكامله وتسليم المبيع، وأن المدعي لم يثبت واقعة عدم توفر نظير الرسم العقاري ولم يحدد بدقة باقي الوثائق الأخرى، ويتعين تبعا لذلك التصريح بعدم قبول طلب الفسخ   ، وقد تستجيب المحكمة لقرار الفسخ، فيتقرر بمقتضى حكم قضائي صادر عن المحكمة المختصة، وللقاضي في هذا الميدان سلطة تقديرية واسعة في الحكم بالفسخ أو الإبقاء على العقد.   ويتوجب عليه أن يقدر إذا كان يقضي بفسخ العقد كله أم أن يقتصر على فسخ جزء منه مع بقاء الجزء الآخر.
وعلى العموم يعد الفسخ الجزئي للعقد وسيلة قانونية يلجأ إليها القاضي لإيجاد حل الإشكالية التنفيذ الجزئي أو التنفيذ المعيب. ورغم أن الفسخ الجزئي يعتبر في نظر البعض خروجا عن مبدأ القوة الملزمة للعقد وخرقا لمبدأ سلطان الإرادة، إلا أن الواقع العملي أثبت مدى استجابته لغايات اقتصادية واجتماعية تتمثل في الحفاظ على العلاقة التعاقدية وضمان استقرار المعاملات، وذلك من خلال تصحيح الخلل الحاصل أثناء تنفيذ العقد وبالتالي إعادة التوازن بين التزامات طرفي العقد.


الاسمبريد إلكترونيرسالة