U3F1ZWV6ZTczODgxNjA1NzJfQWN0aXZhdGlvbjgzNjk3NjY4OTI5
recent
أخبار ساخنة

عقد الهبة بين الفقه الاسلامي والقانون




مقدمة عامة  :
تعتبر التبرعات من أهم المواضيع التي كانت مؤطرة بقواعد الفقه الإسلامي، حيث أبدعت المصنفات  الفقهية وشروحها المعتمدة، وكتب النوازل المختلفة قديم وحديثا بالبحث والتحقيق فيها، والتبرعات بصفة عامة هي ما يعطيه الإنسان ماجانا دون مقابل كالهبة  والصدقة والعمرى وغيرهما مما ينظم تحت ما يسمى بالعطايا وهذه الأخيرة مجموعها لا يختلف عن بعضها البعض من حيث الأحكام إلا في بعض الجزئيات المحددة.
وسيقتصر بحثنا في دراسة أحد هذه العقود التبرعية ذات الأهمية كونه سببا من أسبا كسب الملكية التامة، ألا وهو عقد الهبة، فهذا الأخير "أي الهبة" نعني تمليك مال بدون عوض ويقصد بها المتبرع أي الواهب التقرب إلى الموهوب له والتودد إليه وخلق روابط إنسانية التي أصبحت تندثر في يومنا هذا، وبخلافه نجد نوع آخر من التبرعات وهن والصدقة التي يبتغي منها التقرب إلى الله تعالى، وهي تأخذ حكم الهبة إلا أنهما يختلفان في بعض التفصيلات الدقيقة.
فالهبة تصرف شرعي، أباحته الشرائع السماوية والقوانين الوضعية، ونظمت أحكامها بقواد ونظمت أحكامه بقواعد ليسير وفق ضوابط تجعله يحقق أهدافه التي يبرم من أجلها.
ويعتبر عقد الهبة نوع من أنواع العقود التبرعية في الأصل والتي تقضي إيجابا وقبولا من طرفي العقد وتوافر كافة الأركان الواجبة في العقود بصفة عامة طبقا للنظرية العامة للعقد، وينتج عنها مجموعة من الآثار، ومنها الاعتصار الذي على إثره يمكن للواهب الرجوع في الهبة، لكن بشروط وبضوابط محددة فقها وقانونا.
والهبة مصدر وهب التي أو الحق أعطاه بلا عوض هي العطية بدون عوض، فإذا كثرت سمي صاحبها وهابا، والوهاب من أسماء الله الحسنى، فهو سبحانه المعطي لعباده والمنعم عليهم، يعطي من غير سؤال وبلا وسيلة وينعم بلا سبب ولا حيلة، قال تعالى: "إنك أنت الوهاب".
أما في الاصطلاح، فتدور الهبة بين معنى عام وآخر خاص، ففي المعنى العام هي أكثر أنواع العطية ، وفي المعنى الخاص هي تمليك ذي منفعة لوجه المعطي بغير عوض، أما المشرع المغربي فقد عرفها في المادة 273 من مدونة الحقوق العينية بأنها تمليك حق عيني عقاري لوجه الموهوب له في حياة الواهب بدون عوض.
وتتجلى أهمية الموضوع فيما للهبة من أهمية بالغة في تقوية الروابط الإنسانية المبنية على أساس البر لقوله تعالى: "لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"، وتكريم الإنسان لأخيه الإنسان، خاصة وأننا نشهد في عصرنا الحالي تفكيكا لروابط الإنسانية وتشتتها واتسام العلاقات بين الناس بالفتور، كما أن للهبة أهمية ملفتة في الحياة العلمية القانونية، فهي تصرف خطير يتطلب جراءة من الواهب للتنازل عن جزء من ماله ولهذا كان الفقه والتشريع ينظم قواعده وخاصة قواعد الفقه المالكي، أما بخصوص التشريع فعقد الهبة كان يخضع للقواعد العامة لكن سرعان ما تدارك المشرع المغربي الآمر وأصدر مدونة الحقوق العينية جامعة لمجموعة من القواعد القانونية في الآونة الأخيرة من بينها الهبة سواء في إطار العقار المحفظ أو الغير محفظ، وأفرد لها المشرع 17 مادة من  273 إلى 289، ويمكن القول أن عقد الهبة يدخل في إطار المواضيع الهامة التي شكلت نقطة تقاطع بين الجانب التشريعي والقضائي والفقهي والتي تحظى اليوم باهتمام متزايد في صفوف الفقه والباحثين.
