U3F1ZWV6ZTczODgxNjA1NzJfQWN0aXZhdGlvbjgzNjk3NjY4OTI5
recent
أخبار ساخنة

اخلاقيات المهن والاعمال


اخلاقيات المهنة

اخلاقيات المهن والاعمال


يمثل العمل الشرط الأساسي لنهضة الأمم وتقدمها الحضاري كما انه يعد من الوظائف الأساسية التي تميز الإنسان عن الحيوان .
والعمل مرتبط بالأخلاق ارتباطا وثيقا لان القيم والأخلاق هي التي توجه العمل الوجهة الصحيحة .
وينصرف مدول الأخلاقيات الى تلك الوثيقة التي تحدد المعايير الأخلاقية والسلوكية المهنية المطلوب أن يتبعها أفراد جمعية مهنية .
فهي بذلك بيان للمعايير المثالية لمهنة من المهن تتبناه جماعة مهنية او مؤسسة لتوجيه أعضائها لتحمل مسؤولياتهم المهنية فلكل مهنة أخلاقيات وآداب عامة حددتها القوانين واللوائح الخاصة بها .
كما أن أخلاقيات المهنة هي مجموعة من القواعد والأصول المتعارف عليها عند أصحاب المهنة الواحدة بحيث تكون مراعاتها محافظة على المهنة وشرفها .
واعتبارا لما يشكله مفهوم أخلاقيات المهنة من أهمية بالغة فان طبيعة دراستنا المتواضعة هذه تقتضي منا تحديد جذوره التاريخية والفلسفية والدينية او بمعنى أدق تأصيله .
وعلم التأصيل (تأصيل الكلمات) او ما يطلق عليه ''بالاتيمولوجيا'' هو عملية لسانية تعتمد على المقارنة بين الصيغ والدلالات لتمييز الأصول والفروع ومن ناحية أخرى عملية تاريخية حضارية لأنها تستعين بدراسة المجتمعات والمؤسسات وسائر العلوم والفنون للبت في القضايا اللسانية بالإضافة الى مقارنة الألسن لمعرفة أنسابها وأنماطها .
واستنادا لهذا التعريف يمكن القول ان أخلاقيات المهن كما هي مكرسة ومتعارف عليها في وقتنا الراهن ليست وليدة العصر الحديث بل هي متجذرة في التاريخ منذ العصور الأولى حيث تجد تطبيقاتها في الحضارات العريقة لا سيما عند الفراعنة و الأشوريين و البابليين و اليونان و الرومان.
كما ان الشريعة الإسلامية اهتمت بأخلاقيات المهن اهتماما بالغا سواء من خلال الآيات القرآنية او السنة النبوية او عند علماء الشريعة .
فضلا على أن أخلاقيات المهن تحتل مكانة متميزة لدى الفلاسفة الذين اهتموا بها ووضعوا لها مجموعة من المبادئ التي تقوم عليها أخلاق كل مهنة من أمانة ونزاهة وإخلاص في العمل .
وهكذا تكتسي دراسة التأصيل التاريخي، الديني و الفلسفي لأخلاقيات المهن أهمية خاصة وذلك لما يشكل التأصيل المذكور من أرضية تمكن من تحديد معالم وحدود البحث العلمي الذي نحن بصدد معالجته وذلك عبر معرفة الجذور التاريخية والدينية والفلسفية التي انبنى عليها قبل ان تتم بلورة هذه المفاهيم في صياغتها الحالية .
ومن خلال  كل ما سبق ذكره سنحاول مقاربة هذا الموضوع وفق الإشكالية الرئيسية التالية :
إلى أي حد يمكن القول ان مبادئ اخلاقيات المهنة والتي تم بلورتها في وقتنا الحاضر في شكل نصوص وقواعد سلوك استفادت من المقاربات التي عملت على تأصيلها سواء من الناحية التاريخية او الدينية او الفلسفية .
وهذه الإشكالية تتفرع عنها أسئلة فرعية وهي كالتالي :
هل أخلاقيات المهن هي وليدة العصر ام هي متجدرة في التاريخ.
كيف أقرت الشريعة الإسلامية مبادئ أخلاقيات المهن.
ما هو منظور الفلاسفة لأخلاقيات المهن .
إن حسن الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها يقتضي منا تقسيم هذا العرض الى مبحثين
  المبحث الأول: التأصيل التاريخي لأخلاقيات المهن و الأعمال.
  المبحث الثاني: التأصيل الفلسفي و الديني لأخلاقيات المهن و الأعمال.
  
