-->
U3F1ZWV6ZTczODgxNjA1NzJfQWN0aXZhdGlvbjgzNjk3NjY4OTI5
recent
اخر المنشورات

اي حقوق للمتهم في القانون المغربي ؟



حقوق المتهم



حقوق المتهم
اعداد ذ. عبدالله بورحي
يحتل موضوع البراءة أهمية قصوى، ويشكل احد المواضيع المحورية التي تدور حولها اغلب الملفات التي تعرض على القضاء في المجال الجنائي، كما أنها تشغل اهتمام جميع الفاعلين في مجال حقوق الإنسان . وقد كرمت الشريعة الإسلامية الإنسان ككائن اجتماعي، قال رسول الله (ص) «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فان وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا عن سبيله فلئن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة». وعن عمر بن الخطاب رضي الله عن قال «لئن أعطل حد بالشبهات أحب إلي من أن أقيم حدا بالشبهـات».
ولقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بتاريخ 10/12/1948 على مجموعة مبادىء تتجه أكثر نحو بناء عدالة جنائية واهتمام متزايد بالإنسان وبحقوقه باعتباره محور الكون، وتضمن للإنسان براءته إذ نص الإعلان في مادته 11 على أن «كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت ادانته قانونا بمحاكمة علنية تؤمن له فيها كافة الضمانات الضرورية للدفاع عنه». كما نصت المادة 5 من مشروع ميثاق حقوق الإنسان والشعب في الوطن العربي على ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته بحكم قضائي صادر عن محكمة مختصة.
وفي المغرب، فانه مع التطورات الأخيرة التي عرفتها البلاد وقع التنصيص صراحة ولأول مرة بقانون المسطرة الجنائية على أصل البراءة في الإنسان،عندما نص في المادة :الاولى على مايلي: '' كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية . يفسر الشك لفائدة المتهم. ''




وسنتوقف خلال هذه الحلقة على قرينة البراءة امام الضابطة القضائية واثناء مرحلتي التحقيق والمحاكمة :
لقد أسند المشرع المغربي للضابطة القضائية مهمة التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها والبحث عن مرتكبيها، مما يجعل هذه المرحلة الأكثر اصطداما مع قرينة البراءة،. فخلال هذه المرحلة يتلقى الضباط الشكايات والوشايات ويجرون البحث التمهيدي تحت مجموعة من الضمانات القانونية المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية . واثناء هذه المرحلة يحق للشخص الذي ألقي القبض عليه أو وضع تحت الحراسة النظرية الاستفادة من مساعدة قانونية، ومن إمكانية الاتصال بأحد أقربائه، وله الحق في تعيين محام وكذا الحق في طلب تعيينه في إطار المساعدة القضائية. الا انه لا يحق للشخص الموضوع تحت الحراسة النظرية أن يطلب من ضابط الشرطة القضائية الاتصال بمحام الا في حالة تمديدها.
و تظل قرينة البراءة ملازمة للشخص خلال مراحل محاكمته، ومنذ اللحظة الأولى للبحث التمهيدي مرورا بمرحلة النيابة العامة والمحاكمة بدرجاتها إلى أن يصبح الحكم بالإدانة حائزا لقوة الشيء المقضي به. وتبعا لذلك فان الشخص يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته، غير أن هذه القاعدة ، تعرف تطبيقات معكوسة. فالشخص المتهم يخضع أحيانا قبل صدور الحكم ضده لإجراءات قاسية كالوضع تحت الحراسة النظرية و الاعتقال الاحتياطي رغم الضمانات القانونية الكافية التي يتوفر عليها، ناهيك عن تلك العبارة التي تاتي في ملتمسات النيابة العامة تجاه الأظناء وهي: «نلتمس الإدانة»، دون أن ننسى ما دأب عليه الإجتهاد القضائي فيما يتعلق بتقديم شهود الإثبات على شهود النفي، وهو ما يعد طغيان منطق الإدانة وتطاوله على قرينة البراءة».
ان الإقرار بهذا المبدأ يبدو باهتا وإن كان قد جاء في الفصل الأول من المسطرة الجنائية حيث أقر المشرع بهذا المبدأ دون أن يقوم بتعزيزه بجهاز قانوني متكامل يحمي مقوماته ويسد ثغراته وإنما على العكس من ذلك فقد أعطى المشرع للنيابة العامة سلطات واسعة مع علمه أن هذا الجهاز ينحو منحى الخصم ،وما يترتب عن ذلك من خروقات للمبدأ السالف الذكر .