ولمحاولة مقاربة هذا الموضوع، ارتأينا صياغته في الإشكالية التالية:
إلى أي حد استطاع المشرع المغربي تنظيم عقد الهبة تماشيا  مع منظور الفقه الإسلامي خاصة امذهب المالكي؟
ولتبسيط الإشكالية، ارتأينا صياغتها في قالب ممنهج وفق التالي:
المبحث الأول: شروط صحة عقد الهبة وشكليته
المبحث الثاني: الآثار المترتبة عن عقد الهبة


المبحث الأول: شروط صحة عقد الهبة وشكليته
عقد الهبة من لعقود المسماة و التي ترتب التزاما على عاتق أحد طريفي العقد دون الآخر، وهي عقد يتصرف بمقتضاه الواهب في مال له دون عوض ولا تتم الهبة إلا إذا قبلها الموهوب له أو نائبه، وتكون الهبة بسند رسمي وإلا اعتبرت باطلة ما لم تتم تحت ستار عقد آخر، ويجب أن يتوافر في عقد الهبة الشروط العامة الواجب توافرها في كافة العقود.
المطلب الأول: شروط صحة قد الهبة
يعتبر عقد الهبة كسائر العقود الأخرى، تخضع للنظرية العامة للعقد التي تتطلب في حصة العقد، أطراف ومحل وسب، إضافة للشكلية،  وسنحاول في هذا المطلب الوقوف عند الأطراف والصبغة في فقرة أولى على أن نعرج بعد ذلك على المحل والسبب في فقرة ثانية.
الفقرة الأولى: شروط صحة عقد الهبة الخاصة بالأطراف والصبغة
الأطراف في عقد الهبة واهب وموهوب، لا فرق فيه أن يكونا شخصين طبيعيين أو اعتبارين، فيصبح العقد كلما توافرت فيه شروط الصحة من أهلية وسلامة إرادتهما من العيوب ويبطل العقد أو يكون قابلا للإبطال كلما فسدت أهليتهما أو تعيبت إرادتهما.
أولا: الواهب
يشترط في الواهب إذا كان شخصا طبيعيا أن يكون عاقلا، وراشدا، وألا يكون في حالة إعسار أو صعوبة مالية أو في مرض الموت.
1.                     أن يكون عاقلا راشدا وغير مشوب بعيب من عيوب المرض
جاء في الفصل 210 من مدونة الأسرة بأن: كل شخص بلغ من الرشد ولم يثبت سبب من أسباب نقصان أهليته أو انعدامها يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه وتحمل التزاماته.
فالمشرع يتشدد بشأن أهلية الواهب، ويتطلب فيها أهلية التبرع التي هي العقل والبلوغ والتملك وعدم التحجير، لأنه يقوم بعمل ضار به ضررا محضا، فالهبة الصادرة عن عديمي وناقص الأهلية تكون باطلة ولو بإذن الولي أو الوصي مع مراعاة الاستثناءات الواردة بموجب القانون.
إضافة إلى أن من شروط صحة الهبة رضا الواهب، فلا تصح الهبة التي وقعت بالجبر والإكراه كما لا تصح إذا شابتها عيب الرضا كالتدليس والغلط.
2.                       ألا يكون في حالة إعسار أو صعوبة مالية
يشترط لصحة الهبة ألا يكون القائم بها في حالة صعوبة مالية، وهذا شرط ينصرف خصوصا على فئة التجار أشخاصا طبيعيين أو اعتباريين.
فالشخص المتصف بالصفة التجارية أو الحرفية أو الصناعية معين ألا يكون في صعوبة مالية عند إرادته التبرع بمال من أمواله، والغاية بالطبع هي حماية دائنيه من أن يضر بهم.
والصعوبة المالية تطرأ من تاريخ التوقف عن أداء الديون، ذلك الوقف الذي يبنى على الاختلال والاضراب في الذمة المالية ويتمثل لنا هذا الشرط بوضوح في مدونة التجارة من خلال المادة 68 التي جاء فيها: "يعتبر باطلا كل عقد بدون مقابل قام به المدين بعد تاريخ التوقف عن الدفع".