المبحث الأول  : التأصيل التاريخي لأخلاقيات المهن والأعمال

ان أخلاقيات المهن والأعمال ليست وليدة اليوم وإنما ظهرت في العصور القديمة ما قبل ظهور الدولة سواء عند الفرعونيين والاشوريين و البابلين و اليونان والرومان (المطلب الأول) او ما بعد ظهور الدولة من خلال الاتفاقيات الدولية وكذا في التشريع الوطني (المطلب الثاني) .
المطلب الأول : أخلاقيات المهن والأعمال في الحضارات القديمة :(الطب نموذجا )
ظهرت أخلاقيات المهن والإعمال في العصور القديمة حيث كانت سائدة أنداك مجموعة من المهن و الاعمال  والتي كانت لها اخلاق مميزة لها كالصيدلة والقضاء والتدريس .
وهكذا فمهنة التدريس مثلا باعتبارها من اسباب قيام الحضارات و نموها وباعتبارها المهنة الام حسب ما وصفها احد علماء التربية تشاندلز لانها تسبق جميع المهن الاخرى , كانت تقوم على مجموعة من القيم و المعايير الأخلاقية في علاقة المعلم بطلابه اساسها المودة و الاحترام الضروري وهدفها الرغبة في نفع الطلاب و الشفقة عليهم و البر بهم وكدا نشر القيم الأخلاقية.
واحتلت مهنة الطب في العصور القديمة مكانة أساسية لهذا سنركز على أخلاقيات هذه المهنة لما لها من أهمية أنداك سواء عند كل من الفرعونيين ,الاشوريين والبابليون  (الفقرة الأولى) بينما سنخصص( الفقرة الثانية )لأخلاقيات مهنة الطب عند اليونان والرومان .
الفقرة الأولى: اخلاقيات مهنة الطب في الحضارة الفرعونية والاشورية والبابلية
 ظهرت اخلاقيات مهنة الطب قديما سواء في الحضارة الفرعونيية و الاشورية (اولا) وكدا  في الحضارة البابلية (ثانيا)

