U3F1ZWV6ZTczODgxNjA1NzJfQWN0aXZhdGlvbjgzNjk3NjY4OTI5
recent
أخبار ساخنة

المقتضيات المتعلقة بالفسخ في ظهير الالتزامات والعقود /الأحكام العامة للفسخ

المقتضيات المتعلقة بالفسخ في ظهير الالتزامات والعقود /الأحكام العامة للفسخ

المقتضيات المتعلقة بالفسخ في ظهير الالتزامات والعقود /الأحكام العامة للفسخ 
مقدمة:
يعتبر العقد الركيزة الأساسية التي تقوم عليها جل المعاملات بين الناس، وهو مؤسسة قانونية تهدف إلى استقرار المعاملات وتنظيم العلاقات التعاقدية. فإذا نشأ العقد صحيحا، ومستجمعا لكافة أركانه وشروطه، تترتب عنه آثار، وأهمها القوة الملزمة للعقد، وهي التي عبر عنها بعض الفقهاء بقولهم: "من قال عقدا قال عدلا". وبمقتضى هذا المبدأ، يصبح كل طرف ملزم بتنفيذ الالتزامات الملقاة على عاتقه. غير أنه في بعض الحالات قد يتماطل ويخل أحد المتعاقدين بتنفيذ الالتزام، إما من تلقاء نفسه، أو نتيجة ظروف جعل التزامه بالتنفيذ أمرا مستحيلا ما يستعصي على الطرف الأخر الاستمرار في العقد. فيلجأ الدائن إلى بعض الآليات الدفع المدين لتنفيذ التزامه، كالدفع بعدم التنفيذ باعتباره وسيلة دفاعية للضغط على المدين لتنفيذ التزامه. وقد لا تنتج هذه الآلية آثارها المرجوة ما يدفع بالدائن الى اعتماد وسيلة أخرى المتمثلة في مؤسسة الفسخ، هذه الأخيرة تعتبر مؤسسة قانونية هجومية تهدف إلى حل العلاقة العقدية
والفسخ يعتبر مؤسسة عريقة أقرتها كل القوانين المدنية المقارنة، وهو ثمرة تطور طويل فالقانون الروماني لم يأخذ بها إلا في مراحل متأخرة عندما فتح الباب أمام العقود الرضائية، وفي الفقه الاسلامي أعطى الشرع اللبائع خيار النقد كشرط لفسخ البيع إذا لم يستوف الثمن. وكذلك سار القانون الفرنسي على هذا الدرب فقالوا بجواز الفسخ حتى لو لم يوجد شرط صريح، ولكن الفسخ كان لا يتم إلا بحكم قضائي. وقد تبلور الفسخ جيدا في القانون الكنسي باعتباره يولي أهمية كبرى لمبدأ الرضائية، إلى أن اكتسب أساسه القانوني في العقود الملزمة لجانبين في القرن 19.
والمشرع المغربي لم ينص على نظرية عامة للفسخ عكس بعض التشريعات الأخرى، وانما أورد تطبيقات لهذا النظام القانوني في فصول متفرقة من قانون الالتزامات والعقود، فقد نظمه المشرع في باب تنفيذ الالتزامات، كما وردت في آثار البيع بوجه عام حينما تحدث عن عيوب الشيء المبيع.
وتكمن أهمية مؤسسة الفسخ في صيانة حقوق الدائن الذي يستطيع بموجبها التحلل من الالتزامات المترتبة عليه بموجب العقد، عند عدم تنفيذ المدين لالتزامه. وتمكن أيضا في كون مؤسسة الفسخ من أهم الآليات التي قررها المشرع حقيقا لمبدأ التوازن العقدي.
على هذا الأساس تطفو مجموعة من الإشكالات على رأسها: كيف نظم المشرع المغربي المقتضيات المتعلقة بالفسخ في ظهير الالتزامات والعقود؟ وكيف ساهمت التطورات الاقتصادية والاجتماعية في ابراز خصوصية الفسخ في المجالين المدني والتجاري؟
من أجل الإجابة على الإشكالات المطروحة سنقوم باتباع المنهج التحليلي والتاريخي والوصفي، مع اعتماد الآراء الفقهية والاجتهادات القضائية في هذا المجال، وسنعالجها وفق التقسيم الأتي:

المبحث الأول: الأحكام العامة للفسخ.