 يمكن كذلك للمحكمة أن تبطل العقود بدون مقابل المبرمة في الستة أشهر السابقة لتاريخ التوقف عن الدفع، وفي هذا الصدد يقول ابن رشد في المقدمات، وأما قبل التفليس فلا يجوز له إتلاف شيء من ماله بغير عوض فيما لا يلزمه ما لا تجر العادة بفعله من هبة أو صدقة أو عتق أو ما أشبه ذلك
وأيضا عقد الهبة وعقود التبرع التي تتعرض للبطلان الوجوبي أو البطلان الجوازي ليست فقط العقود  التي تبرم بعد تاريخ ولو قبل ذلك بكثير إذا لم تتم الحيازة فيها إلا بعد تاريخ التوقف أو 6 أشهر السابقة عليه، لأن الهبة عندنا في المذاهب لا تصح إلا بالحوز قبل حصول المانع من موت أو مرض موت وإحاطة دين وجنون وسفه، وإلا بطلت، يقول الشيخ خليل في مختصره ثم إن الهبة تبطل إذا تأخر حوزها عن الواهب في صحته حتى لحقه دين المحيط بماله، سواء كان قبل الهبة أو بعدها لفقد الشرط وهو الحوز.
ويقول صاحب التحفة:
والحوز شرط صحة التحبيس          قبل حدوث موت أو تفليس
3.  أن لا يكون الواهب مريضا مرض الموت:
إن عقد الهبة وكعقد يدخل في زمرة العقود الناقلة للملكية تبرم من مَن له ملكية الموهوب، هذه الملكية وكقاعدة تخول للواهب كمالك السلطات على حقه الذي بين يديه، إذ تجتمع له العناصر الثلاث المكونة له من استعمال واستغلال والتصرف في حقه وبالتالي لاحق لأحد أن يعترض على التصرف بحقه بدون وجه حق أو سند قانوني. ومعه لو وهب شخص ماله في ظروف معينة اليأس والخوف بنفسه بشكل أضر به وبورثته. ما دفع المشرع المغربي يتدخل ويقيد حق المالك ضمانا للحقوق وقبل الفقه المالكي، إذا اشترط الفقه المالكي أن يكون الواهب بحالة صحية جيدة، فإذا كان به مرض فيضرب على يده ويحجر عليه حتى لا يعبث بما حق وشرع لورثته، وهذا ما أكده الإمام مالك رحمه الله عليه في كتابه الموطأ والذي جاء فيه: "فإذا كان المرض خفيفا غير مخوف على صاحبه فإن صاحبه يصنع في ماله ما يشاء وإذا كان الخوف عليه لم يجز لصاحبه شيء إلا في الثلث".
ونظرا لكون المشرع المغربي استقى أحكام الهبة من الفقه فقد سار على خطاه وأقر على نفس الشرط بالمادة 250 من مدونة الحقوق العينية والتي جاء فيها "تسري على الهبة في مرض الموت أحكام الوصية..". وبالرجوع لقانون الالتزامات والعقود نجد الفصلين 344 و345  نجدهما ينصان على نفس المسألة إذ جاء بالفصل الأول: "الإبراء الحاصل من المريض في مرض موته لأحد ورثته من كل أو بعض ما هو مستحق عليه لا يصح إلا إذا أقره باقي الورثة" وجاء في الفصل الثاني أي 345 من ق.ل.ع "الإبراء الذي يمنحه المريض في مرض موته لغير وارث يصح في حدود ثلث ما يبقى  في تركته بعد سداد ديونه ومصروفات جنازته".
وأول ملا يلاحظ في هذه الفصول أو المواد هو غياب تعريف لمفهوم مرض الموت الأمر الذي حتم علينا الرجوع للفقه الإسلامي ما دام الأمر يتعلق بعلاقة تكاملية بين التشريع العقاري والفقهي، حيث نجد الشيخ عمر عبد الله يعرفه بكونه المرض الذي يكون معه المريض عاجزا في القيام بمصالحه وقضاء حاجاته خارج المنزل إن كان رجلا، وداخل المنزل إن كان امرأة يغلب فيه الهلاك ويتصل به الموت ولو لسبب آخر غير المرض سواء ألزمه الفراش أو لم يلزمه" ومن تم يعتبر المريض مرض الموت في الفقه الإسلامي من المجتمع فيه العلاقات التالية والتي تعد قرائن في نظر الفقه: أن يقعد المرض المريض عن قضاء مصالحه وأن يغلب فيه الموت لمرضه المخوف وأن ينتهي به المرض إلى موته فعلا بشكل يهز نفسيته، لكن اليوم نحن أمام تطور الطب ما جعل تحديد مرض الموت أو المخوف من اختصاص الأطباء المتخصصين بتقديراتهم وللقاضي أن يناقش تقاريرهم.
