U3F1ZWV6ZTczODgxNjA1NzJfQWN0aXZhdGlvbjgzNjk3NjY4OTI5
recent
أخبار ساخنة

عرض حول السياسة العقابية والوقائية للدولة

عرض حول السياسة العقابية والوقائية للدولة


مقدمة
إن الجريمة ظاهرة اجتماعية ارتبطت بالإنسان وعرفت منذ وجوده، وتطورت وتعقدت أشكالها وتنوعت مناهجها ووسائلها مع تقدم المجتمعات وتطورها، ونظرا لما تخلفه هذه الظاهرة من أضرار على الدول بصفة عامة كانت ولا تزال محل اهتمام العديد من الباحثين والدارسين ورجال القانون سعيا منهم في معالجتها والقضاء عليها. فوضعت لها في بداية الأمر عقوبات كان هدفها الانتقام للجماعة من المحرم فاختلفت اساليب هذا
الانتقام بين القتل والتعذيب والنفي، بل تعدت حتى إلى أهل المذنب وقبيلته فكانت
تقام الحروب بين القبائل وتباد عن آخرها بسبب ذنب ارتكبه أحد أفرادها، ومع تطور المجتمعات بدأت تتغير النظرة للجريمة وتحولت إلى الاهتمام بالجاني وطرق المعاملة معه، فظهرت أفكار جديدة لعل أهمها كان تفريد العقوبة وشخصية العقوبة وكذا المسؤولية الجنائية... مشكلة فيما بينها ما يعرف بالسياسة الجنائية.
بالرغم من أن مدلول السياسة الجنائية ليس من الوضوح الكافي حتى نتبين أبعاده الأول وهلة إلا أنه يمكن القول بأنه لا يكفي لمعالجة مشكلة الجريمة تحديد ماهيتها ورد الفعل المترتب عليها وبيان وسائل منعها ما لم تعرف بادئ الأمر ما هي الخطة التي تعالج على أساسها هذه المشكلة، وبدون معرفة الخطة سوف تتم معالجة مشكلة الجريمة في صورة ارتجالية ووفقا لحلول متنافرة لا ترتبط ببعضها بوثاق متين يوحدها جميعا نحو أصل واحدة. وقد أثار تحديد السياسة الجنائية العديد من المشكلات التي تحيط عادة بكل عمل علمي يهدف إلى البحث عن الحقيقة، حيث ظهر مفهومها لأول مرة في أواخر القرن 17 على يد الفقيه الألماني فيورباخ والذي عرفها: " مجموع الوسائل التي يمكن اتخاذها في وقت محدد في بلد معين من أجل مكافحة الإجرام فيه"، في حين اعتبر مارك آنسل أن الهدف من السياسة الجنائية هو الوصول إلى أفضل صياغة لقواعد القانون الجنائي الوضعي وتوجيه كل من المشرع الذي يسن القانون والقاضي الذي يقوم بتطبيقه والمؤسسات العقابية المكلفة بتنفيذ ما يقضي به القاضي.
وتعتبر السياسة العقابية بالإضافة إلى السياسة الوقائية فرع من فروع السياسة الجنائية، حيث تهتم الأولى بتنفيذ جزء محدد من السياسة الجنائية والمرتبط أساسا بالقانون الجنائي والمسطرة الجنائية باعتبارهما آليتين محوريتين في تحديد ردود الفعل اتجاه الجريمة، وهي أيضا- السياسة العقابية - التتمة المنطقية لدراسة النظرية العامة للجريمة، إذ بدون جريمة لا مجال للحديث عن الجزاء الجنائي؛ وهي أيضا مجموعة من التصورات والتوجهات العقابية التي تراها الدولة مناسبة في فترة زمنية محددة لمكافحة الجريمة ومعاقبة مرتكبيها، حيث يتم تحديدها وصياغتها في نصوص وقواعد قانونية
من طرف السلطة التشريعية على أن يتم تطبيقها وتنفيذها من طرف المؤسسات القضائية والإدارية المختصة بذلك؟.
وقد مرت السياسة العقابية بالمغرب بمجموعة من الأحداث والوقائع، فالمغرب قبل 1913 لم يكن يعرف تقنینا جنائيا بالمفهوم الوضعي وإنما كانت أحكام الشريعة الإسلامية في الحدود التعازير والقصاص هي القائمة آنذاك. لكن بعد فرض الحماية على المغرب بدأت موجات التغيير تلامس النظام الجنائي القائم حيث صدر ظهير 12 غشت 1913 يأمر بتطبيق القانون الجنائي والمسطرة الجنائية الفرنسيين أمام المحاكم التي أقامتها فرنسا بالمغرب على الأشخاص الخاضعين إلى اختصاص هذه المحاكم. وبعد حصول المغرب على