اولا : اخلاقيات مهنة الطب في الحضارة الفرعونية و الاشورية

كرست هذه الحضارات مجموعة من المبادئ الأخلاقيات لممارسة مهنة الطب من بينها :
  -حفظ  الأسرار الطبية –احترام حقوق المرضى-احترام كرامة المريض-الإنصاف والمساواة-تحقيق المنفعة وعدم الإيذاء .
 -فالطبيب الفرعوني ''ايمحوتب يعتبر اول من وضع ميثاق الشرف لمهنة الطب خاصة ما يتعلق بالعلاقة بين الطبيب والمريض إذ يعتبرها الطبيب المذكور سرا من الإسرار المقدسة .
والطبيب ايمحوتب يعتبر عميد الأطباء في التاريخ لانه سبق ابقراط.
 فهو اقر مجموعة من المبادئ والتاريخ يسجل لنا مجموعة من أقواله الشهيرة : لا تسخر من الإنسان الذي به إعاقة ولا تسخر من الذي فقد بصره'' .
كما ان قانون حورابي  اقر بدوره مجموعة من المبادئ الأخلاقية فهو يشتمل على نظام الأطباء والذي جاء فيه  :
'' اذا احدث الطبيب جراحة كبرى للمريض بمبضع من البرونز وانتهت بشفاء المريض , او انقذ عينه من ورم بطه بمبضع من البرونز, فجزاؤه عشرة مثاقيل من الفضة واذا احدث الطبيب جراحة كبرى للمريض بمبضع من البرونز وفقد المريض بصره قطعت يد الطبيب ''.
ثانيا: اخلاقيات مهنة الطب في الحضارة البابلية.
ان سكان ما بين النهرين كانوا على درجة لا بأس بها من التقدم في الحضارة الطبية،فالطب البابلي يستند إلى حركات النجوم والتنبؤات الفلكية، فالمريض كان مخيَّرا بين مراجعة الطبيب أو مراجعة الكاهن، فالمرض عقاب تفرضه الآلهة ولا يُلغى إلا بالأدعية والصلوات والتعاويذ ولكي يتحقق الشفاء يجب أن يعقد الطبيب الصلح بين الإله الغاضب والمريض وأن يعمل على طرد الشياطين من جسمه.
    و لقد كرست الحضارة البابلية ايضا مجموعة من القيم  والمعايير الاخلاقية من قبيل السرية و المساواة بين المرضى وحفظ كرامة المريض.
   وهكذا في بابل القديمة كان الأمر يقتضي الشجاعة لكي يصبح المرء طبيبا .
الفقرة الثانية : أخلاقيات مهنة الطب في الحضارة  اليونانية والرومانية.
اولا  أخلاقيات مهنة الطب في الحضارة  اليونانية
      تعتبر الأخلاق الطبية في الحضارة اليونانية شرطا أساسيا لممارسة مهنة الطب ,وفي حالة الإخلال وعدم الالتزام بهذه الأخلاق كانت تفرض جزاءات على ممارسة تلك المهنة .
فالطبيب كان مفروضا عليه بدل العناية المطلوبة للمريض .
فابوقراط هو ابن اقليدس عاش 95 سنة وولد حوالي  سنة 460 قبل الميلاد وهو أشهر الأطباء الأقدمين وتعلم خلالها الطب من أبيه وجده فهو أبو الطب وأعظم أطباء عصره وأول مدون لكتب الطب  ومخلص الطب من آثار الطقوس السحرية  وهو صاحب فكرة القسم الشهير الذي يقسمه الأطباء قبل مزاولة مهنة الطب :
'' وان استعمل طبي قدر طاقتي وجهدي في معاونة المرضى لا في اذى الناس وارتكاب الآثام ولا اصف سما لأحد ولا أشير به وان أحيط حياتي وفني بهالة من الطهر.....وايما منزل دخلته فإنما ادخله لمساعدة المرضى , ولا أؤذي أحدا عن عمد ولا ارتكب فاحشة , ولا اعبث بجسد رجل او امراة حرا او رقيقا وايما شيء رايته او سمعته او سر اطلعت عليه خلال عملي مع الناس كطبيب فلن أبوح به او افشيه''.
وقد اقر هذا الطبيب مجموعة من المبادئ الأخلاقية مثل : احترام كرامة المريض –احترام عدم كشف العورات –السرية –عدم الإيذاء .
ثانيا : أخلاقيات مهنة الطب في الحضارة  الرومانية .
اخذ الرومان الطب عن اليونان، ولكنهم أحسنوا صياغته، وتنظيمه، وطبقوه على الصحة، العامة والخاصة، ولقد كانت روما معرضة للفيضانات الوبائية، فكانت بذلك في أشد الحاجة إلى العناية في الصحة العامة، فمرض الملاريا كان منتشرا في روما في القرن الثاني قبل الميلاد, الامر الدي فرض الى ظهور الطب وبدا بدلك الحديث عن الاخلاق التي يجب ان يتصف بها الطبيب .
وهكدا فالحضارة الرومانية أقرت مجموعة من المبادئ التي يجب على الطبيب ان يتحلى بها من بينها :
 -عدم الإضرار بالمريض –عدم الإخلال بالسرية –احترام الطبيب لاختصاصاته –ان يراعي أحوال المريض المالية –احترام نظافة جسمه وأناقة الملبس .