أما فيما يتعلق بأثر الهبة الصادرة عن مريض الموت فقد ألحقها وأحالها المشرع على أحكام الوصية وهذا ما يستشف من المادة 280 لتقيد بذلك الهبة في حدود الثل وهي للأجنبي ولا وصية لوارث إلا بإجازة باقي الورثة الرشداء سواء أكانت الهبة ظاهرة أم خفية.
وآثار الهبة تختلف بين ما إذا كانت الهبة لصالح أحد الورثة أو للغير، فإذا كانت العطية لأحد الورثة فلا تكون نافذة إلا إذا أجازها الورثة طبقا للمادة 280 من م.أ وذلك حسب نصيب كل واحد دون أن تلزم القاصرين لكونها ضارة لهم ضررا محضا.
أما فيما يخص الشخص المعنوي أو الاعتباري، فيجب لكي تصح منه الهبة أن يكون موجودا وجودا قانونيا، بحيث لا يكفي إقامة النظام الأساسي والقيام بمجمل الإجراءات السابقة لاكتساب الكيان القانوني وإنما من الضروري اكتساب الشخصية المعنوية إضافة إلى ضرورة صحة نيابة من يمثل الشخص المعنوي وموافقة جميع الشركاء عملا بمقتضيات الفصل من ق.ل.ع والفصل 1026 من ق.ل.ع.
4. إحاطة الدين بأموال الواهب
جاء في المادة 278 من م.ح.ع لا تصح الهبة ممن كان الدين محيطا بماله فالثابت كما يرى الفقه أن أي تبرع لا يصح إذا كان الدين محيطا بمال المتبرع كله، سواء عند انعقاد التبرع أو عن حوزه.
وأي دائن أن يرجع بدعوى بطلان التبرع ضد المتبرع وإدخال المتبرع عليه، على شرط إثبات إحاطة الدين والدفع بالصورية عند الاقتضاء، ومعنى الإحاطة أن تتجاوز الخصوم الأصول أو أن تتساوى معها.
ثانيا: الموهوب له
لا يشترط في الواهب ما يشترط في الموهوب له، باعتبار هذا الأخير يقوم بعمل نافع له نفعا محضا وقد يكون الموهوب له شخصا طبيعيا كما قد يكون شخصا اعتباريا.
فإذا تعلق الأمر بالموهوب له كشخص طبيعي، فيجب أن يكون موجودا وجودا حقيقيا وليس منتظرا الوجود على اعتبار عدم إمكانية قيام الهبة إلا بين الأحياء، حيث تصح الهبة في مختلف أطوار حياته منذ ولادته إلى غاية الوفاة، ولو دون مساعدة من الحاجر فهي منفعة لا مضرة فيها، حيث جاء في الفصل 5 من ق.ل.ع يجوز للقاصر ولناقص الأهلية أن يجلب لنفسيهما نفعا ولو بغير مساعدة الأب أو الوصي أو المقدم بمعنى أنه يجوز لهما أن يبقى الهبة أو أي تبرع آخر من شأنه أن يثيرهما أو يبرئهما من التزام دون أن يحملها أي تكليف.
أما بالنسبة للمحكوم عليه بعقوبة جنائية، فلو أنه يحجر عليه حجرا قانونيا فالمشرع في الفصول 37 و38 و39 من ق.م.ج لم يمنعه من قبول الهبات إنما تسير وإدارة أمواله وحيازتها.