ثانيا :  المسطرة الجنائية :

         يضم قانون المسطرة الجنائية مجموعة من القواعد القانونية التي توضح الطرق المتبعة للبحث عن مرتكبي الجرائم والتحقيق معهم ومحاكمتهم وتنفيذ العقوبة عليهم وتحديد السلطات المختصة بذلك، ان القواعد الشكلية لقانون المسطرة الجنائية تستهدف الموازنة بين مصلحتين متعارضتين، من جهة مصلحة الجماعة التي تسعى إلى معاقبة المذنبين ومكافحة الاجرام بمختلف اشكاله، لضمان سيادة القانون واحترامه ومن جهة اخرى مصلحة الفرد سواء كان جانيا من خلال تمكينه من وسائل الدفاع عن نفسه وحقه في اثبات براءته أو مجنيا عليه من خلال ضمان جبر الاضرار المادية والمعنوية اللاحقة به، وفي اطار تحقيق هذه الاهداف تعرف القواعد الشكلية تغيرات وتعديلات مستمرة تتراوح بين المد والجزر وبين التقدم والتاخر حسب فترات الانفراج والانفتاح التي يعرفها المجتمع أو فترات الضيق والاحتقان التي يعيشها، فقانون التحقيقات الجنائية الفرنسي صدر سنة 1808 وبدأ العمل به في 1811 ومنذ ذلك التاريخ عرضة للتعديلات إلى حدود السنين الاخيرة التي صدر فيها قانون 4 يناير 1993 الذي ادخل تعديلات عميقة على قانون المسطرة الجنائية الفرنسية. اما قانون المسطرة الجنائية المغربية فهو ايضا مجال مفتوح للتعديلات والتغييرات المستمرة، فمنذ صدوره بتاريخ 10/02/1959 طرأت عليه جملة من التعديلات سنة 1962 و1974 بمقتضى ظهير الاجراءات الانتقالية ثم تعديلات سنة1991 وتعديلات 1993 وما تلاها والان يطرح مشروع مدونة المسطرة الجنائية للنقاش بعد ان صادق عليه مجلس الوزراء مؤخرا.

والملاحظ ان التعديلات التي عرفها قانون المسطرة الجنائية كانت مرتبطة بالتحولات والظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كان يعرفها المغرب، فالتعديلات التي ادخلها ظهير1962 مثلا سجلت تراجعات خطيرة على مستوى ضمان الحريات الفردية من خلال الزيادة في مدد الوضع تحت الحراسة والاعتقال الاحتياطي عما كان عليه الوضع سابقا.

اما ظهير المقتضيات الانتقالية سنة 1974 فلم يخل ايضا من تراجعات ضيقت من الحقوق التي كان يتمتع بها المتهمون فلم يعد التحقيق اجباريا في الجنايات واختياريا في الجنح وامكانيا في المخالفات ان طلبت النيابة العامة ذلك بل اصبح طابعه الاجباري مقتصرا على الجنايات المعاقب عليها بالاعدام أو السجن المؤبد أو التي يرتكبها حدث.

ونتيجة الانتقادات الفقهية التي وجهت والمطالبات المستمرة التي عبرت عنها فعاليات المجتمع المدني وجمعياته وقواه ومنها جمعية هيئات المحامين بالمغرب عبر مؤتمراتها العديدة، فقد ادخلت تعديلات توحي بوجود توجه تشريعي جديد وروح جديدة على مستوى التعديلات تغاير التوجهات التي عبرت عنها التعديلات السابقة.

وظهر ذلك على الخصوص من خلال تقليص مدد الحراسة التي اصبحت 48 ساعة قابلة للتمديد 24 ساعة فقط في الجرائم العادية و96 ساعة يمكن تمديدها مرة واحدة فقط في جرائم أمن الدولة الداخلي وكذا مدة الاعتقال الاحتياطي التي اصبحت شهرين عوض اربعة اشهر واصبح تمديد هذه المدة ممكنا في حدود خمس مرات فقط.

واصبح لزاما على وكيل الملك في الفترة الاخيرة من الفصل 76 ولزاما ايضا على قاضي التحقق ان يخضعا المتهم إلى فحص يجريه طبيب خبير إذا عاينا اثارا تبرر ذلك أو طلب منهما ذلك وهذا مقتضى قانوني لم يكن معترفا به من قبل، اضافة إلى تمتين حقوق الدفاع من خلال السماح للمتهمين بالافادة من مؤازرة المحامين أمام وكيل الملك وقاضي التحقيق اثناء الاستنطاق الاولي.

كما اصبح مفروضا على ضابط الشرطة القضائية ان يقوم باشعار عائلة المحتفظ به رهن الحراسة فور اتخاذ قراره بالوضع تحت الحراسة والان يوضع على طاولة النقاش مشروع مدونة المسطرة الجنائية الذي تضمن تعديلات جوهرية ارتأوا واضعو المشروع انها تساير التطورات التي عرفها المجتمع المغربي وتساير الافكار التي ينادي بها الفكر الجنائي على المستوى الدولي، وستستمر القواعد الشكلية في التغير والتحول وفي الحركة والتطور، لان طبيعتها اقتضت ذلك كما ان النظام الاجرائي الذي قد يصلح للعدالة الجنائية اليوم قد لا يصبح صالحا غدا وان كان قانون المسطرة الجنائية المغربي مازال امامه الكثير، وهذا ما سنتحدث عنه في الفصل الثاني من هذا الموضوع

الاسمبريد إلكترونيرسالة