المطلب الثاني : أخلاقيات المهن و الأعمال في التشريعات الدولية

الفقرة الاولى : اخلاقيات المهن و الأعمال على ضوء الاتفاقيات الدولية:
ان الحديث عن اخلاقيات المهن و الاعمال باعتبارها الضابط الذي يضمن احترام الإنسان لقواعد السلوك المطلوبة في التعامل مع الاخرين يقتدي منا الحديث عن مرجعيتها المتواترة عبر الزمن و التي رسخت من خلال الاتفاقيات الدولية  اولا و الاقليمية ثانيا.
اولا : اخلاقيات المهن و الأعمال من خلال الاتفاقيات الدولية :
نظرا للاهتمام المتزايد بأخلاقيات المهن و الأعمال على المستوى الدولي فقد حاولت أن احصر الحديث عن مجالين تطرقت لهما الاتفاقيات الدولية ورصدت لها مجموعة من الاخلاقيات الواجب احترامها في ميداني الشغل والطب.
1-   ميدان الشغل من خلال الاتفاقيات الدولية :
يعتبر ميدان الشغل الاطار الخصب الذي أقرت له العديد من الاتفاقيات الدولية من بينهما مؤتمر العمل الدولي في دورته 86 بتاريخ 1998 التي كانت تهدف إلى إقامة سلام عالمي دائم مبني على اساس العدالة الاجتماعية و الاحكام المتعلقة بالحقوق الانسانية للعمال وفقا لما نص عليه اعلان منظمة العمل الدولية، و من بين أهم الأخلاقيات التي اقرتها هذه الاخيرة:
-         ضرورة تحلي مفتشي الشغل بالحياد التام في علاقتهم باصحاب العمل و العمال، و أن يكونوا مستقلين عن كل التغيرات الحكومية و بعدم إفشائهم اسرار الصناعة او التجارة التي تكون قد وصلت الى علمهم حتى بعد اعتزالهم.
-         كما ان المادة 15 من الاتفاقية قد نصت عن مجموعة من المبادئ و الأخلاقيات الواجبة التنفيذ بخصوص ما يتعلق بالنزاهة و السر المهني المتعلق بكتمان مصدر الشكايات.
2- ميدان الطب من خلال الاتفاقيات الدولية :
يعتبر اعلان جنيف 1948 الذي عدل و وتمم خلال سنوات 1983 ،1986 ،1994           و 2006 الاطار المرجعي الذي كرس المبادئ الأخلاقية المرتبطة بمهنة الطب، و التي على الشكل الآتي :
-         خدمة الإنسانية بمعنى تكريس الطبيب حياته لخدمة البشرية.
-         ممارسة المهنة الطبية بضمير و نبل.
-         الإحساس بواجب الاهتمام بصحة المريض و اعتباره من اولوياته
ثانيا : اخلاقيات المهن و الاعمال من خلال الاتفاقيات الاقليمية :
شكل موضوع أخلاقيات المهن و الأعمال اهتماما متزايدا من قبل المجتمع الدولي من خلال الاتفاقيات الاقليمية التي اهتمت بنفس الميدانين الذين اشرنا اليهما سالفا.
1-   ميدان الشغل من خلال الاتفاقيات الإقليمية العربية :
تعد منظمـة العمل العربية المهتم الأول بشؤون العمل والعمال على الصعيد العربي من خلال الاتفاقية المنشـأة سنة 1986 والتي حاولت من خلال عملها تأطير وتنوير الطريق نحو أخلاقيات المهن والأعمال في ميدان الشغل من خلال اشتراطها توافر مجموعة الضوابط الأساسيـة في جهاز تفتيش الشغل ، بما فيه توفر المعرفة والكفاءة والاستقلال بالإضافة إلى الجانب المرتبط أساسا بالنزاهة المنوطة بخصوص التفتيش .
2-   ميدان الطب من خلال الميثاق الإسلامي العالمي :
يعتبر الميثاق الإسلامي العالمي المرشد الأساسي للطبيب في الشؤون المرتبطة بأخلاقيـات مهنية الطب الذي حضي باعتراف منظمة الصحة العالمية ، ومن المبادئ الأساسيـة التي تضمنهـا :