ثالثا: ركن التراضي (الصيغة)
الهبة عقد كسائر العقود لابد فيه من التراضي المتمثل في تطابق الإيجاب والقبول. لأن المال لا يمكن أن يدخل ذمة شخص الا برضاه. وقد يظن البعض أن عقد الهبة أن عقد الهبة هو عقد ملزم لجانب واحد وبالتالي يقوم على رضائية ناقصة، لكن هذا غير صحيح فالرضائية بمثل هذه العقود أشد من نظيرتها بالعقود الملزمة لجانبين إذ أن بهذه الأخيرة تفاوض وتقابل للمنافع والمصالح عكس الأولى التي تفرض أن تكون كاملة وتامة صادرة عن قلب مطمئن. وهذا ما لخصه ابن تيمية بقوله " ... ففي التبرعات علق الحكم بطيب النفس وفي المعاوضات علق الحكم بالتراضي لأن كلا من المتعاوضين يطلب ما عند الآخر ويرضى به عكس المتبرع فإنه لم يبذل له شيء يرضى به ... "
وهذا ما أكده الفقيه القانوني السنهوري بقوله عقد الهبة عقد يستلزم الايجاب والقبول فرغم كون الهبة تبرعا إلا أنها تنقل عنق الموهوب له بالجميل وتفرض عليه واجبات أدبية نحو الواهب"
والمشرع المغربي عند والمشرع المغربي عند افراده للنصوص مدونة الحقوق العينية سار على نفس النهج وأكد على ان عقد الهبة لا ينعقد إلا بالإيجاب الصادر عن الواهبوالذي يعبر فيه عن رغبته بأن يتبرع بشيء أو حق ذو صبغة عقارية لشخص يطلق عليه الموهوب له، والذي يخير فيه بين قبول الهبة أو رفضها وهذا ما يستشف من المادة 274 م.ح.ع.
فركن الصيغة أو كما اصطلح عليه الفقه قوام عقد الهبة ويكون بقول أو فعل يدل على التمليك. وتجب في هذا اللفظ أن يكون صريحا، كقول الواهب وهبت هذا الشيء مك، أو واهب هذا الشيء أو الحق للفلان، أو قول لك هذا أو أعطيك هذا. فما أن يكون القول الدال ناقلا للملكية و مقترنا بانعدام المقابل أي بدون عوضية فهو هبة. ومقابل القول الدال على إرادة الواهب وجب صدور القبول من الموهوب له وتطابقه معه، فلو كانت إرادة الواهب تنحوا منحى الهبة وقبل الموهوب له على أساس أنه إعارة لم تنعقد لا الهبة ولا الاعارة.
وفي الأخير نشير الى ما استقر عليه الفقه الإسلامي وذلك فيما يتعلق بركن الصيغة، اذ ذهب بعض الفقه على أن التراضي في الهبة يتم بالإيجاب فقط، وهو قول بعض الحنفية وابن حزم الظاهري فالهبة تنعقد عندهم بمجرد التلفظ بها دون حاجة لقبولها أو حيازتها، وذهب الحنابلة والشافعية والمالكية إلى أن كلا من الإيجاب والقبول ركنان للهبة، لأن هذه الأخيرة عقد وقيام العقد بالإيجاب والقبول، ولأن ملك الإنسان لا ينتقل إلى الغير بدون تمليكه وإلزام الملك على الغير لا يكون بدون قبوله.
الفقرة الثانية: شروط صحة عقد الهبة المتعلقة بالمحل والسبب
المحل والسبب يعتبران ركنين من أركان الالتزام المنصوص عليها في ق.ل.ع باعتباره الشريعة العامة لكافة العقود بما فيها الهبة.
وسنحاول في هذه الفقرة الوقوف عند المحل (أولا) وينعرج بعد ذلك على السبب (ثانيا).
أولا: المحل في الهبة
بما أن الهبة هو عقد تبرع وملزم لجانب واحد وهو الواهب فإنه يتميز بمحل واحد وهو الشيء الموهوب، أي ما يلتزم الواهب بتسليمه، عكس عقود المعاوضة التي تتميز بمحلين اثنين.
وقد بين المشرع شروط المحل في الفصول من 57 إلى 61 من ق.لع وهي: أن يكون موجودا أو قابلا للوجود (1) ومعينا أو قابلا للتعين (2)، ومشروعا (3).