المطلب الأول: ماهية الفسخ وأنواعه.

المطلب الثاني: آثار مؤسسة الفسخ.

المبحث الثاني: خصوصية الفسخ بين المادة المدنية والمادة التجارية.

المطلب الأول: فسخ العقود الجارية في إطار المادة التجارية.

المطلب الثاني: الفسخ الجزئي في العقود المدنية.

المبحث الأول: الأحكام العامة للفسخ


تعتبر الالتزامات التبادلية على رأس الالتزامات التي تربط الأفراد في معاملاتهم مع غيرهم، فإذا وقعت صحيحة مستجمعه لكافة أركانها وشروطها ، وجب على طرفي العقد الالتزام بتنفيذها طبقا لقاعدة العقد شريعة المتعاقدين ، لكن في حالة الاخلال بتنفيذ الالتزامات التعاقدية، من قبل أحد أطراف العقد، خول المشرع للطرف الأخر إمكانية التحلل من التزامه عن طريق الفسخ، وهذا الأخير باعتباره طريقا من طرق انقضاء الالتزام كان لزاما علينا الوقوف عليه بالدراسة وذلك بتبيان ماهيته وتعداد أنواعه (المطلب الأول) ، مع التطرق للآثار التي ترتب على الفسخ (المطلب الثاني).
المطلب الأول: ماهية الفسخ وأنواعه
يعتبر الفسخ من أهم الآليات التي قررها المشرع الانحلال الرابطة التعاقدية، فهو استثناء على القوة الملزمة التي أحاط بها المشرع العقد، ولا للفسخ من أهمية، فلابد لنا من معرفة ماهيته من خلال الوقوف على أساسه وشروطه وكذا أنواعه (المطلب الأول) وكذا الوقوف على أنواع الفسخ معرفة والمؤسسات المشابهة له (المطلب الثاني).
الفقرة الأولى: تعريف الفسخ وأساسه وشروطه
يعتبر الفسخ من أعرق المؤسسات القانونية وأكثرها استعمالا عندما يتعلق الأمر باجلال الرابطة العقدية لذلك فلابد لنا من الوقوف على حقيقة هذا المفهوم وأساسه (الفقرة الأولى) وتبيان الشروط المتطلبة (الفقرة الثانية).
أولا: تعريف الفسخ وأساسه
تعريف الفسح: لا شك أن تحديد المفهوم في أي قضية يتبوأ مكانة هامة، إذ يعتبر بمثابة الأساس من البناء. فلا يتصور مناقشة إشكالات دون تحديد وضبط المفهوم.
والفسخ لغة هو النقض، فقد قال ابن منظور، فسخ الشيء يفسخه فسخا فانفسخ: نقضه فانتقض ، وتفاسخت الأقاويل: تناقضت
وعلى مستوى الاصطلاحي، فقد تعددت الزوايا التي تم من خلالها معالجة الفسخ وتعريفه، فهناك من نظر اليه من زاوية كونه نظاما، فعرفه بأنه نظام قانوني استثنائي قائم الى جانب نظام التنفيذ، وهناك من نظر اليه من زاوية كونه جزاء، فعرفه بأنه جزاء قانوني يترتب عند الإخلال بواجب تنفيذ العقد، وقد ذهب مع هذا الاتجاه الأستاذ عبد القادر العرعاري بتعريفه للفسخ بكونه "جزاء مدني يهدف الى وضع حد للعلاقة التعاقدية عندما يحصل الاخلال بمقتضيات الاتفاق الرابط بين المتعاقدين". وهناك أيضا اجاه أخر نظر اليه من زاوية أنه طريق، فعرفه بأنه طريق من طرق حل الرابطة العقدية وازالتها.
غير أن هناك اجاه آخر دون هؤلاء عرف الفسخ بكونه حق، بحيث عرفه الفسخ بأنه "حق المتعاقد في العقد الملزم للجانبين، إذا لم يوف المتعاقد الآخر بالتزاماته الناشئ عن العقد، أن يطلب بحل الرابطة العقدية كي يتحلل هو من التزامانه"؟.
الفسخ بهذا حق قانوني يخول صاحبه إمكانية حل الرابطة التعاقدية متى أخل المدين بواجب التنفيذ بمعنى أن حق الفسخ مقترن وجودا وعدما بعدم تنفيذ المدين.
شروط الفسح، إذا ما اعتبرنا بأن الفسخ حق قانوني.. فلابد لكل حق من أساس يقوم عليه، لقد دب الخلاف بين الفقهاء حول الأساس الذي يقوم عليه الفسخ وتعدد النظريات التي تأسس لهذا الحق ولعل أبرز ما قيل في هذا الصدد، هو اعتماد الفسخ على فكرة وجود شرط فاسخ ضمني، وهناك من أسس قيامه على أساس السبب، وهناك من أرجع قيام الفسخ الى الارتباط بين الالتزامات.