-         أخلاق الطبيب المرتبطة أساسا بإخلاصه وتفانيه في عمله متقيدا بالأمانة الموكولة إليه وحسن التصرف مع زملائه وبدل جهده في تعليمهم أصول الطب وأخلاقه ، وأن يتجنب كل ما يسيء إلى مهنتـه .
-         واجباتـه نحو المريض تتجلى في حسن الاستماع إلى شكاوى المريض ومعاناته مهما كان مستواه المـادي غني أو فقير على اعتبار أن الحق في التطبيب والصحة يشترك فيه جميع البشر وأن يعمل على كتمان سر المريض لكون طابع عمله يفرض عليه ذلك .
الفقـرة الثانيــة : أخلاقيـات المهن والأعمـال في التشريـع الوطني :
عمل المشرع المغربي في المجال المتعلق بأخلاقيات المهن والأعمال على وضع إطار قانوني يضمن التقيد بالأخلاقيـات الواجبـة في القطاع المرتبط بها قصد ضمـان تحقيق الغرض المسنـد إليه على أحسن وجه، واستحضارا منا لدور التشريع الوطني  في التخليق المهني للأعمال فقد حاولنا أن نستحضر نموذجين لهما ارتباط كبير بمهن الأعمال وهما عمل الصيدلي ومفتش الشغل.
1-       أخلاقيات مهنة الصيدلي في التشريع المغربي:
إن الحديث عن أخلاقيات مهنة الصيدلي في التشريع المغربي تقتضي منا الإشارة منا ولو بشكل مقتضب إلى تعريف مهنة الصيدلي الذي هو رجل الدواء المحترف في جميع أنواع الأدوية في طريق صناعتها وتركيبها وكذا في استعمالها على وجه أنفع.
وعلى هذا الأساس، فإن التشريع المغربي في إطار الظهير الشريف المنظم لمهن الأطباء والصيادلة الصادر سنة 1960 المنسوخ بقانون رقم 17.04 الصادر سنة 2006 قد أفرد مجموعة من الشروط منن بينها توفر الصيدلي على دبلوم وطني لدكتور في الصيدلة مسلم له من كلية الطب والصيدلة أو دبلوم معترف بمعادلته له.
ونظرا لما يشكله الدواء المقترح من قبل الطبيب السلاح الذي يمكن المريض من التغلب على الداء الذي يعاني منه واستعمال الدواء على أحسن وجه، فإن المشرع قد أوجب على الصيدلي ضرورة توجيه المستهلك (المريض) إلى الشروط والضوابط الواجب توافرها والمشار إليها من قبل الطبيب حتى لا ينعكس الدواء المقترح سلبا على صحته، وأن يعمل أيضا على تجنب بيع الأدوية التي قد تكون في الحقيقة غير مجدية لإزالة المرض وإن كان في الغالب ما يهدف الصيدلي إلى بيع الأدوية، فإن الواجب الأخلاقي المهني يفرض عليه التقيد بالشروط المؤطرة بموجب القانون المنظم لمهنته.
2 – أخلاقيات مهنة مفتش الشغل في التشريع المغربي :
إلى جانب باقي الاتفاقيات الدولية والإقليمية التي تناولت الشق المتعلق بأخلاقيات مهنة مفتش الشغل، فإن التشريع المغربي  دأب على نفس المنوال من خلال تنصيصه في مدونة الشغل على الضوابط الأخلاقية الواجب اتباعه من قبله ومنها ضرورة أداء اليمين القانونية التي ألزم بها المشرع المغربي بموجب المادة 531 من مدونة الشغل وذلك قصد ضمان أداء مهامه على أكمل وجه دون الانحياز لأي كان.
كما أن المادة 532 من نفس المدونة قد أنطت بالأعوان المكلفين بمهام مفتش الشغل التقيد بمجموعة من الضوابط وهي على الشكل الآتي :
-         السهر على تطبيق الأحكام التشريعية و التطبيقية المتعلقة بالشغل.
-         إعطاء المشغلين والأجراء معلومات ونصائح تقنية حول أنجع الوسائل لمراعاة الأحكام القانونية.
-         إجراء محاولات التصالح بين أطراف النزاع.