الاستقلال، انطلقت المجهودات لتوحيد التشريع المغربي، فتم إصدار القانون الجنائي في 26 نونبر 1962 والذي تأثر فيه المشرع المغربي بمحتويات النصوص الجنائية المقارنة وخاصة القانون الجنائي الفرنسي، والذي تضمن مجموعة من الآليات العقابية الجديدة، كما استفاد واضعو القانون الجنائي من الدراسات الحديثة في مجال العدالة الجنائية وعلوم الإجرام والعقاب في نهج سياسة  عقابية حديثة تتلاءم مع خصوصيات المجتمع المعاصر. في حين تعتبر السياسة الوقائية مجموعة من الطرق والوسائل والبرامج والاستراتيجيات التي تضعها الدولة للحيلولة دون وقوع الفعل الإجرامي بمشاركة الأفراد والخواص والجمعيات. وقد ظهرت السياسة الوقائية تقريبا في منتصف القرن الثامن عشر مع ظهور أفكار المدرسة التقليدية على يد مؤسسيها بيکاريا وبينتام واللذين طالبا بأن تكون للعقوبة أهداف محددة وصفات معينة حتى تحقق العدل والمساواة، حيث يتضح الفكر الوقائي في أفكارهما في محاولة الإقناع بأهمية الأهداف الوقائية المسبقة المترتبة من العقوبة إذا اتصفت بالعدل والمساواة.
ثم جاءت المدرسة الوضعية التي تعد بمثابة بداية علم الإجرام الحديث التي اعتمدت المنهج الوضعي في دراسة المحرم دراسة علمية منظمة، حيث توصلت إلى نتيجة مفادها أن الجريمة
ظاهرة حتمية وهذه النتيجة تتضمن في طياتها جوانب وقائية من حيث محاولة اكتشاف ومعرفة هؤلاء الأفراد الذين يتميزون بصفات الاستعداد الإجرامي حتى يتم التعامل معهم وقائيا وعلاجيا وليس عقابيا صرفا. ويلاحظ من خلال أفكار
فيري (أحد أقطاب هذه المدرسة) أنه وضع الأسس التي تقوم عليها الوقاية من الجريمة في العصر الحالي ألا وهي معالجة المصدر أو المنبع الذي له دور في بروز شخصية المحرم (الوقاية القبلية وذلك من قبيل مكافحة ظواهر المخدرات والتشرد...
ثم جاءت مدرسة الدفاع الاجتماعي وطالبت أن يكون هناك تحرك اجتماعي جاد لوقاية المجتمع من الجريمة والأفراد أنفسهم من الوقوع في الجريمة وذلك من خلال التدخل الأجل إصلاح أنظمة المجتمع لأنه يعتبر أفضل وسيلة لمكافحة الظاهرة الإجرامية.
إن الأفكار التي جاءت بها هذه المدارس قد أثمرت جهودها وذلك بتكوين توجه يؤمن بأهمية العمل الوقائي في مواجهة الجريمة، وبدأت هذه المرحلة منذ بداية
القرن العشرين تقريبا بحيث أصبحت معظم التشريعات الحديثة تركز على الجانب الوقائي أكثر من الجانب العقابي . ولعل أهمية الموضوع تكمن في أنها تبين الجهود المبذولة من طرف الباحثين والدولة على حد سواء
في إصلاح المجرم والبحث عن العقوبة الأنجع والأصلح لمنعه من العودة إلى إجرامه وجعله بذلك فردا صالحا في المجتمع. كذلك يبرز هذا الموضوع دور السياسة الجنائية سواء العقابية أو الوقائية في معالجة الجرم والبحث عن أنجع الطرق والسبل والوسائل والعقوبات المنع الظاهرة الإجرامية. هذا يدفعنا إلى طرح إشكالية محورية وهي كالتالي :
إلى أي حد استطاعت الدولة المغربية في ظل السياسة الجنائية الحديثة فج سياسة عقابية ووقائية فاعلة للحد من ظاهرة الجريمة؟
والتي تحيلنا على إشكاليات فرعية من قبيل:
ما هي معيقات السياسة العقابية بالمغرب؟
وما هي توجهاتها الجديدة؟
وما دور القانون الجنائي في الوقاية من الجريمة؟
وأي دور للمجتمع في الحد منها؟
أسئلة ضمن أخرى سنحاول مقاربتها من خلال هذا الموضوع عبر مبحثين :

المبحث الأول: السياسة العقابية بالمغرب واقع وآفاق
المبحث الثاني: السياسة العامة للدولة في الوقاية والمنع من الجريمة
 


عرض حول السياسة العقابية والوقائية للدولة  تحميل PDF

الاسمبريد إلكترونيرسالة