الشرط الفاسخ الضمني: لقد وجدت هذه الفكرة أساسها في القانون الكنسي، لكنها تبلورت الى أن استقرت في القانون الفرنسي القديم في مادته 1184 والتي تقضي ب "أن جميع العقود الملزمة للجانبين يجوز فسخها عندما يتخلف أحد المتعاقدين عن تنفيذ التزمه على أساس وجود شرط فاسخ مفترض محله عدم التنفيذ، فإذا حقق الشرط بأن خلف أحد المتعاقدين عن التنفيذ كان للمتعاقد الآخر أن يطلب فسخ العقد"
لقد اختلف الفقه حول فكرة الشرط الفاسخ الضمني، وبعضهم أقر بعدم جدواها وعلى رأسهم الفقيه عبد الرزاق السنهوري حيث يقول: " لو صح هذا (أي التأسيس للفسخ على الشرط الفاسخ الضمني) لترتب
عليه أنه بمجرد عدم قيام المدين بالتزاماته يتحقق الشرط فينفسخ العقد من تلقاء نفسه. وهذا غير صحيح لأن الفسخ لا يكون إلا بحكم قضائي أو باتفاق، وللقاضي حق التقدير فيجيب طلب الفسخ أو يرفضه وللمدين أن يقوم بتنفيذ العقد فيتوقى الحكم بالفسخ، وللدائن أن يعدل عن المطالبة بفسخ العقد الى المطالبة بتنفيذه".
السبب: شهدت فكرة الشرط الفاسخ الضمني انتقادات شتى، أدت إلى ظهور اجاه قانوني أصل للفسخ على أساس السبب 8، واحتج أنصار هذا الطرح بأن "السبب يعتبر عنصرا فنيا في الالتزام ؛ والسبب الفني يؤدي وظيفتين، فهو عنصر في نشوء الالتزام وهو بهذا الوصف يجب أن يتوافر وقت نشوء الالتزام وإلا كان باطلا، وهو كذلك عنصرا في نفاذ الالتزام وهو بهذا الوصف يجب أن يتوافر وقت تنفيذ الالتزام، فإن لم ينفذ الالتزام يجب أن يفسخ العقد المنشئ لذلك الالتزام ويزول الالتزام تبعا لذلك"9. ولقد تعرضت فكرة السبب هذه الكثير من الانتقادات منها أن انعدام السبب في الالتزامات المتقابلة يؤدي الى بطلان العقد وليس قابليته للفسخ لكون أن السبب يرتبط أساسا بمرحلة تكوين العقد وليس بمرحلة تنفيذه 10.
الارتباط بين الالتزامات: قال بهذه الفكرة مجموعة من الفقهاء على رأسهم العلامة السنهوري في كتابه الوسيط "..نؤثر..أن جعل نظرية الفسخ مبنية على فكرة الارتباط ما بين الالتزامات المتقابلة في العقود الملزمة للجانبين، إذ أن طبيعة هذه العقود تقتضي أن يكون التزام أحد المتعاقدين مرتبطا بالتزام المتعاقد الآخر فيبدو أمرا طبيعيا عادلا أنه إذا لم يقم أحد المتعاقدين بالتزامه ، جاز للمتعاقد الآخر أن يوقف هو من جانبه تنفيذ ما في ذمته من التزام، وهو الدفع بعدم التنفيذ، أو أن يتحلل نهائيا من هذا الالتزام، وهذا هو الفسخ.

