U3F1ZWV6ZTczODgxNjA1NzJfQWN0aXZhdGlvbjgzNjk3NjY4OTI5
recent
أخبار ساخنة

قرارات صادرة عن المجلس الاعلى للحسابات في مادة التاديب المتعلق بالميزانية والشؤن المالية

قرارات صادرة عن المجلس الاعلى للحسابات في مادة التاديب المتعلق بالميزانية والشؤن المالية


تمهيد 

طبقا للفصل 147 من دستور المملكة، يعتبر المجلس الأعلى للحسابات الجهاز الأعلى للرقابة على المالية العامة ببلادنا حيث يتحقق من سلامة العمليات المتعلقة بمداخيل ومصاريف الأجهزة الخاضعة لمراقبته بمقتضى القانون، ويقيم كيفية تدبيرها لشؤونها، ويتخذ، عند الاقتضاء، عقوبات عن كل إخلال بالقواعد السارية على العمليات المذكورة كما يبذل مساعدته للبرلمان والحكومة والسلطة القضائية وعلى غرار الأجهزة العليا للرقابة على المالية العامة في الدول التي تعتمد النموذج القضائي، يتولى المجلس من أجل القيام بهذه المهام ممارسة نوعين من الاختصاصات ينظمهما القانون رقم 99-62 المتعلق بمدونة المحاكم المالية، وهي: اختصاصات قضائية تتجلى في التدقيق والبت في حسابات الأجهزة
العمومية المدلى بها من طرف المحاسبين العموميين أو المحاسبين بحكم الواقع، وفي التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية، واختصاصات غير قضائية تتمثل في مراقبة تدبير المؤسسات والأجهزة العمومية لأجل تقديره من حيث الكيف واقتراح الوسائل الكفيلة بتحسين طرقه والزيادة في فعاليته ومردوديته ومستوى أدائه، وكذا مراقبة استخدام الأموال العمومية. وهكذا، وفي إطار الاختصاصات القضائية، يهدف اختصاص المجلس في مادة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية إلى معاقبة كل مسؤول أو موظف أو عون بأحد الأجهزة الخاضعة لاختصاصه في هذا المجال،
وذلك في حالة ارتكابه لإحدى المخالفات المنصوص عليها في المواد 54 و55 و56 من مدونة المحاكم المالية، وبعد رفع القضية من طرف النيابة العامة لدى المجلس سواء من تلقاء نفسها أو بناء على الطلبات الصادرة عن السلطات المؤهلة قانونا، والمحددة على سبيل الحصر في المادة 57 من المدونة وبمقتضى الفقرة الثانية من المادة 23 من هذه المدونة، أسندت ممارسة هذا الاختصاص لغرفة مختصة بالمجلس. في هذا السياق، يجدر التذكير بأن قضايا التأديب المالي المرفوعة أمام المجلس الأعلى للحسابات في إطار القانون رقم 12 - 79 (الفصل 56 منه)، ابتداء من سنة 1994 إلى حدود سنة 2002، همت التسيير المالي المرافق للدولة ولمؤسسات عمومية ولجماعات
محلية، وذلك بناء على طلبات أغلبها من سلطات خارجية (الوزراء). وقد ظل البعض منها رائجا أمام المجلس بعد دخول الكتاب الأول من مدونة المحاكم المالية حيز التنفيذ في فاتح يناير 2003 ونظرا للمستجدات التي جاءت بها مدونة المحاكم المالية، خاصة على مستوى التفاعل الوظيفي بين مختلف الاختصاصات القضائية وغير القضائية للمجلس، يلاحظ أن كل طلبات رفع القضايا التي أحيلت على المجلس منذ
دخول هذه المدونة حيز التنفيذ تمت من سلطات داخلية بالمجلس فقط، لاسيما هيئات الغرف القطاعية به في إطار ممارستها لاختصاص مراقبة التدبير ويبت المجلس في هذه القضايا من خلال إصدار قرارات سواء بعدم مؤاخذة الأشخاص المتابعين أو الحكم عليهم بغرامات مالية، وعند الاقتضاء، بإرجاع الأموال المطابقة للخسارة التي تسببت فيها المخالفات المرتكبة، طبقا للمادة 66 من مدونة المحاكم المالية وتطبيقا لمقتضيات الفصل 148 من الدستور، وإعمالا للمسطرة المنصوص عليها في المادة 113 من مدونة المحاكم المالية، أصدر الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، بعد استشارة هيئة الغرف المجتمعة في اجتماعها المنعقد بتاريخ 18 ماي 2015، مقررا بالنشر الجزئي لمجموعة من القرارات الصادرة عن المجلس في مادة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية. ويشكل هذا النشر الأول من نوعه للقرارات الصادرة عن المجلس الأعلى للحسابات في هذا المجال منذ إحداثه، وإن كانت هذه المادة القضائية قد شكلت موضوع نشر من خلال قرارات صادرة عن المجلس الأعلى (محكمة
النقض حاليا) بعد بته في بعض طلبات النقض الموجهة ضد قرارات المجلس الأعلى للحسابات في مجال التأديب المالي، الصادرة في إطار القانون رقم 79-12 المذكور أعلاه. واعتبارا لذلك، يسعى المجلس من خلال نشره لهذه القرارات إلى إبراز الطابع العقابي لاختصاصه القضائي في مجال التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية وتوضيح عناصر وأسس قيام مسؤولية المدبرين العموميين من خلال حالات عملية، وكذا المساهمة في إرساء قواعد حسن التدبير العمومي وتوضيح المقتضيات القانونية التي تسري على هذا التدبير وإبراز الإكراهات التي يواجهها بما من شأنه إشاعة ثقافة حسن التدبير وتدعيم مبادئ وقيم الحكامة الجيدة ولإضفاء الطابع البيداغوجي على هذه العملية، لم يعتمد في عملية انتقاء القرارات معيار أهمية العقوبة، بل تم نشر