المبحث الاول: التأصيل الديني والفلسفي لأخلاقيات المهن والاعمال
 لتحليل هذا  المبحث سنقسمه الى مطلبين نخصص الاول لتأصيل  الديني لأخلاقيات المهن والاعمال والثاني لتأصيل الفلسفي لأخلاقيات المهن والاعمال.
     
المطلب  الاول: التأصيل  الديني لأخلاقيات المهن والاعمال
لا يمكن لاحد ان يغفل الجانب الديني اثناء الحديث عن اخلاقيات المهن والاعمال سواء في الديانات الوضعية(الفقرة الاولى) او الديانات التي مصدرها الله (الفقرة الثانية).
الفقرة الاولى :اخلاقيات المهن والاعمال في الديانة البوذية والكونفوشيوسية.
اولا: اخلاقيات المهن والاعمال في الديانة البوذية
نشأت البوذية اولا كعقيدة اخلاقية لكنها تطورت الى عقيدة دينية ألهت بوذا، لم يكلف بوذا نفسه مشقة بحث الامور الغيبية، لكنه بشر بمكارم الاخلاق ففي الجانب السياسي
قال بوذا "ليس هناك فرق بين جسد الامير وجسد المسؤول الفقير...ان احقر الديدان يتساوى مع الادميين في الاحترام والتعاطف".
اما في الجانب التعليمي
دار حوار بين بوذا واحد تلاميذه قال له التلميذ انني ايها السيد أؤمن بكلي قلبي انه لا يوجد قط،  ولا يوجد الان ولن يوجد الى اخر الدهر مرشدا اعظم قدرا واكثر عقلا من مرشدنا المبارك.
فأجاب بوذا: هل انت عرفت كل العارفين الذين سبقوني وهل عرفت كل العارفين الذين يأتون بعدي
فأجاب التلميذ: لا يا سيدي فلم يتيسر لي ذلك.
قال بوذا: هل عرفتني كل المعرفة؟ وتوغلت في نفسي كل التوغل؟
قال التلميذ: لا يا سيدي وكيف لي ذلك؟
فقال بوذا: فلما اداً اسرفت في قولك وجعلتني خير الناس وانت لا تعرفني ولا تعرف الناس.
ثانيا:اخلاقيات المهن والاعمال في الديانة الكونفوشيوسية.
سنتطرق لأخلاقيات المهن ولأعمال في هده الديانة في جانبها السياسي
يقول كونفوشيوس في كتاب الطقس" ان تمت شروط رئيسية لازمة لحكم العالم: الاخلاق، ووجود السلطة وحب التاريخ، وفي حالة عدم توافر شرط من هذه الشروط فإن هذا من شأنه ان يؤدي الى فشل الحكومة، مهما كان الحاكم ممتازا"
لقد حرص كونفوشيوس في نظامه السياسي الاجتماعي على الربط بين السياسة والاخلاق، واتخاد الاخلاق اساسا لهذا النظام، اذ ان الفكرة السياسية عنده لا يمكن عزلها عن المعنى الحقيقي للأخلاق. فالأخلاق هي اساس اي نظام سليم، ولا يتحقق هدا النظام الا اذا عمل الحاكم على اكمال اخلاق الافراد انفسهم  عن طريق التربية السليمة[3]