ثانيا: شروط الفسخ

يلزم للحديث عن الفسخ، توافر الشروط التي وضعها المشرع لقيام الفسخ، وهي التي ذكرها المشرع المغربي في الفصل 559 من ق.ل.ع. ومن أهمها:
أن مجال الفسخ ينحصر في العقود التبادلية: مجال الفسخ في العقود التبادلية، بما فيها العقود الملزمة الجانب واحد إذا كانت بمقابل كما هو الشأن بالنسبة للقرض والعارية وأيضا الهبة بعوض.. وبهذا خرج تصرفات الإرادة المنفردة والعقود الملزمة لجانب واحد، ما لم تكن مثقلة بالتزامات، فلا يمكن أن تكون قابلة للفسخ. فالالتزامات في العقود التبادلية تقوم على ارتباط الالتزامات المتقابلة بشكل لا يتصور معه قیام أحدهما دون قيام الآخر، الأمر الذي يؤدي إلى أنه إذا لم ينفذ أحد أطراف ما عليه من التزامات، فإنه يكون من مصلحة الطرف الآخر إما طلب التنفيذ الذي كان سبب في إبرامه للعقد وإما طلب الفسخ لإنهائه العقد وإعادة الوضع إلى الحالة التي كان عليها قبل ابرامها.
أن خل أحد المتعاقدين بتنفيذ التزاماته: يشترط أن يخل المدين بالتزامه التعاقدي شريطة أن يكون الاخلال راجع لخطأ المدين ذاته، أما إذا كان عدم التنفيذ راجعا لسبب أجنبي، وأدى ذلك لاستحالة التنفيذ، فإن التزام المدين ينقضي وينقضي معه التزام الدائن. والاخلال بالتنفيذ في ميدان العقود يتخذ أكثر من مظهر قانوني، فهو قد يكون إيجابيا أو سلبيا وقد يكون كليا أو جزئيا، ويعتبر مجرد التأخر في تنفيذ الالتزام سببا كافيا للفسخ.
عدم تقصير طالب الغسخ في تنفيذ التزاماته: يشترط أن يكون طالب الفسخ قد نفذ التزامه أو مستعدا لتنفيذه، فإن هو لم ينفذه وليس له استعداد فلا يحق له المطالبة بفسخ العقد لعدم قيام الطرف الآخر بتنفيذ ما في ذمته من التزام، إذا ليس من العدل أن يحل هو بالتزامه ثم يطالب بالفسخ بسبب اخلال الطرف الآخر بالتزام.
أن يكون طالب الفسخ قادرا على ارجاع الحال الى ما كانت عليه قبل العاقد : ومعناه أن تكون للمدين الامكانية للعودة الى الحالة ما قبل التعاقد عن طريق ارجاع الحال الى ما كانت عليه. فإن تعذر الوصول إلى هذه الوضعية بسبب من الأسباب التي تعوق ارجاع الأطراف إلى وضعية ما قبل التعاقد إن أمكن ذلك. كهلاك المعقود عليه أو تعيبه أو صعوبة رده إلى صاحبه، فان المحكمة لها من الحلول في إطار سلطتها التقديرية ما يمكنها من إعادة التوازن للمراكز الاقتصادية لأطراف العقد كالحكم بالتعويض
ولا تعدو أن تكون هذه الشروط شروطا موضوعية فقط، وهي لا ختلف بين أنواع الفسخ كافة، وتوجد الى جانبها شروط إجرائية تتمثل في ضرورة الاعذار وصدور حكم قضائي في الفسخ القضائي، وتمسك الدائن بالفسخ في الفسخ الاتفاقي.