1 ـ وجود المحل أو قابليته للوجود
الشرط في المحل الموهوب أن يكون موجودا حقيقة، والوجود الحقيقي هو الوجود الفعلي أو الحكمي،  والفعلي يثبت بالمعاينة والاطلاع والحكمي بالوثائق والسندات أم مسألة القابلية للوجود أو غير محقق فيما عدا الاستثناءات المقررة بمقتضى القانون ومع ذلك لا يجوز التنازل عن تركة إنسان على قيد الحياة ولا إجراء أي تعامل فيها أو في شيء ما تشمل عليه ولو حصل برضاه وكل تصرف مما سبق يقع باطلا بطلانا مطلقا.
يتبين من هذا النص أن محل الالتزام يصح أن يكون شيئا أو حقا مستقبليا، كالعقارات التي تشيد في تاريخ لاحق والمحاصيل التي تنجز في موسم فلاحي مقبل والتجهيزات التي ستصنع في فترة محددة، فمحل الالتزام لا يكون محققا عند إبرام العقد وإنما محقق الوقوع مستقبلا، والذي نلاحظ أن هذا الاستثناء وإن وجدت تطبيقاته الكثيرة في عقود البيع، كالبيع على التصميم وبيع السلم والبيع على التصنع، فإنه فيعقد الهبة يجد خلافا بسبب اختلاف نظر الفقه إلى خاصية الحيازة فيها، فثمة من يعتبرها شرط صحة كالشافعي وأبي حنيفة، فعندهما الهبة لا تصح ولا تعقد دون حيازة وعليه يصعب تصور فرضية تحقيق الوجود مستقبلا في الشرع أو الحق المراد هبته. وثمة من ينظر لها على أنها شرط تمام ليس غير، لا تمنع انعقاد العقد في الأول على أن تتم في اللاحق كالإمام مالك فعنده الهبة تصح وتنعقد دون حيازة على شرط أن تقع لاحقا.
وهبة المال المستقبل باطلة، طبقا لما نصت عليه المادة 277 من مدونة الحقوق العينية يقع باطلا هبة المال المستقبل. واستن ثاء من الفصل 61 من قلع المتقدم، والملاحظ أن هذه المدونة عبرت بالمال والحال أنها تعلق بالحقوق العينية العقارية، والمال عام يشمل العقار والمنقول والحقوق، كما أنها أغفلت العقارات في طور الإنجاز، من أن القانون نظم بتفصيل بيعها في ق.ل.ع والبيع كالهبة والهبة كالبيع في الأثر المترتب وهو نقل الملكية، فهل هبة هذه العقارات باطلة أم أن هناك وجه للتأويل؟ الذي يظهر أن وجود الأشياء إما وجود حقيقي فعلي أو وجود حكمي، والقانون اعتد بالوجود الحكمي بسندات الشحن، لإثبات حيازة البضاعة حكما مع أنها بحوزة الغير فعلا، وفي العقارات في طور  الإنجاز، الوجود حكمي بالوثائق والتصاميم ودفاتر التحملات وجواز التقييد الاحتياطي بالرسم العقاري الأم، إلى شبه ظهور فعلي، حين منع القانون إبرام أي بيع ابتدائي بشأنها قبل ظهور الأساسات، والهبة عندنا في المذهب تصح حتى على المجهول.
2 ـ تعيين المحل أو قابليته التعيين
جاء في الفصل 58 من ق.ل.ع الشيء الذي هو محل الالتزام يجب أن يكون معنيا على الأقل بالنسبة إلى نوعه ويسوغ أن يكون مقدار الشيء غير محدد إذا كان قابلا للتحديد فيما بعد.

فيتبين من  فحوى الفصل 58 أن محل الالتزام بوجه عام يجب أن يكون معينا على الأقل بالنسبة إلى ذاته أو نوعه كأن يكون عقارا أو منقولا، ويجوز أن يكون قابلا للتعيين في مقداره فقط، فالجهل بالمقدار عند العقد ليس بمؤثر إذا ثبت أنه قابل للتحديد مستقبلا، وعليه فإن من شروط صحة العقد تعيين المحل في ذاته أو نوعه، وقابليته عند الاقتضاء للتحديد مستقبلا في مقداره، وإلا كان العقد باطلا للجهل به، فالعقد حسب النص يبطل من وجهين، الأول إذا لم يكن المحل معينا في ذاته او نوعه، والثاني إذا لم يكن قابلا للتحديد استقبالا في مقداره ولو كان معنيا في نوعه.



   التالي <





الاسمبريد إلكترونيرسالة