الفقرة الثانية: اخلاقيات المهن والاعمال في الديانة المسيحية الشريعة الاسلامية

اولا: اخلاقيات المهن والاعمال في الديانة المسيحية
خلق العدل في الديانة المسيحية (نموذجا)
والعدل في المفهوم المسيحي ينحو نحو المحاسبة بشدة على التصرفات العدائية الأولية قبل أن تتحول إلى سلوك عدائي إجرامي، يقول النبي عيسى عليه السلام: "سمعتم أنه قيل للأولين لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم إن كل من يغضب على أخيه باطلا يكون مستجوب الحكم. ومن قال لأخيه رفا يكون مستجوب المجمع. ومن قال يا أحمق يكون مستوجب نار جهنم. فإن قدمت قربانك إلى المذبح وهناك تذكرت أن لأخيك شيئا عليك فاترك هناك قربانك قدام المذبح واذهب أولا اصطلح مع أخيك. وحينئذ تال وقدّم قربانك. كن مراضيا لخصمك سريعا ما دمت معه في الطريق. لئلا يسلمك الخصم إلى القاضي ويسلمك القاضي إلى الشرطي فتلقى في السجن. الحق أقول لك لا تخرج من هناك حتى توفي الفلس الأخير".
فعيسى يوجه بصفته نبي رعيته إلى ضرورة أن تكون أعمالهم بعيدة كل البعد عن الظلم حتى يشير إلى المراتب الدنيا من الظلم وهي الغضب، فليس العدل في قصاص القاتل فقط بل يكون ذلك حال الغضب أو الشتم وهو ما يمكن إيجازه بتجريم السلوكيات الأخلاقية الخاطئة والمحاسبة عليها قبل أن تتحول إلى تصرفات جنائية.
فالمسيح عليه السلام يقر بنظام التقاضي غير أنه يقدم نظام العدل التصالحي القائم على الاعتراف بالحقوق وأدائها بالدافع الشخصي.
ويقول المسيح عليه السلام أيضا: "سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن أما أنا أقول لكم لا تقاوموا الشر. بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا. ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين. من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده
كل تعاليم المسيح خاصة في خلق المهن يمكن إيجازها بكلمة واحدة وهي "المحبة". المحبة التي كانت عند يسوع المسيح كانت محبة كاملة، وطلب من تلاميذه أن يحبوا بعضهم بعضاً كما أحبهم هو.
ثانيا:اخلاقيات المهن والاعمال في الشريعة الاشلامية
1 اخلاقيات مهنة الامانة والتعليم في القران الكريم والسنة النبوية
ا_أخلاقيات الامانة (نموذجا)
 القران الكريم:
قال تعالى" ان الله يأمركم ان تؤدوا الامانات الى اهلها"
وقال ايضا "ان عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين ان يحملنها وأشفقنا منها وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا".
الحديث:
عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله عليه وسلم قال" اية المنافق ثلاث: اذا جدت كذب، واذا وعد أخلف، واذا أؤتمن خان"
وقال النبي كذلك" من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخد بعد ذلك فهو غلول"
ب-اخلاقيات  التعليم (نموذجا)
القران الكريم:
قال تعالى "قل هل يستوي الذين يعلمون"
وقال ايضا" يرفع الله الدين امنوا والدين أوتوا العلم درجات"
الحديث:
عن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" من سئل عن علم فكتمه، ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة" حديث حسن
2:اخلاقيات مهنة  التجارة والحكم في القران والسنة النبوية.
أ-الاخلاق في التجارة
القران الكريم:
قال تعالى " ويا قوم اوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس اشياءهم" (هود الاية 85)
وقال تعالى" ويل للمطففين الدين اذا اكتالوا على الناس يستوفون واذا كالوهم او وزنوهم يخسرون الا يظن اولئك انهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين" (المطففين الاية 1الى6 )
الحديث:
عن جابر رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"رحم الله رجلا سمحا اذا باع، واذا اشترى، واذا اقتضى".( رواه البخاري)
ب-اخلاقيات الحكم
القران الكريم:
قال تعالى "يا ايها الدين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم ،فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ذلك خير واحسن تأويلا" النساء الاية 59
في الحديث:
قال النبي صلى الله عليه وسلم الا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته والامام الذي على الناس راع ومسؤول عن رعيته" حديث صحيح رواه البخاري


الاسمبريد إلكترونيرسالة