الفقرة الثانية: تمييز الفسخ عن المؤسسات المشابهة وأنواعه

أولا: تمييز الفسخ عن المؤسسات المشابهة

كثيرا ما قتلط المفاهيم المتشابهة مع بعضها البعض، اما لتشابها من حيث أساس قيامها أو أركانها أو آثارها، ونفس الأمر بالنسبة للفسخ فهو يشابه الكثير من المفاهيم من حيث الغاية المتوخاة من هذه المؤسسة، ألا وهي حماية القوة الملزمة للعقد، ولما كان الفسخ ليس هو الوحيد لحل الرابطة التعاقدية لأنه توجد أنظمة أخرى تؤدي نفس إلى نفس الطريق، لذلك ارتأينا تمييز الفسخ عن باقي الأنظمة المشابهة مثل البطلان (أولا) والدفع بعدم التنفيذ (ثانيا) والمسؤولية العقدية (تالتا) درء لأي خلط بين هذه المفاهيم
قبيز الفسخ عن البطلان: يجب التمييز بين البطلان والفسخ لكونهما يتفقان في الأثر المترتب على كل منهما، والمتمثل في انعدام الرابطة التعاقدية، بل إن زوال العقد الباطل والعقد القابل للفسخ يتم بأثر جعي. غير أن هناك اختلاف واضح بينهما، حيث إن البطلان هو بمثابة جزاء قانوني نتيجة عدم توفر أحد أركان العقد أو شرط من شروط الصحة، في حين أن الفسخ هو جزاء عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزاماته المحددة في العقد القائم بينهما. ومن جهة ثانية، فإن هناك فارق مهم بين البطلان والفسخ، وذلك على مستوى نطاق كل منهما، فإذا كان يتصور خقق البطلان سواء تعلق الأمر بالعقود الملزمة لجانب واحد أو العقود الملزمة لجانبين، فإن جزاء الفسخ لا يمكن المطالبة به إلا في نطاق العقود الملزمة لجانبين. كما أسلفنا في السابق. ويتميز البطلان عن الفسخ في كون أن البطلان يرجع إلى خلل في تكوين العقد، بينما الفسخ ينشأ العقد سليما مستوفيا اركان انعقاده، ثم حصل أن أخل أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه فلجأ الطرف الآخر إلى طلب فسخ العقد ليتحلل هو أيضا من الالتزام المترتب عليه"
تمييز الفسخ عن الدفع بعدم التنقيد : يتمثل الدفع بعدم التنفيذ  في أن المتعاقد له الحق في الامتناع عن تنفيذ التزاماته تجاه الطرف الآخر حتى يقوم هذا الأخير بتنفيذ ما التزم به إزاء الطرف الأول. في العقود الملزمة لجانبين  نميز بين نظام الدفع بعدم التنفيذ والفسخ من حيث الغاية، فهذا الأخير يهدف إلى إزالة الرابطة التعاقدية من الوجود. وإرجاع الأطراف الى حالة ما قبل التعاقد على العكس من هذا فنظام الدفع بعدم التنفيذ هو وسيلة لحث المتعاقد الآخر على إتمام العقد، بمعنى أن هدفه هو ضمان تنفيذ العقد. كما نميز بينهم من حيث الإجراءات فنظام الدفع بعدم التنفيذ تتم إثارته من غير الحاجة الى التقيد بالإجراءات التمهيدية التي تسبق دعوى الفسخ كالإنذار وغيرها.
تبيز الفسخ عن المسؤولية العقدية: هناك تشابه بين نظام الفسخ والمسؤولية العقدية من حيث أن كل منها جزاء لعدم قيام المدين بتنفيذ التزامه التعاقدي، لكن هناك فوارق تفصل بينهما، فالمسؤولية العقدية تترتب عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية عامة يستوي في ذلك أن يكون التصرف ملزما لجانبين أو ملزم الجانب واحد، في حين أن الفسخ لا يمكن تصوره إلا في التصرفات التبادلية، كما أن هناك فارق أخر يتجلى في التعويض المستحق للطرف المضرور في إطار قواعد المسؤولية العقدية قد يتحقق في غير الحالات التي يتقرر فيها الفسخ، ثم إن الفسخ يهدف إلى إزالة الرابطة التعاقدية وحلها، أما التعويض المستحق في إطار المسؤولية العقدية فهو يهدف إلى جبر الضرر الناشئ عن الإخلال بالالتزامات العقدية مع احتفاظ العقد بوجوده من الناحية القانونية.
ثانيا: أنواع الفسخ يتخذ فسخ العقد من الناحية العملية أحد المظاهر التالية، وهو ثلاثة أنواع: 