قرارات قضى فيها المجلس بعدم مؤاخذة المتابعين لعدم ثبوت مسؤوليتهم أو بغرامات ضعيفة لكنها تتضمن قواعد مهمة في التدبير أو تبرز الظروف المحيطة بالمخالفات المرتكبة، التي تتم مراعاتها عند تقدير مبلغ الغرامة كظروف تخفيف أو تشديد العقوبة المحكوم بها. ويروم المجلس من خلال ذلك إثارة الانتباه إلى الثغرات والاختلالات التي تشوب التدبير العمومي، وذلك قصد العمل على تجاوزها في المستقبل، لاسيما في الحالات التي تنتج فيها هذه المخالفات عن ممارسات متواترة أو اختلالات في تنظيم المرفق المعني أوضعفا في نظام المراقبة الداخلية ... إلخ
ولئن كانت أغلب المخالفات موضوع هذه القرارات تتعلق بحالات عدم التقيد بالنصوص القانونية المطبقة على تنفيذ عمليات الموارد والنفقات العمومية في مختلف مراحل تنفيذها، سواء في مجال المداخيل أو الصفقات العمومية أو الموارد البشرية أو الممتلكات، وبصفة عامة القواعد المنظمة للتدبير المالي العمومي، فقد لوحظ في السنوات الأخيرة، تنامي المخالفات ذات الصلة بسوء التدبير انعكاس لتصاعد عدد القضايا الرائجة أمام المجلس والمتعلقة بالمؤسسات والمقاولات والشركات العمومية
أما بالنسبة للأفعال التي قد تستوجب عقوبة جنائية لاتسامها بخطورة أكبر، والتي يكتشفها المجلس في إطار ممارسة مختل اختصاصاته الرقابية، فيتم رفع تقارير بشأنها إلى الوكيل العام للملك لدى المجلس الإحالتها على وزير العدل قصد إعمال مسطرة المتابعة الجنائية، كما تنص على ذلك المادة 111 من مدونة المحاكم المالية، والتي كرست المبدأ الذي يقضي بقابلية تراكم المتابعات أمام المجلس في مادة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية مع الدعوى الجنائية
ويجد مبدأ قابلية التراكم أساسه في كون عناصر المسؤولية في مادة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية تختلف عن تلك المتعلقة بالمسؤولية الجنائية، إذ تتجاوز هذه الأخيرة وظيفة تدبير المال العام لكونها تهدف إلى معاقبة الإخلال بواجب الاستقامة وحفظ الأمانة، في حين تتسم المسؤولية في مادة التأديب المالي بطبيعة إدارية و عقابية لا يشترط القيامها توفر الركن المعنوي، وتهدف من خلال عقوبات مالية إلى حماية النظام المالي العمومي الذي تحكمه قواعد قانونية خاصة على صعيد آخر، وإذا كانت أولى القضايا التي حكمت فيها غرفة التأديب المتعلق بالميزانية والشؤون المالية بالمجلس بإرجاع الأموال المطابقة للخسارة التي تسببت فيها المخالفات المرتكبة برسم البعض من هذه القضايا ما تزال رائجة حاليا أمام المجلس حيث تم الطعن فيها بالاستئناف، فإن القرارات المنشورة أصبحت نهائية بعد انصرام أجل الطعن القانوني بشأنها. وحتى لا تتخذ عملية النشر هذه طابع العقوبة التكميلية، خاصة بالنسبة للأشخاص المحكوم عليهم بغرامات مالية، فقد تم اعتماد النشر الجزئي لهذه القرارات من خلال عدم ذكر أسماء المتابعين والأجهزة المعنية، وكل الاشارات التي من شأنها تحديد المتابعين المعنيين، خاصة وأن مدونة المحاكم المالية لم تسند اتخاذ قرار نشر القرارات الهيئة التي تبت في جوهر القضية، مما لا يضفي على هذا النشر طابع الردع الخاص، عكس ما هو عليه الأمر في المادة الجنائية حيث تتولى الهيئة عند تقدير العقوبة البت، كذلك، عند الاقتضاء، في نشر القرار من عدمه جزئيا أو كليا
وعلاوة على ذلك، ومن أجل تسهيل الاطلاع على مضمون هذه القرارات، تم استخراج وإبراز أهم القواعد والمبادئ التي تتضمنها. كما حذفت منها تفاصيل الاجراءات المسطرية المتخذة بشأن كل ملف والمضمنة في القرار الأصلي، حيث تم الاكتفاء بالأساسية منها.
وتبعا لما سبق، لم تعد هذه القرارات تتسم بالطابع الشخصي بالنسبة للمسؤولين الذين صدرت في حقهم باعتبار آثارها المباشرة على وضعياتهم المادية والمعنوية، بل تمتد القواعد موضوعها، أيضا، إلى مدبري أجهزة عمومية أخرى قد تتشابه من حيث خصائص التدبير والقواعد التي تحكمه والاكراهات التي يواجهها هذا التدبير. كما تمنح للباحثين والمهتمين والرأي العام المجال لإغناء النقاش حول إشكاليات التدبير العمومي وطرق تجاوزها، وتكريس الاجتهاد القضائي في مجال مسؤولية المدبرين العموميين وتدعيم مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة





الاسمبريد إلكترونيرسالة