الفسخ القضائي :

وهو الذي توقعه المحكمة إذا توفرت شروطه. ومن أهم شروطه: أن يتعلق الأمر بعقد ملزم جانبين وأن يحصل الإخلال أو التماطل في تنفيذ الالتزامات المتقابلة كما أسلفنا سابقا فيما يتعلق بشروط الفسخة بالإضافة لضرورة توفر شرط مهم وهو:
ضرورة التقيد بالإنذار اللازم لتحقق المطل:
يشترط لقبول دعوى المطالبة بالفسخ، أن تسبق بالإخطار اللازم لجعل المدين أو الدائن في حالة مطل. وتظهر أهمية هذا الإنذار في الأحوال التي يكون فيها الالتزام غير محدد المدة. وهو ما أشار إليه المشرع المغربي في الفصل 255 من ق.ل.ع ، إذ قال:" يصبح الدين في حالة مطل بمجرد حلول الأجل المقرر في السند المنشئ للالتزام. فإن لم يعين للالتزام أجل، لم يعتبر الدين في حالة مطل، إلا بعد أن يوجه إليه أو نائبه القانوني إنذار صریح بوفاء الدين، ويجب أن يتضمن هذا الانذار:
- طلبا موجها إلى المدين بتنفيذ التزامه في أجل معقول
- تصريحا بأنه إذا انقضى هذا الأجل، فإن الدائن یکون حرا في أن يتخذ مايراه مناسبا إزاء المدين.
ويجب أن يحصل هذا الانذار کتابة، ويسوغ أن يحصل ولو ببرقية أو برسالة مضمونة أو بالمطالبة القضائية ولو رفعت من قاضي غير مختص."
وجدر الإشارة إلى مجموعة من الملاحظات:
- أولها: أن الإنذار المشار له في المادة 255 من ق.ل.ع يشكل القاعدة العامة في ميدان المداينات والالتزامات الشخصية التي لم يحدد أجلا للوفاء بها، أما بالنسبة للالتزامات المحددة الأجل، فإن مجرد انتهاء المدة دليل على ثبوت المطل في جانب الطرف الذي يتعين عليه المبادرة بالتنفيذ أولا. 
- أن مضمون الإنذار الوارد النص عليه في الفصل 255 من ق.ل.ع قد لا يكون صالحا للتطبيق في بعض الميادين الخاصة التي تستوجب إنذارا من نوع خاص، وهذا ما ينطبق مثلا على إشعار الإفراغ اللازم في ميدان الكراء المدني حيث إن الفصل 9 من ظهير 1980/ 12 / 25 ينص على أنه يجب أن يتضمن الاشعار بالإفراغ حت طائلة البطلان: شموله مجموع المحلات المکراة بكافة مرافقها، بيانه للأسباب المثارة من طرف المكري، الإشارة إلى أجل ثلاثة أشهر على الأقل.
وما قيل عن الإفراغ في ميدان الكراء المدني يقال عن الإفراغ في ميدان المحلات التجارية والحرفية إذ أن الفصل 6 من ظهير 1955 يؤكد على أن الإنذار بالإفراغ يتعين فيه أن يكون مستجمعا الشكليات من نوع خاص، تحت طائلة البطلان ومن خلال الاطلاع على مقتضيات الفصل 27 من الظهير، يتبين أن الشكليات تتمثل في أن يتم توجيه الإنذار من المكري إلى المكتري قبل انقضاء العقدة بستة أشهر على الأقل، وأن يتضمن الإعلام عبارة تشير إلى الأسباب الموجبة للإفراغ.
النوع الثاني: 

الفسخ القانوني: 

يتحقق الفسخ بقوة القانون أو الانفساخ عند ثبوت الأسباب الموجبة له. ومن أهم الأسباب هو استحالة تنفيذ الالتزام بفعل سبب أجنبي لا يد للمدين فيه كالقوة القاهرة أو خطأصادر عن الدائن أو الغير. وفي قانون الالتزامات والعقود الكثير من النصوص التشريعية التي تؤكد هذا الانفساخ، ومن ذلك الفصل 659 من ق.ل.ع الذي ورد فيه:" إذا هلكت العين المكتراة أو تعيبت أو تغيرت كليا أو جزئيا حيث أصبحت غير صالحة للاستعمال في الغرض الذي اكتريت من أجله وذلك دون خطأ أي واحد من المتعاقدين. فإن عقد الكراء ينفسخ من غير أن یکون لأحدهما على الآخر أي حق في التعويض ولا يلزم المكتري من الكراء إلا بقدر انتفاعه".
ومن خلال التمعن في صيغة الفصل، يتبين أنه يتضمن الإشارة إلى بعض الأسباب الموجبة الانفساخ عقد الكراء، وهي هلاك العين المكتراة بأفة سماوية كالزلزال أو بتدخل من الإنسان كالحريق، وكذلك تعيب العين المكتراة أو تغير شكلها، فهذه الأسباب الثلاثة إذا جعلت العقار غير صالح للاستعمال المتفق عليه بين الأطراف، فإن عقدة الكراء تنفسخ بقوة القانون. وهو ما اتضح من خلال الحكم الذي صدر عن محكمة الاستئناف، فقد اعتبرت تهدم العين المكتراة نتيجة لاندلاع الحريق سببا لإقرار انفساخ العقد، وبموجب ذلك فإنه يتعين على المكتري الامتناع عن أداء وجيبة الكراء للمالك. 
وما سبق اتضح أن الانفساخ جزاء قانوني يقرره القانون بسبب تعذر الوفاء بالالتزامات المتقابلة ويشترط لانفساخ العقد بقوة القانون توافر الشروط التالية:
- أن يتعلق الأمر بعقد ملزم لجانبين
- أن تصبح التزامات أحد الأطراف مستحيلة استحالة مطلقة كهلاك موضوع الالتزام أو تعيبه نتيجة لفعل طارئ جعله غير صالح لما أعد له حسب طبيعته أو بمقتضى العقد.
. أن تكون الاستحالة ناشئة بعد إبرام العقد أو على الأقل أثناء تنفيذه کهلاك الشيء أو تعيبه بالشكل الذي يحول دون الحصول على منفعته.
 يتوجب أن تكون الاستحالة راجعة لسبب أجنبي لا يد للمدين فيه،   ويتحقق ذلك في حالة القوة القاهرة والاستحالة التي يتسبب فيها الدائن أو الغير أو الاستحالة التي يتسبب فيها الدائن لا تؤدي إلى الانفساخ، وإنما إلى يتعين استصدار حكم الفسخ القضائي، وقد يلجأ القاضي إلى إرغام المدين على الوفاء متى كان ذلك ممكنا.
النوع الثالث:

 الفسخ الاتفاقي:

 يتقرر هذا الفسخ بناء على اتفاق الأطراف على إدراج شرط فاسخ صريح في العقد24 ولقد أشار قانون الالتزامات والعقود المغربي إلى جواز مثل هذا الاتفاق في الفصل 260 الذي جاء فيه:" إذا اتفق المتعاقدان على أن العقد يفسخ عند عدم وفاء أحدهما بالتزاماته وقع الفسخ بقوة القانون بمجرد عدم الوفاء".
ومن تطبيقات هذه القاعدة في ميدان عقد البيع، نجد حالة ما نص عليه ق.ل.ع الذي جاء فيه بأنه إذا اشترط بمقتضى العقد أو العرف المحلي أن البيع يفسخ إذا لم يؤد الثمن، فإن العقد ينفسخ بقوة القانون بمجرد عدم أداء الثمن في الأجل المتفق عليه "

المطلب الثاني: آثار مؤسسة الفسخ









الاسمبريد إلكترونيرسالة